الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 697الرجوع إلى "الثقافة"

صورة أدبية :, مشكلة سيكه، من وحى الأساطير الاغريقية

Share

(مخدع غنى بالرياش والطنافس ، غارق فى ضوء غامض يكاد يطمس معالم أركانه . كهذا الضوء الباهت الغامض الذى تغيب فى طواياه أركان المعابد . فراش وثير ، فى جواره نافذة مفتوحة تلوح منها السماء حمراء بلون الشفق ، باب فى الصدر ) .

(تسمع خطوات رقيقة فى الخارج تقترب من الباب ثم يفتح الباب وتدخل حورية هيفاء منسدلة الشعر على الكتفين ، ذات وجه ملائكى اطيف ، تتجه نحو النافذة ) .

الحورية (تتأمل الشفق مفكرة ): هذه هى حياتى منذ عرفته : أطعم وأستحم وانتظر مجيئه بمقدم الليل ، فلا أراه ولا يرانى ، وقبل أن يتنفس الصبح اتفقده جوارى فلا أجده . من هو ؟ ! من أين أتى ؟ : إلى أى عائلة ينتسب ؟! لماذا لا يريد الكشف عن ذاته ؟! أسئلة لاجواب لها عندى ، أسئلة لا يسمح لى بسؤالها ، لقد تعهدت بذلك ! ولكن لماذا أهتم لهذا الأمر ؟ ! إنى حقاً لسعيدة ، إنى حقاً لموفورة الهناء . (تنظر إلى صدرها الناهد وقد انعكس عليه ضوء الشفق ) . إنى أحب ؛ من يشقى جسدى من أعلى رأسى حتى أخمص قدمى فلن يجد مكان لحمى وعظامى ودمى جميعاً غير قلب ، ما أنا إلا قلب . إن كل خلية فى جسمى تحبه ، تعبده . إنى لا أرى الأشياء على حقيقتها إلا بوحى من حبه ، لا أشعر بكيانى وبوجودى إلا بوحى من كيانه ومن

وجوده . إذا غاب عنى فكأنى غبت عن نفسى.. (تنظر إلى الشفق ساهمة الطرف ) فإذا أحسست به ، جوارى عاد إلى الإحساس بنفسى . أنا هو ، وهو أنا : روح واحدة فى جسدين . إنى لأتساءل : لم لم نخلق جسداً واحداً ! (تبتسم وتتنهد وتتجه نحو الفراش ) ما إن ينطوى النهار وتهت الأضواء حتى يضطرب كيانى كله . إنى أنتظره . كم يتأخر ! عجباً ؛ فعندما أكون إلى جواره لا أشعر بمرور الزمن ؛ تمضى ساعات الليل وهو بجانبى وكأنها لحظة ، وأما ساعات النهار ، وأنا انتظره . فكانها دهور . . (تسمع طرقة خفيفة على الباب فيضطرب مجرى تأملاتها )غريب ! لم يؤن وقت عودته بعد ! اتراه سيكشف لى عن نفسه اليوم ؟ ! ومع كل ، فليس من عادته الدخول من الباب . إنه يفضل التسلل من النافذة . ( تصلح شعرها بأناملها وتضغط رداءها على جسدها فتظهر مفاتن صدرها . . ) أوه . حبيبى ! ومنذ متى تنتظر أن أسمح لك بالدخول ؟!

صوت (نسائى من الخارج ) : أأصبح كل شخص فى نظرك من تحبين ياسيكه ؟ !

سيكه (تفتح الباب فى دهشة ): أوه، اختى ، أعذرينى . لقد دهشت فعلاً من احتمال عودته مبكراً هذا المساء على غير عادته !

(تتجه الأختان نحو النافذة ، ثم تقفان إليها ) . الأخت : ألم تعرفى من يكون بعد ؟ !

سيكه : وما الذى يعنيني من هذا إذا كنت سعيدة ؟ ! إنى أحبه وكفى . إنى لا افكر إلا فيه . .

الأخت : لست أدرى كيف يمكن للإنسان أن يحب إنسانا آخر لا يعرف عنه شيئا !

سيكه ، ولست أدرى لماذا بريد الإنسان ان يعرف كل شئ عمن يحب ؛ حسب الإنسان ما هو فيه من سعادة . فى انظر إلى السماء الصافية فأعجب برسم قطعة من السحاب تسرى على صفحتها ، وأعجب بلون الشفق عند الأصيل . وأعجب بالطل وهو يغطى أوراق الزهر وينزلق عليها إذا ما كان الضحى ، وأعجب بلون الورد وبتغريد الطير ؛ إنى اعجب بكل شئ فى هذا العالم كما أعجب بحبيبى ، فما الذى يعنينى من معرفة كنه من أحب وما أحب ؟ ! يكفينى أنى ما أعيش إلا من أجله ، وهو لا يعيش إلا من أجلى ، كلانا يحب صاحبه ، وحسى منه أن يستجيب إلى نداء قلبى

الأخت : ليس هناك أبسط من هذا التفكير . لكأنك مازلت طفلة .

سيكه : كم أتمنى أن أعود طفلة لأعجب بالشىء ولا أسأل عن سر هذا الإعجاب ! كما افعل أنا الآن. الأخت : ليس هذا هو الحق . فالطفل دائم السؤال عما لا يعرف سره .

سيكه : ولكنه يقنع بأبسط جواب . الأخت : وهل عرفت جواباً بسيطاً عمن يكون زوجك ! سيكه : هو كائن يسعدني وجوده إلى جواري . فإذا تركنى أحسست بفراغ قلبى ونفسى معاً . هو كائن أحبه غائباً وأحبه حاضراً ، وأحبه نائمة وأحبه يقظة . هذا هو زوجى .

الأخت : ومع كل ، فلو كنت مكانك لحاولت معرفة من يكون زوجى . فربما كان هذا الوحش المخيف الذى قالت لك به الطوالع .

سيكه : وحش مخيف ! (تضحك) . إنه رقيق لم يؤذنى قط . لو أنه كان وحشاً مخيفاً حقاً لآذانى منذ زمن. الأخت : أنسيت أن الجزار يربى شاته حتى تسمن فيذبحها ؟

سيكه : ما وجدته قط إلا لطيفاً . ما عرفته قط إلا رقيقاً .

الأخت : ألا تذكرين وقت أن جاءنى وأختنا الخطاب وبقيت أنت دون خطيب ؟ لقد خاف والدانا أن تكون الآلهة غضبى عليك فاستعملا طوالع أبوللون عمن يكون زوجك المنتظر ، فقالت لهما إنه وحش مخيف لا تستطيع الآلهة ولا الناس مقاومته وإنه ينتظرك على قمة جبل قريب .

سيكه : عندئذ صممت على الذهاب إليه ، وصحبتنى لدائى باكيات دامعات العين حتى قمة الجبل ، وتركتنى هناك وحيدة أبكى . عندئذ جاءنى إله الريح ، زيفير ، ورفعنى على ساعديه وحملنى إلى واد كله ورود وزهور ؛ وهناك استغرقت فى النوم كل الاستغراق . وعندما استيقظت وجدت نفسى فى دغل ذى أشجار سامقة كثيفة يتاخمه قصر منيف ، أكثر جمالا وأبهة من بيت أبينا . ولجث الباب وكان مفتوحا على مصراعيه ، ومع أنى لم أر أحداً فقد كنت أسمع أصواتاً غامضة رقيقة تدعونى إلى أن أستحم وأتناول عشائى ، بينما كانت تملأ الهواء من حولى موسيقى حلوة النغم . وجاء المساء وجاء معه زوجى .

الأخت : وكيف وجدته ؟ سيكه : وجدته زوجا حنونا لطيفاً رقيقاً . الأخت : إنك تحلمين . أفيقى من هذا الحلم . مازوجك إلا وحش ينتظر بفارغ الصبر لحظة ينقض فيها عليك . إنه لا يود أن ترى وجهه ولا أن تعرفى اسمه لأنك لو فعلتى كرهته سيكه (فى اضطراب) : إنك تخيفيننى .

الأخت : أفيقى . أفيقى . سيكه : أهو ينتظر ... الأخت : أنت تعيشين فى حلم . سيكه : أهو سينقض على ... الأخت : أنت فى حاجة إلى من يوقظك . سيكه : إنى أستيقظ ... الأخت : أراك ذاهلة . سيكه : ترى ماذا يكون اسمه ، وكيف يكون وجهه ؟ ! الأخت (متماكرة) : ألست تحبينه ؟ ! حسبك منه هذا الحب! سيكه : ترى من يكون زوجى ؟ ! الأخت : وما حاجتك إلى هذا ؟ سيكه : أود أن أعلم .

الأخت : بعض المعرفة قد يؤدى إلى فتور الحب . سيكه : لا أحب أن أعيش وعلى عينى غمامة . الأخت : أراك كبرت على حين فجأة !

سيكه : عهد الطفولة عهد سعادة حقاً ، ولكن سعادة الطفولة سعادة طبيعية مبنية على الجهل ، فلا بد لنا فيها ، أفضل منها سعادة الشباب المكتمل إذا استطاع أن يستغل المعرفة فى سبيل إسعاده لا إشقائه ، لأنها عندئذ تكون سعادة اجتهدنا فى الحصول عليها . كم أود أن تكتمل سعادتى بمعرفة من يكون زوجى ! (تنظر من النافذة : لقد تحول الشفق الأحمر إلى أرجوان معتم . . الليل يقبل) . لم يعد باق حتى عودة زوجى إلا قليل من الوقت ، فكرى معى يا أختاه وتدبرى : كيف أحتال على معرفة زوجى : كيف أرى وجهه مثلا ، وكيف أعرف اسمه ؟ !

الأخت (بعد لحظة تفكير) : أمر بسيط . خبئى مصباحاً فى غرفتك ، حتى إذا استلقى زوجك على الفراش ونام فى جوارك ، انسللت من فراشك وقربت المصباح من وجهه وجسده ؛ عندئذ سترينه دون أن يراك . . ولكن لا تنسى أن تخبئى تحت وسادتك خنجراً تصرعينه إذا تبين لك أنه كائن وحشى حقاً .

سيكه : إنى مضطربة . الأخت : إنه اضطراب الشك ، سرعان ما يمحوه اليقين . سيكه : فإذا تبين لى أنه ليس كائناً وحشياً ؟ الأخت : زاد حبك له وهيامك به . سيكه : ألم تسمعى ؟ الأخت : ماذا سمعت ؟ ! سيكه : حفيف أجنحة . الأخت : وما هذا ؟ ! سيكه : إنه هو .

الأخت : إنه هو ! لا مكان لى هنا الآن . سأدعك إذا فى حماية الخنجر . ثم لا تنسى المصباح ...

(تنسل الأخت هاربة من الباب وتوصده خلفها ... وتعد سيكه مصباحاً زيتياً تضعه فى مكان خبىء تحت الفراش كما تضع خنجراً تحت الوسادة . جو المخدع الآن : ضوء خفيف جداً غير معلوم المصدر يسقط على وجه سيكه ، ويدع المكان كله فى شبه ظلام . بدأت النجوم تلتمع فى الفضاء

الذى يلوح خلال النافذة المفتوحة .

(سيكه قريبة من النافذة تنظر إلى الفضاء فى ترقب وقلق يظهر شبح غير محدود المعالم لا يلبث أن يهبط إلى أرض الغرفة حيث تستقبله مبسوطة الذراعين) . الشبح : ما يأتى المساء حتى أحن إلى مهجة الفؤاد . أيتها الحبيبة ، إن حياتى من حياتك ...

سيكه : زوجى ، إن روحينا متجاوبان . ضمنى إلى صدرك .

الزوج : يا حرارة شفتيك ! سيكه : لكأنك تقبلنى لأول مرة ! الزوج : كل قبلة منك هى أول قبلة . سيكه (بعد لحظة تفكير) : ترى ماذا كنت أكون الآن لو أنى لم أعرفك ، ولم تعرفني ؟! ما هى الظروف التى جمعت أحدنا إلى صاحبه ؟ ما هى هذه الظروف التى ألح دائماً فى أن أعرفها والتى تمانع أنت دائماً فى أن تقصها على ؟ الزوج : وما نفع هذه القصة ؟!

سيكه : وماذا يضيرك من هذا ! لن أسألك من أنت وما هو إسمك ومن أين أتيت ، فقد تعاهدنا على ذلك ، ولكن الذى أريد معرفته : كيف حدث أن يكون مصيرى معلقا بمصيرك ؟! كيف حدث أن تعلقت بك دون أن أراك ودون ان أعلم عنك شيئا ؟! هذا هو ما يحيرنى ! لقد كنت أجهل كل شئ عنك ولكنى صممت على أن ألقاك وأتزوجك ...

الزوج : كل مساء نفس السؤال ، وكل لقاء نفس علامة الاستفهام : كيف حدث أن يكون مصيرى متعلقاً بمصيرك .. ها هى ذى القصة لتريحينى من معاودة السؤال . إنك تعلمين كيف كانت أفروديت ، إلهة الجمال . تغار منك ومما كنت تحرزين من إعجاب الناس الذين كانوا ينثرون الورد والرياحين تحت قدميك أينما ذهبت وإنى حللت . كما لو كنت ملكة الجمال نفسها . ولقد ألحت على أفروديت أن أوحى إليك بحب صاعق تقعين فيه من أجل مخلوق حقير تافه . سيكه : ولكن من تكون حتى تستطيع أن توحى إلى أحد بأن يقع فى الحب أو لا يقع ... ليس هناك غير إله واحد يمكنه أن يوحى بالحب فى قلوب البشر .

الزوج : من ؟!

سيكه : كيوبيد . الزوج : آه . سيكه : فى صوتك شئ من الدهش والاضطراب ! الزوج : لا شىء . لا شىء . سيكه : قلبك تزداد ضرباته ! الزوج : ذاك من فيض الحب. سيكه :  شفتاك أصبحتا باردتين على شفتى ! الزوج (يتمتم ) : ليتنى ما قلتها . سيكه : ماذا قلت ؟!

الزوج : هناك أشياء يجدر بالإنسان ألا يعرفها . سيكه : كأن تفسر لى مثلا : كيف حدث أن يكون مصيرى متعلقا بمصيرك ! كأن تقول لى مثلاً : كيف حدث أن تعلقت بك دون أن أراك ودون أن أعلم عنك شيئا ! الزوج (يعود إليه هدؤه) : كانت فى حديقة الإلهة نافورتان ، إحداهما حلوة والأخرى مرة . أخذت كأسين من العنبر وملأت واحدة من النافورة الحلوة والأخرى من المرة ، وولجت غرفتك ؛ ووجدتك نائمة . وإذ نثرت على شفتيك قطرات من المرارة ولمست جانبك بطرف سهـ ... (مستدركاً) بطرف إصبعى ، بدأت تضطربين فى نومك . وفى فزعى وخوفى من أن تفتحى عينيك فتريننى ، جرحت نفسى . . عندئذ وقعت فى حبك .

سيكه (ذاهلة عما يقول ، وقد كان يمكن أن تكتشف بحديثه من يكون) : آه ... الزوج : وكانت أولى خطواتى بعد ذلك أن أسكب قطرات من الكأس الحلوة على شفتيك ؛ ثم انطلقت بعد ذلك صوب قمة الجبل ... لأنتظرك.

سيكه :لولا غيرة أفروديت ما تهيأ لنا هذا الحب . الزوج ، ليست غيرة أفروديت هى كل شئ . سيكه : كيف ؟! الزوج : كنت سأعبدك ، حتى لو لم تدفعنى غيرة أفروديت إلى معرفتك .

سيكه : قل لى : لماذا تحبنى هذا الحب كله ؟! الزوج : ما فائدة الحديث فى هذا . ما نحن إلا عابدين معبودين : أنا وانت . ماذا يمكن أن يدل هذا الاتصال

الروحى واللهفة إلى القاء وقت الفراق وساعات الانتظار! إن قلب أحدنا متفتح لحب صاحبه كما تتفتح أوراق الزهرة لقطرة الندى . ما نحن إلا زهرة وقطرة ندى . .

سيكه : ما فى هذا أردتك على أن تتكلم . كنت أريد أن أعرف : لماذا تحبنى هذا الحب كله ؟ ! الزوج : إنى أحبك ؛ احبك كما تحب النحلة الزهرة ، وكالنحلة ، لا أدرى لماذا احبك ؛ إنه وحى إلهى يستحيل على تفسيره ورده إلى دافعه .

سيكه : لماذا تعبدنى هذه العبادة كلها ؟! الزوج : إنى أعبدك ، أعبدك كما تعبد الفراشة النور ؛ وكالفراشة لا أدرى لماذا أعبدك . إنه إحساس خارج عن إرادتى يستحيل على تعليله ورده إلى أسبابه . سيكه : وكيف تعلمت هذا الكلام ؟!

الزوج : ليس الشعر وقفاً على الشعراء . يكفى أن تحرك القلب مشاعر الحب لا ليكتب أشعاراً منظومة مقفاة متكلفة ، ولكن ليفيض بما يملأه من أحاسيس ، لا أجد ما يدعو إلى تنظيمها وتبوبها وتقفيتها ، ما تذوقت شعراً منظوماً قط ، أجمل الشعر ما كان منثوراً . لست أملك ريشة شاعر ، ولكن لى قلبه : إنى أهبه لك إلى الأبد .

(يتعانقان فى قبلة طويلة) (نفس المنظر ، فى ظلام . لا حركة ولا صوت . سيكه تنسل من فراشها فى حذر وتتجه صوب النافذة لتتأمل النجوم التى تقع فى السماء) .

سيكه : ماذا أفعل ؟ إلهى ! ألهمنى العون . أأكشف السر أم يحسن ألا افعل ! عقلى فى اضطراب ، أأقدم أم أحجم ، ترى من يكون ؟! إنا لحيارى فى هذه الحياة بين ما يجب ان نأتى من الفعل وما ندع . كل مستور أمامنا يغوى بكشف الستار عنه ، فإذا أردنا كشف الستار امتلأنا خوفاً مما قد يفاجئنا ما وراءها من أسرار . حياتنا كلها تخبط بين إقدام وإحجام ؛ بين المضى إلى الإمام والنكوص على الأعقاب . نحن نريد ونحن لا نريد . نحن نريد أن نجهل ونحن نريد أن نعرف . ليس هناك سوى نهايتين : هناك جهل وهناك معرفة . ليس هناك ما يمكن أن يسمى جهلا وسطاً أو معرفة وسطاً ، فأنا إما جاهلة وإما عارفة .

المشكلة هى أن الجهل والمعرفة يمثلان عندى صندوقاً مقفلا : أما خارج الصندوق فهو مزين برسوم جميلة ملونة تغرى العين إليها بالنظر ، وأما داخل الصندوق فهناك شىء مجهول للناظر إليه من الخارج . لابد أن يكون هناك شىء بالداخل ، إذ ما فائدة الصندوق إذا كان فارغاً فى الداخل ؟ مادام هناك صندوق فهناك ما " يجب أن " يحتويه هذا الصندوق . الزينة الخارجية تمثل عندى الجهل . أما ما يحتويه الصندوق فهو معرفة . لا يفصل الجهل عن المعرفة سوى غطاء . المشكلة هنا هى : أيجدر أن أفتح الصندوق ؟ إنى سعيدة برؤيتى الصندوق من الخارج ، إنى لأتأمله مقفلا ، فلا أملك الا الإعجاب به والتهليل له ، ولكنى أفكر : ما فائدة هذا الصندوق المقفل إذا ظل مقفلا إلى الأبد ؟! قد يأتى اليوم الذى تبهت فيه الرسوم الخارجية والألوان ، عندئذ لا يبقى لدى ، لأرى ، غير ظاهر صدئ أسود ، ما فائدة هذا الصندوق عندى ؟! إن به لشيئاً لا أنتظر لمعرفته سوى رفع غطاء ، وإنه لغطاء غير قوى الإحكام ، يكفى لرفعه طرف الإصبع ... إذا أردت ، ولكن أأرفعه أم أدعه كما هو وأكتفى بالنظر إليه من الخارج ؟! إن نقوشه من الخارج لتبهر عينى ؛ ولكن لا . كفى زينة . كفى إعجاباً بالقشور . كل من يعيش أبداً على القشور ، قشرة بين القشور ؛ إنما اللب هو مطمح كل إنسان عقد العزم على ألا يكون قشرة من القشور ، بينى وبين اللب قشرة ؛ ما أسهل انتزاعها ، ولكن أمر هذا اللب أم هو حلو ؟ من يدرى ! على أن أجرب حظى . ليس بينى وبين اليقين غير تجربة . التجربة هى وحدها الفصل فيما نتخبط فيه . تكفى لانجلاء بهمة الليل شعلة من النور... (فى اضطراب) نور المصباح الذى خبأته تحت الفراش إن هو إلا الإصبع الذى أرفع به غطاء الصندوق ، إن هو إلا الظلف الذى أنزع به القشرة لأرى ما بداخل القشرة ، ولكن أمصيبة أنا أم مخطئة فيما اعتزمته ؟! إن الناس لسعداء فى جهلهم . ما رأيت جاهلا إلا وكان سعيداً ، أما العارفون فأشقياء تعساء . لماذا ؟! إنى لأتساءل : أيمكن أن تتفق السعادة والظلام ؟! أحسب المعقول أن ينسجم النور والسعادة ... ما رأيت قط عاقلا سعيداً ، إنما يطفح البشر على وجوه

العقلاء عجيب أمر هذه الحياة ، فحيثما كان يجدر بالمعرفة أن تخلق سعادة تجدها تزيد الناس شقاء ؛ إنى لا أحب أن اشقى ! إنى سعيدة بجهلى حقيقة زوجى ، وماذا يعنينى من حقيقته .. . تباً لك ايتها الأخت ! لقد شوشت على عقلى وتركتنى فى اضطراب ذهنى لا حد له . سأعود إلى الفراش ، وأنسى كل الذى حدث . ياله من كابوس (تتجه نحو الفراش ولكن ما إن تقف إزاءه حتى تنتابها رعدة )كيف أنام فى جواره الآن ؟ ! إنى فى شك . لم أعد أرى أمامى غير وحش مفترس . أرى أشباحاً تلتف بى وتحاول أن تأخذ بمخنقى ، كل ما حولى يكاد أن يبتلعنى ؛ هذا الصمت هذه الوحشة ؛ أحس أنايباً تأخذ بمخنقى ؛ مخالب الوحش تمزق جسدى . ولكنى اتحسس رقبتى وأمر بيدى على جسدى فلا أجد شيئاً ، إنما قلبى هو الذى يختنق ، نفسى هى التى تتمزق . ليس بينى وبين الحقيقة سوى غطاء . هذا المصباح الذى أخبئه تحت الفراش ، لكأنه يدعونى إلى أن أتناوله ، لكأنه يدفعنى إلى أن أقربه من وجه زوجى . أأقدم أم أحجم !! (تمتد يدها دون أن تشعر تحت الفراش ) ها هى ذى أصابعى قد امتدت إلى المصباح وأطبقت عليه . لم يبق إلا أن أرفعه إلى وجه حبيبى . كم اضطرب ! إنى محمومة تصطرع فى قلبى المشاعر . (تدع المصباح وتنحنى على صدر زوجها ) يا لحر أنفاسه ! كم أود أن اكون فى أحضانه الآن فينيمنى إلى صدره ويقبلنى على شفتى (تقترب بشفتيها من شفتيه )إنى أتخيله الآن يلثم وجنتى ويداعب بأنامله شعرى الطويل ، وقد تنزلق شفتاه حتى كتفى فنحرى فأرتجف فى نشوة وأسكر فى حلم .

وقد يتناول يدى فى يديه ويهمس فى أذنى بكلمات الحب ونجوى الغرام ، ثم يقبل راحتى يدى المحمومتين بفمه الملتهب وأرقد بين ذراعيه ناسية العالم وما يضطرب فيه من ناس ، ناسية مكانى من هذا القصر ومن قمة هذا الجبل ومن هذه الغابة ، ناسية الزمان الذى أكون فيه شاعرة أنى إنما أعيش فى الأزل أو فى الأبدية حيث لا زمان ولا مكان . ولكن لا ! (تبتعد عن صدر زوجها). لا احن يدرينى من يكون هذا الزوج ؛ ويحك أيتها الأخت ! كنت سعيدة بجهلى ، أما الآن فيعذبنى الشك . ولكن ، ألا يمكن أن أسعد بالمعرفة ؟ !

إنى أريد اليقين ، أريد اليقين ، . اليقين . (تمد يدها إلى المصباح تحت الفراش بإصرار) لن أستريح منذ الآن حتى اراه وأعرفه . أريد أن أعرف من يكون (ترفع المصباح الزيتى بيد مرتجفة . حينئذ يلوح وجهها فى ضوء المصباح الهادىء : ولكن ملامح وجهها تظهر معقدة بعض التعقيد ، يمتزج فيها صور من الخوف والتطلع والألم والأمل ، وتوقع شئ لا تدرى ما هو . وتزداد اضطراباً كلما اقتربت بالمصباح فى يدها من زوجها الذى ينام نوماً هادئاً عميقاً ، فتظهر ملامح وجهه وشكل جسده شيئاً فشيئاً) عجباً ! عجباً ! اهذا هو زوجى ! عجباً ! هذا الكائن جميل الوجه حالم الملامح ! عجباً ! عجباً ! أهذا هو زوجى ؟! ولكن ما هذا ؟! جعبة فيها سهام مسندة إلى جوار النافذة ! هذا ... كيوبيد ! أهو زوجى كيوبيد ولا أدرى ؟! هذا الطفل الإلاهى الذى تتمنى كل النساء والفتيات أن يطعن قلوبهن بسهم من سهامه ! هذا الوجه الملائكى اللطيف ذو الشفتين الورديتين الشهيتين . هذه الأجنحة . ولكني أشعر بالخجل من فعلتى .. . (تجهش بالبكاء ، فتنهمر دموعها غزيرة على الفراش . وإذ تستدير آخر الأمر لتطفىء المصباح ، يحدث حادث صغير يذهب بسعادتها الجديدة ، إذ أن اهتزاز الشعلة الخبيئة فى يدها يسقط على كتف كيوبيد نقطة حارقة من الزيت ، فينتقض ؛ وإذ يراها فى حيرتها وارتباكها يدرك تمام الإدراك معنى نظرتها الحزينة . وبكل هدوء ، وهو ينظر إلى سيكه فى أسف ، يبسط كيوبيد جناحية ويقفز إلى جهة النافذة .

عندئذ تحاول سيكه اللحاق به ولكنها تقع على الأرض ويقع مصباحها فى جوارها) .

كيوبيد : عقابى أن أهجرك إلى الأبد . لا يمكن للحب أن يعيش بدون إيمان .

سيكه: هى لحظة شك لا أكثر ولا أقل . كيوبيد ، كل شئ قد انتهى بيننا . سيكه : ألا من فرصة أخرى ؟ كيوبيد : فرص الحياة معدودة على أصابع اليد الواحدة بالنسبة للكائن الواحد . والناجح فى هذه الحياة هو من لا يدع فرصة تمر دون أن ينتهزها . لقد كنت تعيشين فى سعادة . . هذه هى فرصة ضاعت منك .

سيكه : إنها أختى. . . كيوبيد : ابله معتوه من يتأثر بإيحاء الغير . لا يجب على الشخص أن يستمد أفكاره من أفكار غيره . لقد ولد كل إنسان وبه عقل وبه قلب خاصان به . كل كائن فرد يمثل فى هذه الحياة عالماً فرداً . فلم لا تمضون فى هذه الحياة بعقولكم الفردة وقلوبكم !ما وجدت أشقى من إنسان تصدر أفعاله بحسب إرادة الغير ، وما وجدت أسعد من إنسان تصدر أفعاله حسب إرادته هو نفسه . لقد كنت سعيدة ، وكان هذا وحده كفيلاً بصم أذنيك عن حديث أختك ! إن الواحد منكم يكون سعيداً بشئونه الخاصة كل السعادة حتى يأتى صاحب ، خبيثاً كان أو غير خبيث ، بغرض كان أو بغير غرض ، يصمكم بكل نقيص ذميم ، لدهولكم عن الحياة فى غمرة سعادتكم : يبذر فى قلوبكم الشك ، فتضطرب عقولكم ، ومتى اضطربت عقولكم فهيهات أن تعود إلى استقرارها ، وهيهات أن تعود قلوبكم إلى سكينتها واطمئنانها . إنى ذاهب . .

سيكه (تبكى وتولول ) : فرصة أخرى !... كيوبيد : لقد قضى الأمر . (يخفق بجناحيه ويختفى من النافذة ).

سيكه (ترمى بوجهها على الفراش وتنخرط فى البكاء ؛ ولكن عندما ما ترفع وجهها وتجول بعينيها فيما حولها ، لا تجد أثراً للقصر الذى كان يحتويها ولا للحديقة التى كانت تحيط به . لقد تلاشى كل شئ ... كل شئ قد تلاشى ، وتجد نفسها أخيراً وحيدة ذاهلة . شاردة اللب ...) كيوبيد ! لو لم أكن حمقاء رعناء ما حدث شىء إنى لبلهاء . لقد كنت سعيدة فأشقيت نفسى ! هذا حلم قوضته بحماقتى . كانت الحياة أمامي ، فلم يبق لى منها إلا الأسى والألم ؛ إنى نادمة ... ولكن ما فائدة ندمى ؟! إنى أبكى ... ولكن ما فائدة بكائى ؟! كل شئ قد انتهى . سأعيش مستقبلى فى ماضى ؛ سأعيش مستقبلى وأنا أذكر كيوبيد وأحلم بصحبته . ياللحياة الضائعة ! وأنا أعرف أنه لن يعود . . لن يعود . .

اشترك في نشرتنا البريدية