الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8 الرجوع إلى "الفكر"

صورة الخلي

Share

مقدمة

نشرت جريدة " لا كسبريس " الاسبوعية بعددها المؤرخ في ٣ ابريل ١٩٥٨ فصلا للكاتب الشهير جان بول سارتر g p Sartre زعيم الحركة الوجودية المعاصرة بفرنسا . وليس هذا الفصل سوى فقرات هامة مقتبسة من مقدمة دبج بها رواية تدعى " الخائن " لكاتب مغمور يدعى اندري غورس Ande gors ستصدر قريبا عن نشريات " لوساي " ولما كان كل ما ينتج هذا الكاتب جديرا بالعناية رايت انقل لقراء " الفكر " جانبا وافيا . من الفصل المذكور - يساوي حجمه معدل احجام الفصول التي تسمح بها المجلة - حتى يطالعوا على عينة من اروع ما بلغه الادب والفلسفة بفرنسا واوروبا عامة من شأو في سبر أغوار باطن الانسان .

واذا كان هذا الانسان قد سجل فيما يدعى بالعالم الكبير فتوحات جديدة حقا كللت برمي الكواكب الصناعية فانه لم يتمكن بالنسبة لعالمه الصغير سوى الاتيان بتكرار . . .

وهكذا اذا كان كل شيء قد قضي عند ما يشرع " غورس " في تاليف روايته وخانه صديقه وتركته عشيقته وقرر الحقد عليهما او على الجنس البشري فان كل شيء قد قضي ايضا بالنسبة لسارتر في تحليله لنفسية غورس وسبقه الى ذلك اقوام آخرون اهتدوا الى نفس النتائج التي اهتدى اليها وان اختلفت العبارات

الا يذكرنا هذا " الخلي " الوجودي بذلك الانموذج من الصوفية في الاسلام المعروف ب " الملامتي " ؟ أليست مسائل الرياء والاخلاص واسقاط الدعاوي هي التي كرس كلاهما على معالجتها حياته ؟ وهذا الوصف الذي قدمه السلمي للملامتي الا يصح تماما في " غورس " ؟ قال : ( ١ ) " سئل بعضهم ما طريق الملامة فقال : ترك الشهرة فيما يقع فيه التمييز من الخلق في اللباس والمشى والجلوس والكون معهم على ظاهر الاحكام والتفرد عنهم بحسن المراقبة ولا يخالف ظاهره ظاهرهم يحدث يتميز منهم . . . . "

واذا اردنا ان نوجه انظارنا شطر الهند بلاد " الجوكية " كما يقول ابن بطوطة نرى الجوكي " رمانا ماهرشي " ( ٢ ) يقول في هذا المعنى :

" حر تماما من كل رغبة ، خلي من الهوى والتعلق ولكن نشيط في

الظاهر فلتعمل يا " راغافا " في العالم وانت تعلب .

حسن السيرة ، عطوف ، ممتثل في الظاهر للتقاليد . ولكن متحرر منها

في باطنك فلتعمل يا " راعافا " في العالم وانت ثلعب . . . "

ترى هل ان الوجوديين المعاصرين قد انتهوا في مسالة " الرياء " الى نفس

النتائج التي انتهى اليها من قبلهم الجوكية والملامتية ؟

ان الجواب عن هذا يستدسي بحثا أوسع من نطاق هذه العجالة ودراية

ارسخ قدما من درايتنا . حسبنا الاشارة اليه .                                                                             ح. ح.

" شفوه من حوله بالنظارات ومن عقدة اللسان بإبزيم معدنى ومن اللكنة بفضل تمارين ميكانيكية فتكلم بطلاقة لكن بصوت خافت جدا ، سريع النسف الى حد ان امه كانت تقاطعه دائما سائلة : ماذا تقول ؛ والناس يستحثونه قائلين : " تكلم بصوت اعلى " او " ماذا تتمتم من جديد ؟ " ولقبوه بالتمتام ... ان هذا الصوت البهيم الرتيب المتأدب هو الذي ستستمعون اليه فتميزونه في

المستقبل بين جميع الاصوات " ترى لمن هو ؟ ليس هو لاحد . فكان اللغة اخذت تتكلم بمفردها وقد يحدث بعد الفينة والفينة ان يتلفظ بكلمة " انا " فنحسب اننا نتلمح متكلم الكلمة والذات الذي يختار الكلم ولكن ذلك سراب محض لان فاعل الفعل لم يعد هو الاخر سوى كلمة مجردة . لقد اتبعت الجملة طريقها المعتاد وانحدرت في مسافها الشخصي طلبا للرفاهية . هناك في الواقع شخص موجود " شخص دقيق الجسم مفرغ الخد ومحجر العين في ذقنه وجبهته ازورار ، له عنق سلحفاة طويل ممطط الى الامام وظهر محدودب بعض الشيء : هيأة طير مقتصد الحركات كما لو انه يبحث عن مساندة كيانه في نفسه "

لكنه يصمت : هو موضوع كل عبارة تركية من جديد وتعينه ولولا هذا الابكم لكان الصوت خلاء مطلقا فهو يسكنه ويمد جسمه الصوتي خلال الكلمات ، يفيدنا هذا الصوت ان ساكنه قلق وانه فرغ من تاليف مؤلف فلسفي وانه يستعد لتسليمة الي شخص يدعي مورال .

قد تقول : " مادا يهمنا هذا الهمس الخفي الاسم ؟ نريد كتبا مبينة ومؤلفين حقيقيين : انا لذتنا الوحيدة فى الادب ، مثلها في الالعاب البهلوانية ، هي ان نتمكن من تذوق عمل الفنان ، اما الارتعاشات التي تمر على كلام متروك فلا نعيرها كثير اهتمام كما لا نهتم بحركة القصب تحركه الريح . " اتركوا هذا الكتاب اذن فهناك في صفحته الاخيرة شخص خرج من الوحل يدعى " غورس " يؤكد سابق حقوقه على الكلام الذي احدثه : يقول هذا الشخص : لم ارد صنع اثر فنى .

وتصدقونه بيسر ذلك انكم بمجرد الاستماع الى الصوت المتروك تميزون فيه رخاوة الاشياء الطبيعية اللثلاثة وبحث شاق غير شاعر بنفسه ، دوما على وشك الوحل في الكلمات . لكن الفن صورة هادئة للحركة . عند ما تشرع في قراءة رواية او حتى قراءة اعترافات يكون كل شئيء قد قضى منذ زمن طويل . ولم يعد القبل والبعد سوى علامات عملية وكذلك ولادة الحب واحتضاره يوجدان في آن واحد كل منهما يمتد في الاخر في تساوى الساعة السرمدى ، ليست القراءة سوى

اجراء تحقين للوقت فالبطل يحيا من حياتنا وجهله للمستقبل وللاخطار التي تحدق به هو جهلنا وهو يصنع لنفسه بصبرنا كقراء ديمومة طفيلية تقطع ونربط خيوطها حسب مزاجنا . اما الاسلوب ، طغراءة الكبرياء فهو الموت تجرنا سرعته الى ماضى المؤلف

ولهذا الاخير ان يتذمر ويتعذب امام اعيننا فهو لا يشعر بشيء ، انما يقص قصته ذلك انه عندما يمسك قلمه يكون قد قضي الامر منذ زمان وخانه صديقه وتركته عشيقته وقرر الحقد عليهما او على الجنس البشري : فهو يكتب لتبليغ حقده وليس اسلوبه سوى المطرقة التي بها يقضي على مقاومنا او السيف الذي به يقطع تفكيرنا ؛ كل شيء فيه اضمار ودهش وطفرة برغوت وتواطؤ مزيف  : تستحيل فيه البلاغة الى ارهاب ويضبط فيه الغيظ والوقاحة والاهانة المكظومة والصلف كيفية الانطلاق بالجمل وتقطيعها . ان الكاتب العظيم ذلك المجنون الهائج يهجم على الكلام ويقتحمه ، فيخضعه ويقيده ويهينه كلما تعذر عليه الاتيان بعمل أحسن . تراه وهو وحيد في مكتبه كالحاكم بامره ينهل على ورقه بسهم كالصاعقة يبهر عشرين جبلا من الاجيال ذلك انه يبحث من وراء هذا الحكم اللفظي عن رمز الاحترام والسلط المتواضعة التي يصر معاصروه على الضن بها عليه هو انتقام ميت ؛ ذلك ان الاحتقار قتله منذ زمان ولم يبق وراء هذا الوميض سوى طفل ميت يفضل نفسه على الكل ؛ هو الطفل " راسين " والطفل " باسكال " والطفل " سان سيمون " هؤلاء هم كتابنا الكلاسيكيون . ثم انه يلذلنا التسكع بين رسوم الادب في هذه المقبرة الهادئة فنقرا ما كتب على القبور من تواريخ ونحيي لحين معانيها الابدية : الامر الذي يطمئنا في هذا الخصوص هو ان هذه الجمل عاشت وبقي معناها مضبوطا الى الابد فلن تغنم فرصة الحياة الوحيزة التي تتفضل باعارتها اياها لكي تندفع بغتة في السير فتجرنا نحو مستقبل مجهول . اما الروائيون الذين لم يسعفهم الحظ بان يكونوا في اللحد فهم يحاكون الاموات : يذهبون فيخرجون الالفاظ من مستودعاتها ( حيث تعيش كالاسماك ) فيقولونها ويبقرونها ويستخرجون منها الامعاء ثم يطبخونها ويقدمونها لنا اما مشوية او بالمرق .

يمكن ان تنزل " الخائن " منزلة دون العمل الادبي او وراءه : انه ليس بميث هذا الشخص الذي يدعى " غورس " بل تذهب به وقاحته في البدء الى حد انه لم يولد . اذن ، ليست ثمة بلاغة فمن يقنعنا ؟ وباي شيء ؟ ثم ان المسألة لا تتمثل ايضا في جذب ديمومتنا لتغذية بطل وهمي او توجيه احلامنا بفضل كلمات . ثمة هذا الصوت وكفى : هذا الصوت الذي يبحث ولا يعرف ما يريد والذي يتكلم في الخلاء ، في الظلام ، ولعله يسعى في ذلك ليمنح بفضل كلمات معنى للكلمات التي صدرت عنه او ليخفي ايضا خوفه لان هذا الصوت خائف ، لا نستطيع الان ان نشك في ذلك كان يقول : انه خائف انه قلق لانه فرغ من كتابه " وكان يدعي الثبات والعصمة من التاثر : ليس هو سوى بيئة صوتية تتجمع فيها معان موضوعية وهو يصف اهواء شخص دقيق الجسم عميق محجر العين لا يشعر باهوائه غير اننا لم نغتر : ان الاهواء التي كانت في البدء محصورة في هذا الجسم الاجنبي ، في الفرد المتحدث عنه قد تدفقت خارج غلافها فلا قدرة لنا الآن على ضبطها في مكان . ذلك ان القلق يمزج الصوت باسره وهو الذي يثير التاكد الهامد الذي تتصف به هذه لتمتمة ، ان هذه الكلمات المتجسسة المتوسوسة المتواضعة انما هي كلمات محمومة : ما نسمعه هو صوت الهم . لقد فهمنا هذه المرة بينة الامر : المتكلم عنه هو المتكلم غير ان الاثنين لا يتمكنان من ان يصبحا فردا واحدا . وهكذا يوجد على وجه الأرض رجل على الاقل يشرب وياكل وينام ويعمل وبعبارة اخرى رجل يشبهنا كأخ شقيق لكن حكم عليه سحر ساحر ان يبقى هو في نظره شخصا اخر .

اذا تكلم على نفسه بصيغة الغائب فانه يفعل ذلك لا عن افراط بل عن تفريط . اما الاعمال المقصدة التي تنجز باسمه فانه يتبناها لو يظفر فقط بدواعيها من جديد . لقد اجرى الف تفتيش لكن بلا طائل ونحن نستنتج من كل هذ انه لا يتعلق بشيء ! انه ليسافر بدون ما رغبة في السفر ويلتقي باقوام ويرتاد بيوتهم ويستدعيهم الى بيته ولا حب له فى مجالسهم واحيانا اخرى يختفي وينزوي بدون ما رغبة في الوحدة ، ترى هل هو عيفان ؟ كلا ! ينبغي لكي يسلم الانسان

في خيرات الدنيا ان يكون قد حرص عليها . ولا تلومنه خاصة على انه عاف كل شيء بدون ان يذوقه . ليست له هياة العيفان : انه لم ينطلق وتلك هي مأساته الحقيقية . لماذا ؟ لانه لم يكن يرغب فى الانطلاق الرغبة الكافية وان فؤاده لايبدي من جهة اخرى اثرا لذلك الولوع المتكبر الذي استعمل عندنا عذيرة لثلاثة اجيال من الادباء .

فعلة الحقيبة

لا يكترث والحمد لله للنهاية او للاخرة الدائمة او للحلم . واني لا عرف من يستبيح لنفسه حق احتقار العالم بمقارنته ببعض النماذج الكاملة غير ان " الخائن " لا يحتقر شيئا او احدا . ترى هل هي هذه " الحقيبة الخاوية " التي كان يتحدث عنها " دريو " ؟ لا لان فعلة الحقيبة كانت تصلح لفترة ما بين الحربين تفتح فيدعى الناظر الى ان يلاحظ بنفسه انها لا تحوي سوى " بيجاما " وفرشاة لتنظيف الاسنان .

لكن نعرف اليوم ان لهذه الحقيبة خلفية مزدوجة تستعمل لنقل السلاح والاتجار في المخدرات : كان الشباب المترف يخفي فيها بكامل الحذق كل ما يمكن استعماله للقضاء على الجنس والتعجيل بقيام عصر " اللا إنسانية " . لكن الخائن سيتجنب تدمير العالم : ان اللانسانية نصيبه بعد لانه لا يشاطر الناس غاياتهم وبعبارة اوجز اضعه في زمرة الخليين : هذا القسم الفرعي حديث عهد لا يتجاوز ممثلوه الثلاثين من عمرهم ولا يعلم احد ماذا سيكون مآلهم . ولكن ينبغي علينا ان نلاحظ من الان اننا سنعدم وسائل فهمهم باصرارنا على ان ننسب لهم تواكل الارستقراطيين وفتررهم ذلك ان ميزتهم حرصهم . يباشر " غورس " عملا ويعتني بجسمه وعقله وهو متزوج . قد تلقاه في قصر العدالة او في البورصة حاملا محفظة من جلد انيقة فتحسبه فردا من رهطك وهو حريص على مواقيت العمل بل هو مفرط في هذا الحرص ولن تجد شخصا الطف منه وآنس . فلا يكاد يظهر في المعاملات اليومية سوى قليل من التحفظ يعلله زملاؤه بالحياء وهم يبتسمون لكن ما ان يسال قضاء حاجة حتى تراه يجري بل يطير لقضائها بسرعة . يعتبره السخفاء تافها وفعلا هو قليل الكلام يشبه سائر الناس فيضمن له شعبته هذا الخمول وهذا الشبه المصطنعان الى

حد الكمال . لكنك عند ما تتفرس فيه ، هذا الخداع ، يكشف حرصه عن وجهه . يعامل جل الناس طبيعتهم البشرية بشيء من التراخي اقتناعاعا منهم بانهم بشر أبا عن جد منذ آدم ؛ ذلك ان لهم على هذه الطبيعة حقوقا طاعنة في القدم قل ان يقدح فيها قادح فتراهم يتبعون ميولهم الشخصية بهدوء وسكينة واثقين من البول ان رغبوا في البول او من القتل بصورة انسانية جدا . غير ان الخلي لا يعرف لنفسه ميلا : سواء شرب كاسا او دخل المعركة ينبغي عليه ان يقرر ذلك فيشرب ولا عطش ، وينتقم . ولا غضب ، من اهانة لم يشعر بها حتى يسلك سلوك الغير ، اول بادرة تبادره هو ان ليست له اية بادرة وهذا هو ما ينبغي ستره ونكرانه بلا هوادة : ان هذا الانتاج الغريب الصادر عن مجتمعاتنا ليجهد نفسه - جزعا من النزول الى مستوى الملائكة او الدواب المروضة - في محاكاة جميع الادميين فيضل ، لقد دعى " بولهان " نفسه " المقاتل المجتهد " وذلك في كتيب جيد قص فيه قصة حربه . وهكذا فان الخلي يجلب الشبهة لنفسه لمجرد كونه انسانا معتنيا . هو مفرط العناية حتى يكون نزيها : اذا كان يريد الظهور لي في مظهر الصنو فهو اذن ليس لي بصنو . ترى هل ان المجموعة البشرية تضم اناسا مزورين ؟ لا يمتازون عن الحقيقيين ؛ وكيف لنا فى هذه الصورة ان نعرف هل ان الحقيقيين موجودون ؟ ومن يراقب شهاداتهم ؟ سمعت احيانا ان الانسان مستقبل الانسان وسمعت احيانا اخرى انه ماضيه ولكني لم اسمع قط انه حاضره . كلنا مزورون . لقد فضح الخائن القضية للمرة الثانية وهو يذكرنا بحرصه على ان يكون انسانا ان جنسنا غير موجود .

يبلغ " غورس " من العمر ٣٢ سنة ومنذ ٣٢ سنة كان يبدو له مباشرة - مهما فعل انه كان في وسعه فعل خلاف ذلك وتكون النتيجة هي هي هي اي صفرا او انكى من ذلك تكون تافهة . منذ ٣٢ سنة ووجوده مزور عنه ليس له عليه من شهادة سوى سآمة لا تطاق : انا سأمان اذن انا موجود . ولكنه تخبط , بحث فخيل اليه انه ظفر برد الفعل . قال في نفسه : بما اني لا انحدر من اي مكان ولا انتمي لاي جماعة او لاي مؤسسة بل بما اني طريد كل جماعة وكل مؤسسة ، ليس لي سوى الاختيار بين احد امرين :

اما ان اعيش على هامش المجتمع والتاريخ فأكون كالملحق للجنس البشري . . . . مقصورا على سآمة العيش والشعور الحاد بنسبية كل ما يحيط بي واما ان ارتقي في شعوري الى المطلق اعني ان ابني كل شيء على قاعدة فلسفية كحين من المغامرة الروحية ثم بعد الانتهاء من ذلك ان اظفر من جديد بطعم الاشياء الملموسة ابتداء من هذا الاهتمام النظرى . . . لا استطيع اللحاق بالواقع الا عن طريق الفكر . . .

بعبارة اخرى بما انه جبل على نحو يجعله لا يعرف لنفسه رغبة خاصة فانه سيستغل تواكله : اذا كان لا يستطيع - او لا يريد ، لم يبت بعد في الامر - ان يكون شخصا يدعى " غورس " سيجعل من نفسه الانسان العالمي ، سيحدد سيرته بفضل مدركات ويجعل ديدنه هذه القاعدة : اعمل دائما على نحو تكون فيه الساعة والظروف تعلة لاعمالك لكي تحقق في نفسك وخارجها عموم الجنس البشري .

لاجل هذا شرع عند بلوغ العشرين من عمره في كتابة مؤلف فلسفى : عند ما يكون المرء منذ الولادة في حرز من العنف والخوف والشهوة والغضب ينبغي عليه ان لا يعمل شيئا او يبني كل شيء بنيانا عقليا حتى حركة فتح مظلة عند مطر ، لقد اتضح الآن كل شيء ولا يتعجب احد من خيانته : انه من اولئك الاشخاص الملاى رؤوسهم بالكلام الذين يحللون كل شيء ويريدون دائما معرفة السب والكيف هو روح نفادة حطامة وبعبارة أخرى هو مثقف قذرواني لا افكر فى نكران هذا بل هو يروق لى من اجل ذلك : انا ايضا من زمرته . سالت جريدة ادبية مرة امير المزورين ( في الاوراق المالية ) عن اكثر الاشياء كراهية لنفسه فلم يتردد وقال " المثقفون "

اني اشعر بالود نحو هذا المزور ، انه لشاعر حقيقي ورجل طيب ولكني اتساءل عما دهاه في ذلك اليوم . . . لقد بذل المزور من المنطق للدفاع عن دياجر القلب اكثر مما بذله " كانت " لتدعيم حقوق العقل ، كان مرغما على ذلك . ان الكلام والمدركات والمنطق نصبينا ، لماذا ؟ لان الذكاء ليس هبة ولا عاهة بل مأساة

او هو ان شئت حل وقتي يستحيل في معظم الاحيان الى حكم مؤبد . قيل لخائننا : " انك لتد فر الذكاء كما يدفر المرء من الابطين " وفعلا فان للذكاء رائحة خبيثة لكنها ليست باشد خبثا من رائحة الحمق . هناك روائح تناسب جميع الاذواق . تشتم من هذه رائحة الدواب وتشتم من تلك رائحة الانسان . ذلك اولا لان بعض الافراد المقطعة نفوسهم المطرودين والمحكوم عليهم يحاولون التغلب على نزاعاتهم وعزلتهم بالسعي وراء صورة الشمول الجنونية وهذه الصورة هي التي تعكسها لنا عيونهم وتعرضها علينا ابتساماتهم بحياء . ان هذا النداء لتراه - مهما كان السبب - مرسوما على الوجوه مستقرا بها ويطالب الصوت مهما كان الكلام الذي يعرب عنه بتصديق له من العالم غير ان الناس المثقلين بخصائصهم ومصالحهم الكثيفة واهوائهم يكرهون ان يريد بعضهم القضاء على فروقهم واحقادهم في ائتلاف التصديق الشكلي . ثم ان الذكاء محب للجزئيات يريد الرجوع دائما الى الاصل من جديد حتى بالنسبة للامور التي يظن الجميع انهم يستطيعون القيام بها . والذكاء يفصل المشي والتنفس ويركبهما ويعلم كيفية الغسل والتمخط حسب المبادىء وهو الذي يمنح المتثقفين هيأة كبار المشوهين في فترة اعادة التربية . لكن ينبغي علينا ان نكون متفهمين ازاءهم ، ذلك ان كل واحد منهم يخترع الذكاء من جديد لمكافأة هذه " التصفية " التى قضت فيه على جميع الدوافع وانواع العناد . انهم لفي حاجة الى هذا الذكاء لتعويض العلامات التي لم تكتب في لحومهم والعادات التي لم يكسبوها والطرق التي لم تفتح امامهم وبعبارة اوجزهم في حاجة اليه لكي يحيوا .

اشترك في نشرتنا البريدية