الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 250 الرجوع إلى "الثقافة"

صورة امراة

Share

قال صديقي : لقيتها منذ شهور في الإسكندرية ؛ وإذا قلت لقيتها فلست أعني الفتاة وإنما أعني الصورة ، إذ الواقع أنني لم ألق الفتاة التي تشرف عليك من هذا الإطار قط .

ونظرت إلي الصورة المعلقة على حائط غرفته فرأيت فتاة جميلة الوجه لم تبلغ العشرين بعد ، ورأيت في عينيها ابتسامة حائرة لا تكاد تنفرج بها شفتاها ، ورايت استقامة أنف الفتاة وعنقها ، وتموج خصل الشعر فوق رأسها ، فأدركت أن العذر كل العذر في الافتتان بها .

قال صديقي : وكان التقائي بها في أوائل هذا الصيف وقد حللت في الإسكندرية بمنزل علمت من الوكيل الذي أجره إلى أن صاحبته تقيم في القاهرة .

وكان المنزل يشرف على البحر ، وهو من طابق واحد تحيط به حديقة ، تعانقه أشجارها ، وتبدو مياه البحر خلال شجره ونوافذه رقيقة الموج ، صافية الزرقة ، ناصعة الزبد كأنما هو ماس أدلت به أشعة الشمس فلم يلبث إلا برهة غاص بعدها في اليم ، وكان لضربات الموج على الشاطئ موسيقى لا تنقطع عن أذن ساكن البيت .

وأمام السرير في غرفتي قد علقت هذه الصورة التي رقعت من نفسي منذ أبصرتها ، وكان أشد ما فتنني فيها عيونها الساجية الباسمة .

وعلى مقربة من هذه الصورة التى تراها هنا علقت صورة أخرى لعجوز شمطاء ، مفضنة الوجه ، صغيرة المينين ، إلا أنها حسنة الشيب تنم ملامحها عن وداعة وطيبة

ولاحظت شبها قويا بين الصورتين أيقنت معه أن هناك قرابة بين الفتاة والعجوز ، فقلت لنفسي لعل الفتاة ابنة صاحبة البيت أو أن بينهما قرابة قوية .

ولا أدري ما الذي جعلنى أقرر أن العجوز هي صاحبة

البيت ، لكني شعرت في نفس شعورا قويا بذلك ؛ فلما حضر الوكيل يوما سألته عن ذلك فأقرني على رأيي .

وما كنت أول الأمر لأعبر الصورة كثيرا من الاهتمام ، وقد استأثرت بي مباهج صيف الإسكندرية وملاذه ؛ لأنني كنت استيقظ كل صباح فأجد اماعي عين الحسناء الضاحكة وقد أشرقت على من الحائط المقابل حيث نمت في فراشى ، ويقترن ذلك دائما بالشمس المشرقة تداعب غرفتي خلال النافذة ، والأمواج قريبة موسيقاها هادرة لينة ، وطيب النشر يبلغ أنقي من شجرة الياسمين التي تسلقت النافذة ، وذلك كله يغمرني بسعادة ليس ينقصها إلا أن تشاركنى إياها صاحبة العين الضاحكة

ولم يرتض ذوقي قرب صورة الحسناء من صورة العجوز ، فأنزلت الثانية وأخفيتها في دولاب حتى تنتهي مدة إيجاري ، ثم بقيت كل صباح امتع عيني بالنظر إلى فاتنتى ، وأرسل لها أحيانا قبلة أحييها بها تحية الصباح وانا أخجل من نفس لما أبدي من خفة ويله ؛ فإذا ما نهضت أسعى في الغرفة لم أزل أحس عينيها تتابعي ناظرة إلى في رضا ووداعة ومحبة .

فكل يوم يمضي يزيدني اقتناعا بأنها ليست مجرد صورة في إطار ، بل امرأة كسائر النساء تشاركنى المنزل ، إلا أنها أكثر من سائر النساء فتنة وبهاء ، وأقل منهن بذلا وسخاء

وأنا قد أيقنت أن هذه الابتسامة الحائرة في العين التي لا تكاد تنفرج بها شفتاها ، قد توجهت بها صاحبتها إلى عارفة عامدة ، وأنها ليست رسما على ورق ، وأنها لذلك يختفي إذا ما غبت عن الغرفة أو نمت وطوانا الظلام

فلم تمض الأيام إلا والصورة وصاحبتها قد ملكتا علي عقلى ، فما زلت أذكر لنفسي أن هذه المخلوقة الفاتنة قد عاشت قبلي في هذا المنزل ، وسعدت مثلي بهذه الأصبحة الوضاءة الساحرة ، فأطربتها موسيقي الموج ، وأسكرها

عبير الزهر والبحر ، وانها لا ريب قد وقفت هنا أمام صورتها فانشئت بحسنها ، وامتلأت نفسها زهوا واختيالا ، وقد أطلت من هذه النافذة ، وجلست على هذا المقعد ، وداعبت بأناملها مفاتيح هذا البيانو ، وسعت خلال هذا الباب بأثوابها الحريرية الفضفاضة ، وملأت هذا الهواء بفائح عطرها وطيب شذاها .

ولم يمض على أكثر من الشهر في الصيف حتي غدوت عاشفا لهذه المراة ، وقامت بنفسي رغبة - جنونية إن شئت - فذهبت إلى وكيل مالكة المنزل فأنبأنى بعنوانها في القاهرة ، وعجز لحداثة عهده بوكالتها عن إنبائي بعلاقة محبوبتي بالمالكة العجوز .

وقد كنت لأسافر من فوري إلى القاهرة ، لولا أن خشيت مغبة العجلة ، وخانتني شجاعتي ، فأرسلت إليها خطابا أتلطف وأترفق ، وأذكر شدة الشبه بين صورتها وصورة الفتاة ، وأحاول في مكر رقيق أن أعرف إن كانت الفتاة ابنتها أو أن بينهما قرابة شديدة ، ولمحت في خطابي إلى يسر حالي ، ومتانة مركزي الحكومي ، وحسن خلقي ، وطهارة مقصدي ، ومقتي الشديد لشبان اليوم ممن يتخذون من العلاقة الزوجية المقدسة وسيلة لإرضاء مآربهم السافلة

ولم يطل بي الزمن حتى أتاني ردها ، فقرأت فيه كلاما غامضا ، ولو أنه لا يبعث على يأس ، فقد نصحتني بالرفق والتروي ، ودعتني لزيارتها إذا انقضى الصيف وعدت إلى القاهرة .

وتملكني حب صاحبة الصورة ، وسد على منافذ تفكيري ، فكان صباحا انعقد فيه عزمي ، فأخذت أول قطار ورجعت إلى القاهرة .

وسرعان ما ألفيتني في غرفة الاستقبال من منزلها وقد وقفت واجف القلب ، مشرئب العنق إلي الباب ، أتطلع لعلي أرى فاتتني تسير بين غرف المنزل ، ووددت لو أنها أشرقت على بلحمها ودمها تحييني نيابة عن أمها .

ومر الزمن بطيئا فإذا بي أرى مخلوقة صغيرة ، ثوبها أبيض ناصع ، ووجهها مغضن ، وشعرها كامل الشيب ، إلا أنها رقيقة الملامح ، جذابة الابتسام ، تلمح في عينيها نظرة ماكرة ؛ وهي تدب نحوي متباطئة هاشة .

وتصافحنا وتعارفنا ، وهي ترمقني ضاحكة ، والنظرة الماكرة تلمع في عينيها كأنما سرها ما يبدو على من دلائل القلق . قلت لها بعد المقدمة والتردد :

سيدتي ! هل تسكن هي هذه الدار معك ؟ قالت :

- نعم هي تسكن هذه الدار

قلت :

- أرجوك أن تدعيها ، فأنا رجل شريف ، وبى رغبة شديدة إلي سماع كلمتها .

قالت

هي الآن غير موجودة .

فأسقط في يدى ، وأثقلني إحساس اليأس بعد الأمل ، واستشعرت السخط على العجوز الضاحكة ، ثم تماسكت وسألت :

ومتى تكون أوبتها

قالت متخابثة :

- لعله اليوم ، ولعله الغد ، من بدري ؟ ثم اردفت ضاحكة ولعلها لا تعود أبدا !

فصحت بها : ماذا تعنين ؟

قالت ضاحكة

- ما أعجلك أيها الشاب !

وقامت تدب في الغرفة لتحضر لي شيئا من الحلوي ، فذكرت شيئا جزعتله نفسى . فهتفت

- صارحيني بالحقيقة أهي متزوجة

فردت بخبث زاد فى كرهى لها

- كلا ! ما هي بمتزوجة

وحمدت الله علنا ثم توسلت لها ، وفي نفسى ما بها

- أتظنها تقبلني زوجا ؟ قالت هازله ماجنة :

- من يدريني ؟ لو كنت صاحبة الرأي لما ترددت في قبولك

قلت

- أرجوك أن تخبربني متى تعود ! حتى أرجع في وقت مناسب .

فردت قائلة

عد متي شئت ، أهلا وسهلا ، واستفزني جوابها فغضبت وقمت كارها ان تلقاني بالضحك والسخرية ، وانصرفت عنها بعد ان اعطيتها عنوانى وانا كاره لها يائس منها ، مصمم ان اراقب باب البيت ، علنى أري فاتنتي لنبت في الأمر بيننا .

ولم يمض يومان حتى آتاني خطاب هذا نصه

" قد فكرت في الأمر بعد زيارتك فخطر لي أولا أن أدعك في جهلك ، وإلا أوقظك من حملك الجميل ثم بدا لي بعد ذلك ان هذا النوع من الهذر مشين .

فرأيت أن أ كتب لك لأقول إن التي يخفق قلبك بحبها في امرأة في السبعين ، إذ الصورة التي رايتها في بيت الإسكندرية هي صورتي وأنا شابة

وإن شئت فسوف أرسل في طلبها وأهديها إليك لتكون تذكارا لحماقة صباك

قال صديقي

ولأمر ما انتهي بهذا الخطاب حي للصورة ، وحل محله لبضعة أيام شعور من الحزن العميق ، لا أدري كيف نفسره .

اشترك في نشرتنا البريدية