الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 418الرجوع إلى "الثقافة"

صورة, عرى ممزقة

Share

وى تبكين  أماه  ماذا دهاك عهدتك تحتقرين هذا النوع من الضعف فما الذى أثارك إلى هذا الحد الذى تناسيت فيه مبادئك وآراءك

لست ثائرة يا أماه بل على العكس أبكى فى هدوء وصمت أف لا ترهقينى بهذه الدقة فى التعبير لقد رأيتك تبكين فماذا لو سألتك عن سبب بكائك إنما أطلقت النفس على سجيتها يا أماه لقد أرهقها الكبت حسبتنى فى خلوة فلم أحاول أن أقاوم تلك الرغبة الجامحة التى دفعتنى إلى البكاء

غريب أنا لم أرك أبدا باكية إنه لسبب قوى ذلك الذى دفعك اليوم إلى البكاء فهل ترانى أستطيع أن أسألك عنه وإذا ما أجبتك أتراك حقا تفهمينه ويك تجرئين  معذرة لم أكن أقصد ثقى بذلك تلك  كانت هفوة

ما أكثر هفواتك ألا تعلمين أنى أضيق بك أحيانا بلى ألا يثيرك هذا ولم ألم أتعود منك ذلك بل يثيرك أنت كاذبة

كما تشائين يا أماه ما دمت تصرين على ذلك  ماذا كان إذا سبب بكائك أجيبى ليت أنى أنا نفسى أعلمه يا أماه كل ما أعرفه أنى شعرت ببعض الضيق فبكيت

الضيق إنك لم تتركى الكتاب ساعة واحدة لم أكن أعلم أن هذا يسوؤك يا أماه ولم تنقطعى عن الكتابة والتحبير ساعة واحدة هكذا شاء لى الإله يا أماه   وهل شاء لك الإله أيضا أن نكون لك كلنا خدما وعبيدا أنت لا تقومين بشئ من المساعدة فى أعمال البيت وتقضين النهار كله معتكفة فى غرفتك عاكفة علي الودق كمن يجمع فى يده مقاليد العالم أجمع  أنا آسفة يا أماه أعلم أن هذا نقص ولكننى أحس أحيانا بعجزى عن أن أكون امرأة

تماما كما أحس أنا بأنك لست ابنتى وأكاد أوقن أحيانا من أنهم أبدلوك فى المهد  لا شك أنهم فعلوا ذلك يا أماه ماذا تمنين لم أعن شيئا لا يقبله العقل إنما قصدت فقط أن أعفيك من عبء ذلك الحمل الثقيل أى حمل بنوتى  أتعدين بنوتك لى حملا ما أقل عقلك ثقى بأنه لا يثقلنى قط  ذلك الرياء يا أماه من العجيب أنى أراه عذبا جميلا فبالرغم من أنك تكرهيننى ما هذا الهراء

الحقيقة ليست هراء يا أماه لا تجرئين على النظر إلى  وما يدفعنى إلى ذلك البرىء لا يرهب الحقائق بل يواجهها بكلتا عينيه  أنا أرهب الحقائق   أماه  أنت تراوغين  أفلم تصرحى منذ لحظة بأنك تضيقين بى وماذا فى ذلك كثيرا ما يضيق المرء بأحب الناس إليه هذا حتى

لحظة  صمت  وقلق

أيتها الفتاة إنك تخفين فى صدرك شيئا تكلمى أفصحى لا ترهقينى بهذا الصمت وما جدوى الكلام يا أماه كلانا يفهم الآخر أنا لم أعد طفلة أنا شابة ناضجة العقل ماذا تقصدين

إنما أرثى لك يا أماه وإن كنت لا أتعذب من أجلك أنت تكرهيننى وتتعذبين من أجل ذلك عبثا تحاولين أن تحملى نفسك على حبى فقد نشأنا متباعدتين مختلفتى المشارب ثم تعترفى فى يوم من الأيام بآرائى وأفكارى وكما أنا لم أفعل أنت تعلمين أن بينا هوة لا يمكننا اجتيازها وحاجزا عجزنا عن تسوره فهل تريديننى الآن أن أتكلم أم لعلك تؤثرين الآن الصمت

بل اصمتى اصمتى طبيعى لا تودين أن تسمعى لأنك لا تجرئين على مواجهة الحقائق إنها تهدمك بعد أن تألقت فجأة أمام عينيك فكادت أن تعمى بصرك إنها تهدمك تماما كما يتهدم الجانى بواجه ضحيته ألم تسألى نفسك لم يلفظنى دواما صدرك ويقصينى عنك قلبك

سليها فإنها ستجيب أو لعلها لن تجرؤ على أن تجيب فدعيني أفعل ودعيني أقول ألست يا أماه ثمرة ذلك الزواج الخاطئ المبنى على سوء التفاهم والبغض والتنافر واختلاف المشارب والأهواء ذلك الزواج المبنى على أسس مزلزلة ودعائم مقوضة ذلك الزواج الذى كان أحرى به أن تقصم عراه قبل أن ينجب الثمارا ألم تنجبينى من رجل كان بعيدا كل البعد عن قلبك بغيضا كل البعض إلى نفسك أو لم تفعلى المستحيل لكى تقتلينى فى أحشائك فلما أبت الأقدار الساخرة إلا أن أحيا وشاء لى الإله الحكيم أن أوجد وأترعرع وأعيش لم تجدى بدا من تحمل بنوتى كارهة مرغمة

وهكذا نشأت يا أماه أتلمس الطريق إلى قلبك فإذا السبل كلها موصدة وإذا أبوابه جميعا مغلفة وإذا أنا فى كل يوم أسلك إليه سبيلا جديدا فلا يسعنى وأنا أصطدم بحائطه الصخرى إلا أن أعود كاسفة البال حزينة فلما أحسست أن لا مكان لى فيه قنعت بدنياى بين جدرانى الأربعة أعتصر شبابى الغض وأتعجل شيخوختى المبكرة وتلفت أسأل عن أبى فوجدته وياليتنى ما وجدته وجدته غارفا في الدنايا والشهوات وجمدت عواطفى فجأة فإذا بى أكره أبى من أجلك ثم أعود فأكرهك أنت أيضا من أجل نفسى ثم تستبد بى الأنانية فأكره الناس جميعا وأوصد أبواب قلبى فى وجه البشر إلى الأبد وتحدث الناس عنى وكرهونى ورمونى بأقسى التهم وأشنع الألفاظ وأنا فى وحدتى القاسية  لاصديق ولا أنيس ولا أليف لا تسألينى لماذا أتيت إلى الحياة يا أماه بل سلى الإله فهو قادر على أن يجيب

اشترك في نشرتنا البريدية