الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 695الرجوع إلى "الثقافة"

صورة أدبية :, من صاحب الأنف .. وإليه

Share

-٢-

ما معني حياتنا ؟ إني لأتساءل : ما معنى هذه الساقية تدور إلى غير نهاية ؟ ! ما معنى هذا التعب الدائم منذ نولد حتى نموت لماذا تموت ؟ ! لماذا نولد ولماذا نعيش ؟ ثم لماذا نموت ؟ من العبث أن أقنع نفس أننا إنما نأتي الأرض لنتكاثر فنعمرها ! ولكن إذا اقتنعت بهذا - أو اصطنعت الاقتناع - لماذا نتكاثر ولماذا نعمر الأرض ؟ ! من العبث القول أننا نتكاثر ونعمر الأرض لنمتع أنظارنا بجمال الطبيعة ، كما أنه من العبث القول أن الأحياء يجملون الأرض ويجعلونها بهجة للعين ؛ إني أقولها لك دون حرج : كل هذا كذب ، كذب ، كذب ، إني لا أجد أقبح من الأحياء على الأرض ؛ وإن الطبيعة وحدها كانت كافية لأن تكون جميلة في ذاتها ، إذ أني أراها في غير حاجة إلي الحيوان يملؤها والإنسان يشمخ بأنفه عليها . الطبيعة بجبالها وأنهارها وتلالها وهضابها وأشجارها وينابيعها ، والحشائش التي تغطى أرضها والسحب التي تجري في سمائها . . كل هذا جميل في ذاته باقي ، أما الإنسان ، أما الحيوان ، فزائلان . إني أعشق كل ما هو باق واحتقر كل ما هو زائل . إني أحب كل ما حولي من " أشياء " ( أني أحب الجبال الشاهقة والأشجار المعمرة

والسحب والأنهار والينابيع ، أحب هذه " الزلطة " تحت قدمي ، أحب الأمطار تغرقني . . أحب الطبيعة لأنها خالدة ، ولا أحب الحيوان - والإنسان ضمنا - لأنه زائل . ليكون لحياتي معني يجب أن تكون خالدة . لن أقول إن الإنسان ، في تعاقبه ، خالد ! ماذا يهم ؟ ! إني أريد أن أبقى " أنا " نفسي أريد ألا أموت ، أريد أن أبقى أبد الدهر أنا نفسي فلان هو الذي أريد أن يبقى ، لا الإنسان في تعاقبه ، إني أحس بنفسي حقيرة ، لأني أحس عناصر الفناء تدب في جسدي ، كلما تذكرت أني سأواري التراب يوما وأنسي بعد أيام من رحيلى عن هذه الحياة أحسست بقلبي غصة أنا ! انا الذي كنت " مليئا بالآمال ، أنا الذي كنت كلي ثورة ، أنا الذي كنت أسعد وأشقى ، أفرح وأحزن ، أقم الدنيا وأقعدها ، أنا الذي كنت أضع المشاريع وأسبي للسمو والرفعة يكون مصيري هكذا : كتلة من اللحم النتن لا يلبث الدود أن يأتي عليها في أعماق الأرض ! لا ! إني في هذه اللحظة ميت حقا ما دامت عناصر الفناء تدب فى فعلا من الآن . إني في طريقي إلي الموت . . إني أولد كي أموت . إني لاشئ في هذه الحياة ، لأني زائل .

وإذا ما نظرت نظرة أخري إلي نفسي وجدت أني حتى في هذه الفترة القصيرة التى دفعت إلى أن أحياها ، أجدني عاجزا كل العجز عن أن أغير من كينونتي شيئا . فمثلا إذا أردت أن " اتغير " تعسر على ذلك فانا إذا ضقت ذرعا بنفسي ووجودي وأردت ألا أشعر بكينوني وأنتهي مع نفسي ومع ما كنته حتى قبل هذه المحظة تعذر علي ذلك . كم أحب أن أنقلب انقلابا كليا وان اكون شخصا آخر . فإذا سألتى : لماذا أريد أن اتغير ؟ لسألتك دون تردد : لماذا تحتاج إلى أن تغير حذاءك أوقيصك أوبذلتك من وقت إلى آخر ؟ ! المسألة  كلها هي أبي أحب أن اغير نفسا بنفسي . فضلا عن أن أغير أنفا بأنف إذا استطاع الواحد منا أن يختار " نفسه"  بمثل السهولة التي يختار بها لون بذلته أو نوع قماشها قد يصبح الإنسان أسعد مما هو الآن . لا اعتقد أن الفكرة قد جاءت أحدا ليصبح شخصا آخر أو ينقلب إلي شخص آخر لا يمت إلي شخصه الحالي بصلة . أما عن نفسي فلقد طالما أحببت ذلك ؛ فأنا لا أحب نفسي

إني أنكلم عن الانقلاب الكلي الذي يسميه الأوربيون " ميثامورفويس " . وقد نقول إن هذا الانقلاب الكلي قد يحدث بالموت . ولكني لا أود أن اتذكر " العود الأيدي فلم يكن نيتشه نفسه متأكدا من هذا الأمر . وعلى أي حال كم أحب أن يحدث " هذا " الآن . إني لا اعرف شيئا ، وكل حي لا يعرف شيئا عما حدث بعد الموت ، إني لا أحب التخمينات ، إني أحب أن أنقلب إلى الشخص الذي أريد أن اكونه بأسرع ما يمكن " بينما أعيش " . أريد أن انقلب ولكن بينما أعيش ، لا بعد أن أوراري التراب .

ولكن هل من الممكن أن يحدث هذا ؟ ! لا . إننا نعيش على كوكب حائر في فضاء غير محدود كأي كوكب أكبر أو أصغر منه في القضاء ، كأي ذرة تراب ضالة في الهواء ؛ كوكب تكوينه الفني ناقص ، لا غرض من وجوده . ملئ بالأمراض ، مشحون بالميكروبات والطفيليات يمح بالمرضي والضعفاء والمساكين والممسوخين ممن ليس لهم

حول ولا طول ، كوكب كل حي عليه مصيره إلى زوال كل حي فيه ميت .

والعجيب أني برغم شعوري بتفاهتي على هذا الكوكب ، وتفاهة الكوكب بالنسبة للمجموعة الشمسية ، وتفاهة المجموعة الشمسية بالنسبة إلي فضاء لا حدود له . أجدني أهتم كثيرا لما يدور حولى . وأهتم لظروفي الشخصية فأسخط على الذين كانوا السبب في إيجادي في هذه الدنيا ، وأسخط على هذا الأنف الضخم الغليظ القبيح الذي يؤرق ليل حياتي ، والذي كان وما زال يجعل من أضحوكة في فصول الدراسة من رياض الأطفال حتى وقت الطلب في الجامعة وما بعدها ! إني ساخط من كل شئ : من نفس ومن الناس حولي ومن هذا العالم . إني ساخط . . ولكن ما فائدة سخطى ؟ !  إني لا أحب حياتي ، ولكن ما فائدة كراهيتي لها ؟ كل ما أعرفه إني يجب على مشاركة هذا الركب ، سواء رضيت أم لم أرض ، كشاة في قطيع يقوده راع ، أو نجم من هذه النجوم في موكبها الخالد عبر الفضاء اللانهائي ؛ اتتساءل إحداها عن سر هذا الاستعراض الدائم ؟  قد تتساءل ولكن سرعان ما تتابع سيرها وقد أدركت أن لا جواب . هنا انتهت رسالة صديقي صاحب الأنف .

لقد اقمت الدنيا وأقعدتها من أجل هذا الأنف ! الغريب انك تفسد عليك حياتك بإمعانك في هذا التفكير ، ولو أنك تدبرت قولك " والعجيب أني يرغم شعوري بتفاهة الكوكب بالنسبة إلى المجموعة الشمسية ، وتفاة المجموعة الشمسية بالنسبة إلى فضاء لا حدود له . . لما تورطت في كل ما جاء برسالتك من صورة للبؤس والشقاء لا مثيل لها . أنت إذا تعرف أن كوكنا نافه إذا قيس إلى المجموعة الشمسية ، وأنت تعرف أن مجموعتنا الشمسية تافهة كلها إذا قيست إلى الفضاء الذي لا حدود له . . ولكنك برغم ذلك تهتم لظروفك الشخصية وتسخط على هذا الأنف الضخم الغليظ القبيح الذي يشوه وجهك ويسود عيشك ، ماذا يكون هذا الأنف ومن تكون أنت كإنسان ؛ ! من تكون بالنسبة إلى هذا العالم ؛ أنت فرد واحد ضمن مئات الملايين من الأفراد الذين يكونون تعداد هذه الدنيا . من تكون

حتى تهتم بسعادتك أو شقائك ، بنقصك أو كمالك؛ أنت إن مت أو عشت فلن يغير وجودك أو عدمه من الحياة شيئا ، كم من البشر قبلك الحدرت آثار وجودهم على هذه الأرض اكم من الشعوب انقرضت بأثرها وصارت تائهة في التاريخ والماضي بعد أن كانت تملأ الأرض صخباً وضجيجا : لقد انقرض الضربون القدماء وكانت لهم قبل بضعة آلاف من السنين سطوة وجبروت ، ولم يتركوا لنا غير " بعض الحجارة المنحوتة " ! وانقرضت القبائل الأسيوية منسذ بضع عشرات الألاف من السنين وقد كان لها كيان وحياة وكفاح وسننقرض نحن بدورنا بعد عدة آلاف من السنين ليحل محلنا بشر اخرون من سلالات أخري ومن أنواع أخري ، وسيقولون إذ يرون ما تركنا من آثار : لقد كانت هناك شعوب قبل بضعة آلاف من السنين ولكنها الفرضت . . وسيقف الأستاذ بعد عدة آلاف من السنين في مدرج من مدرجات جامعة في عام ١٧٢٣٥(*) مثلا يقول : أما أوربا في القرن العشرين فقد كانت مقسمة إلي شعوب كذا وكذا وتعدادها كذا وكذا ، وقامت فيها حروب عدة كانت تحصد فيها أرواح الناس حصدأ ؛ وكذا الحال في افريقيا وآسيا . . ولكن انقرض أهل هذه البلاد ولم يخلفوا لنا الا كتبا ملأى برموز وتهاويل غريبة ما زال علماؤنا يحاولون كشف الستار عنها . تماما تماما يا صديقي كما فعل شامبوليون عندما وقف أكثر من عشرين عاما من حياته ليفك رموز حجر رشيد ليكشف الستار عن لغة المصريين القدماء ؛ شعوب تأتي وشعوب تذهب ؛ حياة تنتهي وحياة تبدأ فمن أنت . . من تكون حتى تعير نفسك اهتماما . . من نكون حتي نعير انفسنا اهتماما ، فنحزن إذا ألم بنا مرض ، ونبكي إذا فقدنا عزيزا ، ونغضب إذا أثارنا مثير ، ونهدد بالانتحار هربا من المسئولية إذا وقعنا في ورطة . ونندب حظوظنا العاثرة إذا خلق أحدنا قبيحا أو لم ينل حظه من هذا الشئ أو ذاك ! من نحن ومن نكون في الحياة ؟ ! لا شئ . فلم الاهتمام بأنفسنا . . وكيف نهتم بأنفسنا كأفراد

حقراء ضمن أفراد حقراء مثلنا كيف نعني بأنفسنا ككائنات زائلة ضمن كائنات زائلة مثلنا ! من نحن ومن نكون في هذه الحياة ، على هذه الأرض ، في هذا الكون ؟ ماذا يكون هذا الأنف الضخم الغليظ القبيح الذي أفسد عليك الحياة والتي شوهها في نظرك تشويها كريها ؟ ! إن الامنا وأفراحنا ، سعادتنا وشقاءنا ، حبنا وكراهيتنا . وكل هذه العواطف التي نحسها تنازع نفوسنا ومشاعرنا ليس لها معنى . وهل لحياتنا كلها مع البشرية كلها تموت أولا فأولا ، فلا معني لأن نهتم بأنفسنا هذا الاهتمام ، لا معنى لأن نخاف شيئا أونحشى شيئا او نندم على شيء . أو نتحسر على ظروف حياننا وما قد يكتنفنا من دواعي الهم والقلق إنا سنموت ، فيجب أن ننتهز فرصة حياتنا .

اشترك في نشرتنا البريدية