ذهبت يوما ازور الهرم وسيدي ابا الهول . وسدي طبعا ، وعلى غير أمل في صحبة مبهجة
بدأت أطوف بالهرم الأكبر وأنا اتأمله في غباء يعادله ضخامة وكبرا . . لا أفهم من امره إلا أنه القير الجبل الذي بناه أبونا خوفو كي يحفظ فيه جثمانه الطاهر حتى تعود روحه إليه من رحلتها في السماء .
أما كيف بني هذا الطود ، وكيف نقلت حجارته ، ولماذا اختير له شكله هذا دون سواه من الأشكال فلم أكن أدري من أمره غير ما قدمت .
على أي حال لم يكن غبائي ولا جهلي ليمنعاني من السير الوئيد الرزين وهز الرأس بين الحين والحين ، كمن احاط بكل شئ علما وكمن كان هو العليم الذي فوق كل ذي علم .
وبعد قليل ابصرت رجلا يتحسس احد حجارة الهرم ويضرب عليه بكفه كمن يتحسس بطيخة ويضرب
عليها ليختبر يبوستها ويقدر نضجها وحلاوتها .
وانتقل من هذه الحجرة إلي غيرها ، ومن تلك إلي غيرها . ثم ابتعد عن الهرم بضع خطوات واخذ يشير باصبعه إلى حجارة الهرم كأنه بعدها . ثم طفق يحسب عددا على أصابعه .
تري بأي شيء شغل هذا الرجل نفسه ؟ لابد ان يكون في الأمر شئ .
ليس من عاداتي أن أكلم من لا أعرف من الناس ولا أن أتدخل في شئونهم . ولكن الهرم لكل مصري فيه نصيب بحكم بنوته لصاحب الجلالة الراسخة الملك خوفو .
فأنا إن كلمت هذا الرجل لم أكن متطفلا ولا صاحب فضول ، فإنما سأكلمه في أمر أبي وأبيه قلت له - السلام عليكم أولا . فقال لي - بكل تأكيد . . لا بد أن يكون السلام أولا . ثم الكلام ثانيا . ولقد أديت أنت السلام فهل تسمح لي أن أحمل عنك عبء الكلام ؟ فقلت - والله هذا ما أبغي . فلقد لفت نظري وقصدتك لأ سألك . فقال - وأنا أعرف ما تريد أن تسأل عنه ؟ لا ريب
انك تريد أن تعرف لماذا أتحسس حجارة الهرم كأنى اختبرها ولماذا أحصيها وأعدها . فقلت - هو هذا . فقال - وانا مستعد لان أقول لك كل شئ ، ولكن بعد أن تجيب عن سؤال واحد اوجهه إليك . فما رأيك ! فقلت - اسأل ما شئت . فقال - أنت . . أعاقل أنت أم مجنون ؟ فقلت - وهل يهمك كثيرا هذا الأمر ؟ الحق انى أنا نفسى غير واثق من نفسي في هذا الشأن فقال - يكفيني هذا منك لاحترامك ، ولأصارحك الحق ، ولأقول لك إني أنا خوفو الذي أقام هذا الهرم وإني الآن افحصه لأني قد اعتزمت أن أنقله من هنا .
فقلت - وقد ارتحت جدا لهذا الحديث - وهل تسمح لي حضرتك أو جلالتك ان اسألك مثلما سألتنى أعاقل أنت . . أم أنت ، ولا تؤاخذني ، غير عاقل ؟ فقال - على أي حال ليس عجبا أن تجرؤ على التفكير في توجيه مثل هذا السؤال إلي بعد ما علمت اني انا خوفو ، خوفو الذي إذا اراد فبكلمة منه يحولك إلى شئ من العدم الخالد الذي يعرف خوفو كيف يحبسه على صدر الزمن . . ولكن لا بأس . فإن جرأتك هذه وامثالها من سخافات الرعايا هي من الأسباب التي تجعلني علي التفكير في نقل الهرم . .
فقلت - إذا كان هذا السؤال يغضبك يا مولاي فاني اسحبه .
فقال - إنك لا تستطيع أن تسحبه لأنه امتطى انفاسك ورتع بها إلي اغوار الماضي ، فلن تلحقه ، وإنما كل ما تستطيعه هو ان تنزل عن رغبتك في إجابتي عنه . وهذا لا يمنعني من أن أجيبك أنا عنه فإن لي لذة في ذلك . . أنا يا أبهذا الرعية مجنون . . ولو لم أكن مجنونا لما كلفت نفسى إنشاء هذا البلاء المقيم الذي حسبته سيصون جسدي
وتروني وسائر اشيائي حتي تعود اليه روحي فما صان هذا الطود شيئا ، بل لقد كان اشد ما سخر به القضاء مني هو ان كنت أنا أول من نقبه من اللصوص واول من نبش قبري ، وأول من سرق متاعي . .
فقلت - وكيف كان ذلك ؟ اظن جلالتك تسمح لي أن أسأل هذا السؤال .
فقال - بكل تأكيد أسمح . اسمع ، كان يجب أن انقش على حجارة هذا الهرم ، في أي مكان منه ظاهر . . اسماء العمال الذين أقاموه ، كلهم جميعا ، من مهندسهم الاكبر إلى فاعلهم الأصغر الذي لا يتقن إلا حمل التراب . فهؤلا ، هم الذين أقاموه حقا . وهم أصحاب الفضل فيه ، إن كان فيه فضل . أما أنا فلم يكن لي إلا أن قلت إني اريد قبرا جبلا هرما ، فكان لي ماقلت بلا تعب ولا جهد ، فكان أن خلدت اسمى وأغفلت الآخرين . اتعرف ماذا كان عقابي على هذا ؟ كان أني بعثت أول مرة عاملا هملا في هرم خفرع فكنت أرفع الأثقال ، وكانت الشمس تلفحني وتلسعني وكنت اذوق الوبال ، وكان جلالة الملك خفرع يزورنا احيانا ويطل على عملنا وشقائنا من وراء ارنبة أنفه ثم يتكرم ويقول : " عال عال " ثم يمضي .
وكان العمال حين يرونه يجدون في عملهم ويزيدون ، فكنت أنا وحدي أضحك ، لأني كنت وحدي أري في الغيب صورة الملك خفرع وهو يحمل على كتفه حجرا ليقيم به جانبا من هرم منقرع . .
ولقد حدث هذا ، فقد بعثت أنا في المرة الثانية ملاحظا في هرم منقرع ، وكان خفرع تحت يدي ولقد والله احسنت معاملته . وتركته لنفسه يحاسبها على إهمالها ذكر العاملين فقد وقع هو أيضا فيما وقعت فيه من الخطأ .
فقلت - شئ جميل . فقال - وليس هذا وحده ما حدث فقلت - وماذا حدث غيره ؟
قال - بعد أن اتممنا العمل في هرم خفرع مات خفرع ودفناه في هرمه . ثم مت أنا بعد ذلك بقليل . . ثم حدث لي بعد ذلك ابي بعثت مرة ثالثة فتي عربيدا مسرفا احصل على رزقى من السلب والنهب . ولقد الفت عصابة كبيرة من الأشقياء ، ولما كنت أذكر اسرار الهرم ومداخله ومحتوياته فقد سطوت عليه أنا وعصابتي وجردناه من كل ما فيه من حلى وتحف وبعنها وسكرت بثمنها .
فقلت - ما شاء الله ! ما شاء الله ! فقال - لك ان تصدق ولك ان تكذب . انت حر . أما أنا فسأمضي في قصتي . فقلت - هي قصة رائعة من غير شك ! .
فقال وأروع ما فيها هو هذا الفصل الأتي فقد مات ذلك اللص العربيد الذي هزأ من خوفو الملك الجبار والذي سلب متاعه وزينته في مماته لأنه كان الاجدر به ان ينفقها في خير في حياته . مات ذلك اللص ثم بعث بعد ذلك فلاحا شابا مغازلا له مع الفتيات حوادث وله فيهن اشعار وأغان . . وما رأيك يا حضرة الفاضل في أني التقيت إذ ذاك بجلالة الملكة زوجة خوفو . كانت في هذه المرة ايضا فلاحة مرحة مغازلة شيطانة تعبث بعقول الفتيان ولا يفوزون منها إلا بتلك الابتسامة ذات المزيج من التشجيع والسخرية . لقد عرفتها . وعرفتني . ولكنها تدللت وانكرتني
وطلبت يدها فتمنعت وسألتني أقادر أنا علي مهرها ؟ . فلم يكن مني إلا أن عمدت إلي الهرم وحملت جثتى وجثتها إلي دارها في زكيبة من الخيش ، وقدمتهما لها .
لقد ضحكنا يومها كثيرا من هذين الملكين الهامدين الذين علما ان الروح لابد ان تعود إلي الجسم فحبسا جسميهما بينها كان عليهما ان يعلما ان للجسم دورة في الأرض كما ان للروح دورة في السماء . فحبس الجسم بالتحنيط جريمة نحمد الله على اننا لم نهتد إلي ما يوازيها من جناية حبس الروح . فقلت - وهل هذا ممكن ؟ .
فقال - لا ريب أنه ممكن والعياذ بالله . فقلت - وهل انتهت قصتك ؟ .
فقال - أوشكت أن تنتهي . فقد تزوجت الملكة تلك المرة فلاحة وأنا فلاح وعشنا سعيدين ثم متنا . ثم فقلت - ثم بعثنا بعد ذلك . ولكنك لم تقل لي ماذا فعلت بجثة الملك والملكة .
فقال - دفنا الجثتين يا صديقي قبل الزواج وأرحناهما من شر التحنيط وحرمانهما الأرض امهما . أما زوجتي فقد غابت بعد وفاتها في هذه المرة فلم ألتق بها . وأما انا فلم ابعث بعد ذلك إلا مرتين اثنتين . أولاهما جندبا في جيش نابليون ، وقد أصدر إلي رحمه الله أوامره ، فأطلقت من مدفعي بعض طلقات على الهرم الا كبر وابي الهول فلم تفعل فيهما القنابل شيئا . وصدقني أنه قد سرني ذلك ، وأما المرة الثانية فهي هذه المرة التي تراني فيها ادور حول هذا الجبل الذي اقمته في الحق فوق صدري والذي اراه جاثما على انفاسي . وأنا الآن افكر في اقرب الوسائل لهدمه وتوزيع احجاره لعلي انتهى من متابعته فأنطلق من هذه الارض إلي كوكب آخر ربما أكون فيه أسعد حظا .
فقلت - وهل أنت تستطيع ذلك ؟ . فقال - استطيعه . فالجن الذين سخرتهم في بنايته مع من سخرتهم من الإنس لا تزال منهم بقية باقية تعيش حوله مرصودة لحفظه تبعا لامري ، فلو انى امرتهم بنقله لنقلوه . فقلت - إذا وما يمنعك ؟ .
فقال - لا يمنعني من ذلك شئ إلا أني أخشي علي عقول الناس ان تطير لو انهم اصبحوا يوما فلم يجدوا الهرم في مكانه
فقلت - لو أني مكانك لعملتها ولم أسأل فقال - على العموم إني لا أزال أفكر . فقلت - ربنا يستر .
