الأمم كالأفراد يقابل سقوط بعضها بالأسف كما يقابل موت البطل في أسفار التاريخ. ويدرك بعضها الفناء، فتنضب قواها، ويزول نفوذها شيئا فشيئا كما تتلاشى المياه وتزول في أعماق الرمال فلا يجد المؤرخ فرصة للتحدث عن مجدها وسلطانها الزائل . ومما لا شك فيه أن تاريخ بريطانيا وفرنسا منذ انتهاء الحرب العظمى ينتمي للنوع الأخير.
ففي سنة ١٩١٨ كانتا تمثلان أكبر قوة على الأرض وكانت كلمتهما هي القانون. فماذا بقى اليوم من هذه القوة؟ كل إنسان يستطيع أن يجيب على هذا السؤال بسهولة، وعلى الأخص إذا كان من سكان أوربا الوسطى، فقد أصبحوا وكأنما فصلهم عن بريطانيا وفرنسا محيط مترامي الأطراف!
قال حكيم من حكماء الرومان: الإنسان لا يكون سيئا مرة واحدة. ومما لا شك فيه ألا يكون كذلك ضعيفا مرة واحدة
ومن الصعب علينا أن نعرف بالتحديد اللحظة التي أخذت فيها قوى الديمقراطية الغربية في الانحدار. فمن المحتمل أن نعزو ذلك إلى ظروف كثيرة وأسباب عديدة. لقد كان الفيلسوف الأماني (فردريك نيتشة) قليل الثقة بالقيم الأدبية للانتصارات. فكان يقول: إن الانتصارات كثيرا ما تحيط الأمة بسياج من البلادة وقد نكون قريبين من الصواب إذا قلنا إن الانتصارات تصيب الأمم بالكسل على الدوام.
إن الهزيمة ولا شك هي التي ألهبت بسياطها نشاط الأمة الألمانية وحفزتها إلى العمل. وقد عرف زعيم ألمانيا قيمة الجيش للدولة فجعل همه إذكاء روح الرجولة والقوة بين أبنائها ودعوتهم ليكونوا على استعداد للموت في أي لحظة إذا احتاج الأمر. فهذا الموقف الجديد لم يقابل من فرنسا وبريطانيا العظمى بالاهتمام ولم تتيقظا له إلا بعد سنين من النوم والإهمال. وقد ظلت بريطانيا إلى اللحظة الأخيرة مكتفية بجيشها الصغير ولم تكن لتكلف أبناءها بشيء أكثر من دفع الضرائب. فكانت النتيجة الطبيعية أن خفت صوتها في هذا العالم الذي بدأت مظاهره من سنة ١٩٣٣ وقد أصبحنا نسمع الشباب في إنجلترا يتحدثون بلسان السخر والاستهتار عن قيمة الإمبراطورية التي شادها آباؤهم وأجدادهم، ويعلنون أنهم لا يريدون لإمبراطوريتهم العظيمة إلا الهدوء والسلم. أما فرنسا فعلى الرغم من جيشها الكبير فقد وقفت جامدة إزاء الفوضى التي تعم كل مكان للمحافظة على جبهتها.
إن أزمة سبتمبر الخالي تبين مقدار ما وصلت إليه عزيمة بريطانيا وفرنسا من الانحدار. فالهمة التي أبدتها الأمتان تجاه هذه الأزمة ، سرعان ما تبخرت تحت تأثير حب السلامة والكسل حينما أتيحت الفرصة إلى ذلك!! لن ينسى العالم هذا الموقف العجيب. ولن ينسى صورة مستر تشمبرلن رئيس الوزارة الإنجليزية وهو ينحني من عربته غب عودته من ميونخ، ملوحا للجماهير بوريقة كتب فيها بضع كلمات، ليقول: لقد استخلصنا السلم للعالم.

