الحديث اليوم عن التطورات السياسية فى إندونيسيا هو الحديث عن الحركات القومية للشعوب الإسلامية فى جميع أنحاء المعمورة للتحرر من الاستعمار الغربى .
وتدخل اليوم إندونيسيا فى عهد جديد ، عهد الوحدة ، عهد الإخاء ؛ فقد ألغيت الولايات المتحدة الاندونيسية . وأصبحت إندونيسيا حكومة الجمهورية الإندونيسية .
وحبب إلى أن أقدم للقاريء الكريم في هذا المقال الموجز بحثا تاريخيا سياسيا يتعلق بالوضع الإندونيسى التاريخى والسياسى منذ بدأ الاستعمار الغربى حتى اليوم ، لتزداد ثفاقته العامة ، وليقف على مدى قوة الحركات التحريرية في الشرق الأقصى .
إندونيسيا هي مجموعة جزائر الهند الشرقية ، وتضم ما يزيد على ألفى جزيرة ، منتشرة بين القارة الآسيوية والقارة الاسترالية . وأهم هذه الجزائر من ناحية السكان والإنتاج الزراعى والمعدنى وتقدم الثقافة والعلوم ، جزر جاوا وسومطرا وبورنيو وسليبيس . أما جزيرة جاوا فهي مركز الثقافة والآداب ، ومهد الحركات القومية ، ومجتمع الأوربيين من مستعمرين ورجال تجارة وصناعة وعلوم .
وقد بلغت شأوا بعيدا في الحضارة والمدنية . ويبلغ عدد سكانها أربعين مليون نسمة .
وتحتل اليوم جزيرة جاوا المكانة الممتازة لبلدان الشرق الأقصى . فهي واقعة فى موقع جغرافى ممتاز ، وغاصة بالسكان ومملوءة بالمصانع والمعامل ، وزاخرة بدور العلوم والمعارف ، وفيها عاصمة الجمهورية الإندونيسية ودور الوزارات .
ومن أهم إنتاجها الزراعى : الأرز ، وقصب السكر ، والشاى ، والكينا ، والمطاط ، والنارجيل ، والدخان . وأهم انتاجها المعدنى البترول . وقد رسمت الحكومة الإندونيسية سياستها الإنشائية العمرانية ، وقررت جعل جزيرة جاوا مركزا صناعيا عاما للجزر الإندونيسية ، كما قررت ترحيل بعض سكانها إلى جزيرة سومطرا ، فيمكن بذلك تكييف الحياة الاقتصادية لهذه الجزيرة حسب حاجات عدد السكان .
وأما جزيرة سومطرا فهي في الدرجة الثانية بعد جزيرة جاوا من حيث الحضارة والمدنية ، لأن المستعمرين لم يلتفتوا إليها كثيرا ، فلم يستغلوا ثرواتها المعدنية والنباتية إلا قليلا . وتتقدم الحياة الثقافية والعمرانية والاقتصادية فى شرقها
وغربها ، وذلك لخصب التربة فى شرقها ، ونشاط السكان فى غربها .
وإذا نظرنا إلى جزيرة سومطرا من ناحية الاستغلال لمعادنها ونباتانها ، فيمكن أن تعتبرها بلادا بكرا ، لم تستغل بعد . فهى غنية بالمعادن والنباتات الهامة التى يحتاج إليها العالم ، وتوجد في أواسطها آبار البترول ، كما توجد فى شرقها حقول المطاط ، وكما توجد فى غربها مناجم الفحم الحجرى . وتملك الشركات الهولندية جل هذه الحقول والمناجم . وستكون هذه الحزيرة الهدف الأول لبرنامج الانتعاش الذى قررت الحكومة الإندونيسية تنفيذه في الوقت الحاضر وقد جلبت إليها فعلا المعدات والآلات الزراعية من الفلبين . وترحب الحكومة الإندونيسية باستغلال رءوس الأموال الأجنبية فيها ، لتنتعش الجزيرة اقتصاديا وعمرانيا . ويبلغ عدد سكانها عشرة ملايين نسمة .
وأما جزيرة سليبيسي فتقع في شرق إندونيسيا ، وتتبعها عدة جزر صغيرة ، وتقع فى شمال هذه الجزيرة مقاطعة ( منادو ) ، وهى مقاطعة يسكنها المسيحيون الإندونيسون ، ويمتازون عن بقية سكان هذه الجزيرة بالحضارة والمدنية إذ أن هولندا لما استعمرت إندونيسيا أفسحت مجال التعليم لهم ، كما أفسحت المجال لسكان ولاية ( ملوكو ) . وتوجد فى جنوب هذه الولاية مقاطعة أخري هي مقاطعة ( أمبون ) ، وسكانها كإخوانهم سكان مقاطعة ( منادو ) من حيث الثقافة والتعليم ؛ وخلال العهد الهولندى السابق كانت قوات جيش حكومة الهند الشرقية منتخبين من سكان مقاطعة ( منادو ) و ( أمبون ) ، لثقة هولندا فى ولائهم لها ، ولاندماجهم فى البيئات الهولندية فى إندونيسيا ، ولرابطة العقيدة الدينية . وقد استغل الهولنديون هذا الولاء وهذه الرابطة فبثوا روح التفرقة والبغض والكراهية بين سكان هاتين المقاطعتين وبين إخوانهم الإندونيسيين سكان الجزر الأخرى الذين يدينون بالعقيدة الإسلامية . ولا تنس أن هؤلاء الإندونيسين قد لعبوا دورا هاما بإرشاد السلطة الهولندية فى مناهضة الحركات القومية خلال أربعين عاما ( ١٩٠٨ - ١٩٤٨ ) ، فقد كانوا البوليس الحربى لحكومة الهند الشرقية ، وكانوا يمثلون الغطرسة العسكرية المتعجرفة وبعد أن أعلنت إندونيسيا استقلالها كان بعض زعماء ولاية ملوكو
وسليبيس من سكان مقاطعة (منادو ) و ( أمبون ) كالدكتور تمينا ، والدكتور راتولانجى ، والدكتور هار هارى . والمهندس فانوهينا ، كانوا الدعامة الأولى فى صرح الاستقلال والأساس الأول في بناء الجمهورية . وقد غدا جيش حكومة الهند الشرقية الذي يشكل السواد الأعظم منه سكان مقاطعة ( أمبون ) و ( منادو ) مندمجا فى جيش الجمهورية الإندونيسية عن رغبة وإخلاص فى خدمة الجمهورية التى ترمز إلى الديموقراطية الحقة ! وإلى المساواة التامة بين جميع سكان إندونيسيا العظمى !...
ومن أهم إنتاج جزيرة سليبيس " التوابل " وقد اشتهرت بها منذ عهود سحيقة ، وهذه " التوابل " هى مصدر البلاء لأندونيسيا ، إذ رحل إليها الأوربيون في القرن السادس عشر ، وصاروا ينقلون " التوابل " منها عبر الشرق الأدنى إلى أوربا ، ثم توسعت تجارة " التوابل " فأسست على الأثر شركات إسبانية ويرتغالية وهولندية وانكليزية ثم اندمجت الشركات الهولندية في بعضها وكونت ( شركة الهند الشرقية ) في عام ١٦٠٥ . وتركزت بذلك أقدام الهولنديين في أندونيسيا ، وعقدوا بعض الاتفاقات التجارية مع بعض سلاطين جزيرة جاوا وأمرائها ، وجعلوا من مدينة ( جاكارتا ) مركزا رئيسيا للتجارة الأوربية . ولما سلمت الشركة أموالها إلى الحكومة الهولندية في القرن الثامن عشر . وأصبحت أندونيسيا مستعمرة هولندية ، أبدل الهولنديون اسم المدينة (جاكارتا) إلى اسم هولندي هو ( بتافيا) . وهو اسم لمقاطعة في هولندا ، ثم أعيد الأسم الأول إلي هذه المدينة بعد أن تحررت أندونيسيا فى السابع عشر من شهر أغسطس عام ١٩٤٥ .
والحياة الثقافية والزراعية في جزيرة ( سليبيس ) تتقدم بخطى ثابتة ، وهى أحسن الحزر الأندونيسية الواقعة في شرقى أندونيسيا من حيث الحضارة والمدنية . ولما عقدت اتفاقية لنجارجانى بين الحكومة الأندونيسية والحكومة الهولندية رفضت هولندا أن تضم الجمهورية الأندونيسية جزيرة سليبيس ، وقد شكلت فيها حكومة أندونيسية صورية لا جيش لها ولا علم ولا نقود . وفي هذه الجزيرة أباد الهولنديون المستعمرون بقيادة الكابتن ( وسترلنج ) الهولندى أربعين ألفا من الأندونيسيين فى عام ١٩٤٦...
ولم تستطع حكومة أندونيسيا الشرقية التى أقامها الهولنديون تحمل مسئولية هذه الإبادة. واحتجت الحكومة الأندونيسية لدى الحكومة الهولندية على ما قامت به الجيوش الهولندية من الفظائع التى طغت على الفظائع النازية في جزيرة سليبيس . ولا تزال هذه المسألة الخطيرة مطلقة بين الحكومة الأندونيسية والحكومة الهولندية ، وستثار فى يوم من الأيام وبلغ عدد سكان هذه الجزيرة اثنى عشر مليون نسمة
وهناك الجزيرة الرابعة التى تعتبر إحدي الجزر الأندونيسية الكبرى ، وهي جزيرة ( بورنيو ) ، وهي أكبر جزيرة في العالم . كانت تستعمرها هولندا وانكلترا ، وقد زال الحكم الهولندي فعاد الجزء الهولندى إلى حظيرة الجمهورية الأندونيسية . وأما الجزء الانكليزى وهو يشمل الشمال الغربى لهذه الجزيرة ويعرف بمقاطعة ( سراواك ) فلا يزال تحت النفوذ الانكليزى .
والحياة الثقافية والصناعية في هذه الجزيرة لم تتقدم بعد ، برغم وجود مادتين حيويتين للعالم ، وهما الذهب والبترول . وقد بدئ فى استخراج البترول فى هذه الجزيرة فى نهاية القرن التاسع عشر ، ففاضت آبارها حتى أصبح شرق هذه الجزيرة حقولا للبترول . وتعد مدينة ( تاراكان ) الواقعة فى شرق هذه الجزيرة أكبر مصدر للبترول فى الشرق الأقصى ، ففيها حقول البترول الواسعة ، وفيها معامل تكريره الضخمة ، ومنها كانت هولندا والشركات الاحتكارية الغربية تصدر البترول إلى أوربا وأمريكا . وعندما بدأت هولندا تنسحب من أندونيسيا في أوائل عام ١٩٤٢ حطمت حقول البترول وبعض معامل تكريره كيلا يستغلها اليابانيون فى أعمالهم الحربية .
ومدينة ( تاراكان ) هى أول مدينة احتلتها القوات المتحالفة من القوات اليابانية خلال معارك الشرق الأقصى التى أدت إلى انهيار اليابان في أغسطس عام ١٩٤٥ . وقد احتلتها القوات الأسترالية ثم سلمتها للقوات الهولندية التى كانت سائرة خلف القوات المتحدة ؛... ويظهر من هذا التسليم نية الدول الكبرى نحو استعمار الشرق واستعباده !... فهولندا التى انسحبت من أندونيسيا إثر نزول القوات اليابانية فيها ، لم يبق لها أية سلطة أو سيادة على أندونيسيا .
ولكن الاستعمار الغربى يحاول بقوة السلاح إعادة السلطة الهولندية إلى أندونيسيا ، لتحفظ له مركزه السياسى والاقتصادى ؛ وقد أثبتت الحوادث الكبرى التي حدثت فى أندونيسيا بعد إعلان استقلالها صحة هذا الرأى . فقد أيدت القوات المتحالفة الجيوش الهولندية فى احتلال بعض المدن الأندونيسية الكبرى وتثبيت أقدامها فى الجزائر الأندونيسية ، مما أدى إلى عرقلة نمو الحياة الأندونيسية الحديثة ، حياة الحرية والاستقلال . فحدثت الحوادث العسكرية وحرب العصابات بين القوتين - الأندونيسية والهولندية واستمرت الاضطرابات فى جميع أنحاء أندونيسيا خمس سنوات .
والمادة الثانية من المواد الهامة فى هذه الجزيرة هى الذهب . وتوجد فى جنوب الجزيرة مناجم الذهب وتستغلها الشركات الغربية . وتدرس الحكومة الأندونيسية الآن السياسة التى ستتبعها إزاء هذه الشركات الاحتكارية التى تسيطر على المرافق العامة فى أهم المدن الأندونيسية . والنية متجهة نحو تأميم الشركات والمصانع والمعامل التى تحتاج إليها الدولة فى أعمالها الحربية والمدنية ، وتعويض أصحابها نقدا ، كما ستوضع للشركات الأخرى نظم تحفظ حقوق المواطنين وأصحاب الشركات .
ذكرت آنفا أن الحياة الثقافية في جزيرة بورنيو لم تتقدم بعد . والسبب في ذلك هو السياسة الاستعمارية الرامية إلى بقاء الشعب بعيدا عن نور العلم . وقد ثبت فعلا أن بعض رجال التعليم الأندونيسين حاولوا إدخال التعليم الحديث فى هذه الجزيرة فوجدوا مناهضة من الحكومة الهولندية ، بدعوى إثارة الأفكار ضد سياستها ، وكانت هولندا تصرف على التعليم فى أندونيسيا جزءا بسيطا من ميزانية حكومة الهند الشرقية . وجل الواردات تعمر بها هولندا الأراضى الواطئة وجعلها مروجا خضراء...وقد أشار الدكتور سوكارنو حين بدأ جهاده السياسى إلى الأموال الطائلة التى تسحبها هولندا من أندونيسيا قائلا : " لو عملنا جسرا من ذهب من الأموال الأندونيسية التي سحبتها الحكومة الهولندية إلى هولندا من أندونيسيا ، حيث يبدأ الجسر من أندونيسيا إلى هولندا لكفي ١ ) ويبلغ عدد سكان هذه الجزيرة مليونى نسمة .

