كان " عطوة إبراهيم " من أهالى الصعيد . وكان يشتغل بتجارة الغلال فى بلدة قريبة من مدينة أسيوط . ولم تكن تجارته من الاتساع بحيث تكفل له حياة رغدة ، فإن بضاعته كلها كانت توضع على عربية صغيرة يطوف بها على المنازل . ولم تكن وحدة المبيعات عنده " الأردب أو الكيلة " . ولكنها كانت " الربعة والقدح " . وكان فى ضنكه هذا لا يطيق أن يرى " عبد العال " ذلك البائع الجوال الآخر ، الذى كانت له عربة مثل عربته ، والذى كان يحمل عليها بضاعة مثل بضاعته . ويطوف بها فى نفس الأحياء التى يغشاها هو ، وينافسه بذلك فى رزقه الضئيل ، ويشاطره رغيف الخبز الذى لا يحصل عليه إلا بعد الكدح والكفاح الطويل
وكان " عطوة شابا فى مقتبل العمر لم يبلغ الثلاثين من عمره . ولكنه كان هزيل الجسم ضعيف النظر . أستغفر الله ؛ فان عينه اليمنى لم تكن إلا ثقبا ضيقا مفرغا . أما عينه اليسرى فكانت باهتة خافتة كسراج آخر الليل . ولئن كان الشباب عند الشبان قوة وصحة وأملا فان عطوة المسكين كان فى شبابه ينوء تحت أثقال الضعف الذى يزرى بضعف الشيخوخة ، ويعيش فى ظلال يأس دونه يأس العاجزين . .
ركب الهم " عطوة ، وملأت خياله صورة " عبد العال " وعربة عبد العال ؛ فهو يراه فى منامه إذا نام ، ويراه فى أحلام يقظته إذا خلا إلى نفسه . وكانت نفسه تجد شيئا من الراحة كلما ظفر بغريمه فى أحلامه فأوسعه
فى أضغائها سبا ولكما وضربا . ولكنه لم يكن يلبث أن يعود إلى عالم الواقع فتركبه همومه من جديد . أما " عربة عبد العال " - تلك العربة الضئيلة الصغيرة - فانها كانت أثقل على قلبه من الدبابات الأمريكية ، التى يملأ حديثها أسماع العالم فى هذه الآيام . وكان إذا لمحها من بعيد ، وهى تدرج وتقعقع يحس بها إحساسا مرهقا كأنما كانت دواليبها تدور فوق صدره ، فهى لا تفتأ تعصر قلبه ليلا ونهارا . .
واختلط عقل هذا التعس . وتشابهت عليه الأمور . وانتهى من كل ذلك إلى حالة انعكست فيها صور نفسه وأحقادها على الوسط الذى كان يعيش فيه . فبات يعتقد أن " عبد العال " يغرى به من يقتله ، ويحرض الناس على الخلاص منه . فكان لا يقترب منه إنسان إلا يظن به السوء ، ولا يرى فيه إلا أنه رسول " عبد العال " إليه الموكل بقبض روحه . وأصبح لا حديث له إلا أنه مطلوب ، وراءه من لا يلى يطارده . وأنه فريسة نصبت حولها الشباك ، فهو لا يعرف أين من هذه الشباك المفر . وضاقت به الدنيا وأدرك أن الخلاص من هذا الضيق مستحيل . فاعتزم أمرا ، وأعد لهذا الأمر عدته . .
وفى ذات يوم التقى عرضا فى الطريق بعبد العال ، فهجم عليه وأغمد سكينه - التى أعدها - فى صدره ، واستراح منه إلى آخر الدهر
وعرضت القضية على المحكمة
وقالت النيابة : إن المتهم أعد عدته للقتل . ثم إنه قبض عليه وهو يقارف جريمته ، وإن السكين التى قتل بها غريمه ضبطت معه ، وإنه اعترف على نفسه بما فعل . وطلبت الحكم عليه بالإعدام . .
وكان هذا المصير فى الواقع هو المصير الجدير بمثل من يرتكب فعلة هذا المتهم .
ولكن أحد قضاة المحكمة حدث زملاءه بأنه يرتاب فى سلامة عقل المتهم . وأشار عليهم بضرورة فحصه من هذه الناحية بواسطة الخبراء الفنيين من رجال الطب . فوافقوه وأحالوا المتهم فعلا على مستشفى الأمراض العقلية ليقوم خبراؤه بامتحانه ، وليقرروا مدى ما يصح أن يتحمله من مسئولية العمل الذى ارتكبه
فقام الأطباء بفحصه ، وتبين لهم أنه " سيكوزى " وأنه مريض بما يسمونه " بارانويا " ، وأنه لذلك لا يعتبر مسئولا عن عمله ، ولا يجوز توقع أى عقوبة عليه ؛ فلم تر المحكمة بدا من الكف عن السير فى محاكمته واكتفت بأن تأمر بأيداعه فى المستشفى على أنه من المجانين
فا هو هذا " السيكوز " ؟ وما هى هذه " البارانويا " ؟
قالوا عن السيكوز " : إنه نوع من الجنون يمكن تسميته بأنه " جنون الوهم " ، وأن " السيكوزى " هو الذى يتوهم أمرا لا أصل له ، ثم يعتنقه على أنه حقيقة واقعة ، ثم يتصرف فى شئون حياته على أساس قيام هذه الحقيقة . وإن حالة السيكوز إن كانت خفيفة فان المريض يدركه الصحو أحيانا فيتحرر من أوهامه ، بل ويدرك أنه كان فريسة هذه الأوهام الباطلة . ولكنه لا يلبث أن تكتسحه موجة المرض من جديد ، فيعود يسبح فى لجج الوهم التى كان يخبط فيها قبل صحوه . أما إن كان مسه شديدا فانه يبقى مغمورا فى أوهامه لا يفيق منها أبدا ، ويعيش فيها على أنها هى حقائق الحياة التى تحيط به ، ولا تزيده محاولات الناس فى إنقاذه من هذه الأوهام إلا تشبثا بها وتعلقا بخيالاتها . ولا يسلم قط بأنه فى حالة مرض عقلى ، ويذهب إلى حد الدفاع عن أوهامه فيثبت بذلك أن جنونه قد أطبق على عقله ، وأنه أصبح
ولا عاصم له من أمر الله ، فهو من المغرقين . .
أما " البارانويا " فهى نوع من " السيكوز " . وأساس العقيدة الباطلة عند صاحبها أنه يعتبر نفسه موضوع مؤامرة يشترك فيها كل من حوله ، وأن هؤلاء المتآمرين يريدون قتله ؛ ولذلك يندفع المريض عادة فيسبق إلى اغتيال أعدائه لينجو هو من المؤامرة الموهومة ؛
ولقد أتيحت لنا فرصة لقاء هذا الرجل أخيرا أثناء جولة لنا فى مستشفى الأمراض العقلية . وتحدثنا إليه فى أمر جريمته ، فقال إنه إنما ارتكبها دفاعا عن نفسه وسألناه عما تم فى أمر غريمه ( لترى هل تحسنت حالته بعد أن تخلص منه ) فدهشنا لجوابه ، إذ قال إنه لا يعرف ما إذا كان قد مات أو لم يمت ! وزادت دهشتنا إذ سمعناه يقرر بلهجة اليقين أنه ما يزال - حتى هنا فى الخانكة يتلقى رسل عدوه الذين جاءوا وراءه من الصعيد ليقتلوه فأدر كنا أن هذا التعس لا يزال فى بحرانه ( لأن غريمه كان قد انقضى على قتله أكثر من ثلاثة أشهر ) .
ومن المشاهدات فى أمر هذا المرض أن أكثر حوادث الاغتيال السياسية إنما ترتكب فى ظله . وأقرب الأمثلة إلى الأذهان وأروعها فى الوقت نفسه حادث الاعتداء المشهور الذى وقع على المغفور له سعد باشا زغلول . فقد تبين أن الطالب الذى اعتدى عليه كان يتلقى علومه فى أوربا . فلما عاد إلى مصر ظهرت عليه أعراض " البارانويا " إذ كان دائم التحدث عن أنه واحد من عظماء العالم وأن مؤامرة واسعة النطاق تدبر لقتله . وأن ثلاثة يعرفهم بالذات يشتركون فى تدبير هذه المؤامرة . وأنهم يريدون قتله بواسطة الكهرباء والمغناطيس . وأن هؤلاء الثلاثة هم : أستاذه الذى كان يتلقى عليه العلم فى أوربا . ثم ح . ر. بك ( والآن باشا ) ثم سعد زغلول باشا . ونظرا للدوى
الذى كان يحيط باسم سعد إذ ذاك فأنه رأى أن يبدأ به
وهناك من أمراض الجنون ألوان كثير أخرى من بينها الـ " مانيا " - جنون السرور - والـ " ملانخوليا " - جنون الكآبة - والنورستانيا . والهستريا . والشلل الجنونى . والصرع . وهذا النوع الأخير من أشد أنواع الجنون اتصالا بالجريمة ، بل إنه يجعل صاحبه عرضة لارتكاب أبشع الجرائم . فقد روى ان امرأة فى نوبة صرعها قطعت ذراع ابنها وهى تحسب أنها تقطع رغيفا من الخبز . .
ويتميز " الصرعى " - كما يسمونه - بمسحة من الكآبة يتسم بها وجهه ، وبمعنى من معانى الغضب يرتسم على نظراته . وهو إذا تكلم ثقل اللفظ على لسانه ، فأخرجه من فوقه إخراجا . وهو فى سلوكه العادى الثانى متطرف فى أنانيته . تبدو على شفتيه الغليظتين ومنخريه العريضين سيما البهيمية . وقد تنتاب الواحد منهم نوبة الصرع فيكون أول ما يبدو عليه من أثرها صيحة تنطلق منه على غير إرادته . ودلت البحوث على أن هذه الصيحة تأتى فى الغالب نتيجة ما يعترى جدران الجنبين من تقلصات مفاجئة ، ثم ينهار الجسد على الأرض دفعة واحدة كما تقع القطعة من الخشب . وليست النوبات على حال واحدة من الشدة ، فأن بعضها يأتى خفيفا غير محسوس . فينتفض له المريض نفضة أو نفضتين فى ثانية أو ثانيتين . والعامة يطلقون على مثل هذه النوبة الخفيفة اسم ال " فوته "
ولكن خطر المريض يظل كامنا فيه عقب هذه ال " فوته لأنه يدخل من بعدها فى حالة أخرى تسمى automatism ويعبرون عنها " بالحالة الذاتية ، أى الحالة التى يكون فيها المريض مسخرا غير مخير ، يأتى من الأعمال ما لا سلطان للعقل عليه ولا للإرادة دخل فيه .
ومن ذلك ما حدث منذ سنوات فى إحدى بلاد الوجه
البحرى . فقد قتل عمدة هذه البلدة فى وضح النهار وهو يسير فى الطريق العام بين رجاله . وكان القاتل له شابا من أهل القرية ينتمى إلى أسرة بينها وبين أسرة العمدة جفوة واستعمل فى القتل بلطة مما يستعملها الفلاحون لقطع الأشجار . وقد اهتمت الحكومة اهتماما مضاعفا بهذا الحادث خشية ما قد يؤول إليه من تبادل الثأر بين العائلتين ؛ فاستمعت لكل ما يقال ، واحتاطت لكل ما قد يقع .
وكان مما قيل أن إخوة الشاب المتهم هم الذين حرضوه على القتل . فجىء بهم جميعا ، وأدخلوا السجن معه . ولم يكن يفطن أحد ممن بيدهم التحقيق إلى أن هذا الشاب كان " صرعيا " ولم يكن يدرك من فطن منهم إلى هذه الحقيقة أن حالة الصرع قد يكون لها دخل فى وقوع الجريمة
وقطع التحقيق أشواطه الأولى وكل شئ يبشر بخراب بيت هذا الشاب وأسرته ، إلى أن قيض الله من كشف القناع عن حقيقة هذا الشاب ، وأنه ممن لا يسألون فى نوباتهم عما يصنعون . وأنه ارتكب جريمته وهو فى نوبة من نوبات تلك " الحالة الذاتية " التى سبقت الاشارة إليها . وكان عزيزا جدا على المحكمة أن تسلم بهذا الرأى . وأن ترى المجرم يوشك أن يفلت من يدها بهذه السهولة فاستدعت الطبيب المختص وجادلته جدالا طويلا
واستوضحته واستفسرت منه . وخرجت من درسها وبحثها إلى الاقتناع برأى الطبيب فعدلت عن خطتها الأولى ، وأخلت سبيل الاخوة . وأمرت بأيداع المتهم فى المستشفى . وخفت حدة الثأر تحت ضوء هذه الحقيقة . وحقن الله على أهل القرية دماءهم . وكفى الله المؤمنين القتال .
هذا طرف من حديث " جرائم الجنون " . وسنأتى فى كلمة أخرى إن شاء الله على حديث " المجانين غير المجرمين " ، فأن لهم لحديثا تستمتع به العقول .

