وى تبكين أماه ماذا دهاك عهدتك تحتقرين هذا النوع من الضعف فما الذى أثارك إلى هذا الحد الذى تناسيت فيه مبادئك وآراءك
لست ثائرة يا أماه بل على العكس أبكى فى هدوء وصمت أف لا ترهقينى بهذه الدقة فى التعبير لقد رأيتك تبكين فماذا لو سألتك عن سبب بكائك إنما أطلقت النفس على سجيتها يا أماه لقد أرهقها الكبت حسبتنى فى خلوة فلم أحاول أن أقاوم تلك الرغبة الجامحة التى دفعتنى إلى البكاء
غريب أنا لم أرك أبدا باكية إنه لسبب قوى ذلك الذى دفعك اليوم إلى البكاء فهل ترانى أستطيع أن أسألك عنه وإذا ما أجبتك أتراك حقا تفهمينه ويك تجرئين معذرة لم أكن أقصد ثقى بذلك تلك كانت هفوة
ما أكثر هفواتك ألا تعلمين أنى أضيق بك أحيانا بلى ألا يثيرك هذا ولم ألم أتعود منك ذلك بل يثيرك أنت كاذبة
كما تشائين يا أماه ما دمت تصرين على ذلك ماذا كان إذا سبب بكائك أجيبى ليت أنى أنا نفسى أعلمه يا أماه كل ما أعرفه أنى شعرت ببعض الضيق فبكيت
الضيق إنك لم تتركى الكتاب ساعة واحدة لم أكن أعلم أن هذا يسوؤك يا أماه ولم تنقطعى عن الكتابة والتحبير ساعة واحدة هكذا شاء لى الإله يا أماه وهل شاء لك الإله أيضا أن نكون لك كلنا خدما وعبيدا أنت لا تقومين بشئ من المساعدة فى أعمال البيت وتقضين النهار كله معتكفة فى غرفتك عاكفة علي الودق كمن يجمع فى يده مقاليد العالم أجمع أنا آسفة يا أماه أعلم أن هذا نقص ولكننى أحس أحيانا بعجزى عن أن أكون امرأة
تماما كما أحس أنا بأنك لست ابنتى وأكاد أوقن أحيانا من أنهم أبدلوك فى المهد لا شك أنهم فعلوا ذلك يا أماه ماذا تمنين لم أعن شيئا لا يقبله العقل إنما قصدت فقط أن أعفيك من عبء ذلك الحمل الثقيل أى حمل بنوتى أتعدين بنوتك لى حملا ما أقل عقلك ثقى بأنه لا يثقلنى قط ذلك الرياء يا أماه من العجيب أنى أراه عذبا جميلا فبالرغم من أنك تكرهيننى ما هذا الهراء
الحقيقة ليست هراء يا أماه لا تجرئين على النظر إلى وما يدفعنى إلى ذلك البرىء لا يرهب الحقائق بل يواجهها بكلتا عينيه أنا أرهب الحقائق أماه أنت تراوغين أفلم تصرحى منذ لحظة بأنك تضيقين بى وماذا فى ذلك كثيرا ما يضيق المرء بأحب الناس إليه هذا حتى
لحظة صمت وقلق
أيتها الفتاة إنك تخفين فى صدرك شيئا تكلمى أفصحى لا ترهقينى بهذا الصمت وما جدوى الكلام يا أماه كلانا يفهم الآخر أنا لم أعد طفلة أنا شابة ناضجة العقل ماذا تقصدين
إنما أرثى لك يا أماه وإن كنت لا أتعذب من أجلك أنت تكرهيننى وتتعذبين من أجل ذلك عبثا تحاولين أن تحملى نفسك على حبى فقد نشأنا متباعدتين مختلفتى المشارب ثم تعترفى فى يوم من الأيام بآرائى وأفكارى وكما أنا لم أفعل أنت تعلمين أن بينا هوة لا يمكننا اجتيازها وحاجزا عجزنا عن تسوره فهل تريديننى الآن أن أتكلم أم لعلك تؤثرين الآن الصمت
بل اصمتى اصمتى طبيعى لا تودين أن تسمعى لأنك لا تجرئين على مواجهة الحقائق إنها تهدمك بعد أن تألقت فجأة أمام عينيك فكادت أن تعمى بصرك إنها تهدمك تماما كما يتهدم الجانى بواجه ضحيته ألم تسألى نفسك لم يلفظنى دواما صدرك ويقصينى عنك قلبك
سليها فإنها ستجيب أو لعلها لن تجرؤ على أن تجيب فدعيني أفعل ودعيني أقول ألست يا أماه ثمرة ذلك الزواج الخاطئ المبنى على سوء التفاهم والبغض والتنافر واختلاف المشارب والأهواء ذلك الزواج المبنى على أسس مزلزلة ودعائم مقوضة ذلك الزواج الذى كان أحرى به أن تقصم عراه قبل أن ينجب الثمارا ألم تنجبينى من رجل كان بعيدا كل البعد عن قلبك بغيضا كل البعض إلى نفسك أو لم تفعلى المستحيل لكى تقتلينى فى أحشائك فلما أبت الأقدار الساخرة إلا أن أحيا وشاء لى الإله الحكيم أن أوجد وأترعرع وأعيش لم تجدى بدا من تحمل بنوتى كارهة مرغمة
وهكذا نشأت يا أماه أتلمس الطريق إلى قلبك فإذا السبل كلها موصدة وإذا أبوابه جميعا مغلفة وإذا أنا فى كل يوم أسلك إليه سبيلا جديدا فلا يسعنى وأنا أصطدم بحائطه الصخرى إلا أن أعود كاسفة البال حزينة فلما أحسست أن لا مكان لى فيه قنعت بدنياى بين جدرانى الأربعة أعتصر شبابى الغض وأتعجل شيخوختى المبكرة وتلفت أسأل عن أبى فوجدته وياليتنى ما وجدته وجدته غارفا في الدنايا والشهوات وجمدت عواطفى فجأة فإذا بى أكره أبى من أجلك ثم أعود فأكرهك أنت أيضا من أجل نفسى ثم تستبد بى الأنانية فأكره الناس جميعا وأوصد أبواب قلبى فى وجه البشر إلى الأبد وتحدث الناس عنى وكرهونى ورمونى بأقسى التهم وأشنع الألفاظ وأنا فى وحدتى القاسية لاصديق ولا أنيس ولا أليف لا تسألينى لماذا أتيت إلى الحياة يا أماه بل سلى الإله فهو قادر على أن يجيب

