الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 918 الرجوع إلى "الرسالة"

صوت ينبعث من الأزهر، الأستاذ الأكبر يوجه حركة الاصلاح الديني ، في الشرق الاسلامي،

Share

-  ١ - كانت الغفوة الكبرى التي أصابت العالم الإسلامي في القرون  الوسطى ذات أثر بعيد في حياته السياسية والعقلية والاجتماعية في  القرن التاسع عشر

لم يبعد المسلمون في هذه الحقبة الطويلة كثيراً عن تقاليد  الشرق، وإنما جافوا روح الإسلام، وجهلوا مبادئه وأهدافه، ووقفوا أمام تيار النهضة الغربية جاهلين عاجزين أذلاء. وبادرهم المستعمرون بتحطيم ما بقي في أجسامهم من متعة، وفي قلوبهم من إيمان، وفي أرواحهم من عزة ومثل عليا

وكانت الأحداث الكبرى التي هزت العالم الإسلامي هزاً عنيفاً داعية للمفكرين والمصلحين أن يجاهدوا في سبيل البعث والإحياء وتجديد الحياة والأمل في نفوس المسلمين. واقترن ذلك بدعوات  جريئة للإصلاح؛ انبعثت من رجال الدين حيناً، ومن غيرهم  حيناً آخر؛ من أمثال محمد بن عبد الوهاب م١٢٠٦ هـ، والسيد  أحمد خان الهندي م١٨٩٨، والسيد أمير علي، والكواكبي  م١٩٠٢، وجمال الدين الأفغاني ١٨٩٧م، ومحمد عبده ١٩٠٥م

وسواهم من دعاة الإصلاح، وحملة رسالته كان السيد جمال الدين الأفغاني يريد تحرير الشعوب الإسلامية من العبودية والاستعمار، وتكوين حكومة إسلامية موحدة تهتدي بهدي الإسلام، وبعث الروح القومي في الشرق عن طريق الإصلاح الديني العام.

. . وكان محمد عبده يريد النهوض بالشرق الإسلامي سياسياً  عن طريق النهضة الثقافية به، ويرى أن الإسلام هو السبيل لتمهيد حركة الإصلاح وتغذيتها، وأنه هو والعقل والعلم إخوة، ولذلك دأب على الدعوة إلى تصحيح العقيدة، وإذاعة رسالة  الاسلام، وإيقاظ الشعور العام بإيقاظ الروح الديني

وخفتت بعد محمد عبده دعوة الإصلاح في الشرق؛ وإن لمعت جذوتها حيناً في أفكار الشيخ مصطفى المراغي، رحمه الله، الذي كان يعمل للنهوض بالأزهر الحديث حتى يصل إلى مستوى الجامعات الكبرى في الشرق والغرب

كما أضاءت الشعلة حينا آخر فى آراء الشيخ مصطفى عبد الرازق الذي كان يحرض على إحياء التعارف والتعاون بين المسلمين عامة

ولكن هذه الآثار الضئيلة لم تكن على جانب كبير من الأهمية في الإصلاح الديني في الشعوب الإسلامية في القرن  العشرين

على أن أخطر دعوة للإصلاح الديني في العصر الحاضر إنما  تظهر الآن على يدي فضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ عبد المجيد سليم الذي تولى منصب الإمامة الكبرى، والمشيخة العظمى،  في الأزهر الشريف، منذ وقت قريب

فمنذ أكثر من عشرين عاماً وفضيلة الأستاذ الأكبر يسهر على حماية التراث الاسلامي الخالد؛ ويجهر بالدعوة إلى إصلاح الأزهر إصلاحاً حقيقياً، وتمكينه من أداء رسالته؛ ويرى اقتران الإصلاح الديني في العالم الاسلامي بإصلاح الأزهر الشريف ومهمة الأزهر في رأي الأستاذ الأكبر جد خطيرة؛ فهي

تشمل: (تعليم أبناء الأمة الإسلامية دينهم ولغة كتابهم، تعليماً قوياً مثمراً؛ يجعلهم حملة للشريعة، أئمة في الدين واللغة، حفاظاً حراساً لكتاب الله وسنة رسوله وتراث السلف الصالح  والقيام بما أوجبه الله على الأمة من تبليغ دعوته؛ وإقامة حجته،  ونشر دينه. . . فعلى رعاية هذين الجانبين يجب أن تقوم خطة الإصلاح في الأزهر، وأن يعمل العاملون على تحقيق آمال  الأمة فيه (١) )

ولذلك اتجه فضيلته بعزم قوي إلى إصلاح الأزهر إصلاحاً عاماً شاملاً. ومن كلماته في هذا الصدد (٢) :   (وقد اخذت على  عاتقي، وشرعت - والله المستعان - في توجيه هذه الجامعة  الكبرى توجيهاً صالحاً)

ووسائل إصلاح هذه الجامعة الاسلامية العتيدة تتلخص في  رأي الأستاذ الأكبر فيما يلي :

١ -  مراجعة الكتب الدراسية، وإبقاء الصالح منها، واختيار لون جديد توجه الطلاب توجيهاً حسناً إلى العلم النافع  من أقرب طريق وأيسره

٢ -  تشجيع حركة التأليف والتجديد عن طريق الجوائز العلمية وغيرها حتى يتصل حبل العلم. . . وتوجيه العلماء إلى وضع  بحوث في الفقه والتشريع تساير الروح العلمي الحاضر

٣ -  إعداد جيل قوي من أبناء الأزهر يستطيع أن يحمل  الرسالة؛ فإن الأمة تريد من الأزهر أن يخرج لها علماء في الدين  والشريعة واللغة وسائر العلوم العقلية والاجتماعية المتصلة بها، على أن يكون هؤلاء العلماء مزودين مع هذا بقدر صالح من العلوم الأخرى التي تفيدهم في مجتمعهم ثقافة عامة (٣) ) . في هذا يقول الأستاذ الأكبر أيضاً موجهاً كلمته إلى الازهريين : نصيحتي إليكم أن تعلموا أنكم مجندون في سبيل الله. فأقبلوا على  دراستكم، وتجملوا بالفضيلة بينكم وبين الناس، لتحقيق آمال  الأمة فيكم، وإعلاء كلمة الدين والعلم بكم (٤)

٤ - تشجيع حركة البعوث العلمية التى يرسلها الأزهر إلى جامعات اوربا للتزود من شتى الثقافات ولا بدع فإن العلم رحم " بين الناس كافة " كما يقول الأستاذ الأكبر لعلماء جامعات أوربا الذين حجوا إلى مكتبه فى زيارتهم للازهر الشريف

٥ -  تنظيم هذه الجامعة الكبرى تنظيماً يتفق مع خطر رسالتها، ويساعدها على أداء هذه الرسالة، وإنشاء مكتبة كبرى، ودار كبيرة للطباعة، وإكمال مباني الأزهر الجامعي، تمهيداً للاحتفال بعيده الألفي؛ إلى غير ذلك من وسائل الإصلاح

أما مهمة الأزهر في سبيل الاصلاح الديني في مصر والشرق  الاسلامي فتتلخص فيما يلي

١ -  العناية بإصلاح حالة الأسرة بإصلاح شؤونها، ودعم كيانها، عن طريق بحث التشريعات اللازمة لها: في الزواج، والطلاق، والنفقة، والحضانة، والولاية، وما إليها (١)

٢ -  نشر الدين والثقافة في كل ناحية ٣ -  إرسال البعوث الأزهرية إلى شتى أرجاء البلاد الاسلامية  لدراسة أحوالها، وتهذيب أبنائها

٤ -  تشجيع البعوث الاسلامية الوافدة على الأزهر، وبناء دار كبرى لإقامتهم، ورعاية شؤونهم العلمية والخلقية والدينية

٥ -  ربط الأزهر بشتى الجامعات الشرقية، وإنشاء مراكز ثقافية له في عواصم البلاد الاسلامية

وأما مهمة الأزهر في الدعوة إلى الدين في العالم، فهي كما  يرى الأستاذ الأكبر تشمل ما يأتي:

١ -  توجيه العلماء إلى وضع مؤلفات باللغات الأجنبية، لبيان حقيقة الإسلام بمزاياه. وقد بدأ فضيلة الأستاذ الكبير الشيخ محمود شلتوت عضو جماعة كبار العلماء بتأليف رسالة في  شرح مبادئ الاسلام، تترجم الآن إلى اللغات الحية، لإذاعتها  في العالم.

٢ -  إنشاء إدارة للدعاية الإسلامية تتولى توجيه الناس إلى  الإسلام ومبادئه الخالدة ٣ -  ترجمة تفسير القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية

ويرسم الأستاذ الأكبر خطة للإصلاح في البلاد الإسلامية في كلمة جامعة وجهها إلى الشعوب الإسلامية منذ أيام وهذه  الخطة هي:

أولاً: أن يؤمنوا إيماناً عن بينة وبصيرة بأنه لا صلاح لهم  إلا بالدين الذي صلح به أولهم. ثانياً: أن ينسوا أحقادهم وميراث عدوانهم، فيعودوا كما  تركهم رسول الله أمة واحدة عزيزة كريمة؛ لا غرض لها إلا  إعلاء كلمة الله، ونشر دينه، والدفاع عن الحق حيثما وجدت لذلك سبيلاً

هذه هي أخطر رسالة للاصلاح الديني في مصر والشرق  الإسلامي في العصر الحديث.

وهي رسالة لا يستطيع النهوض بأعبائها إلا من كان مثل الأستاذ الأكبر في خلقه ودينه؛ وفي غيرته على العقيدة الاسلامية، والشريعة المحمدية، والتراث الاسلامي المجيد

اشترك في نشرتنا البريدية