في عام ١٩٣٨ زار السودان الأستاذ محمد عوض محمد في رحلة علمية . ولما كان الزائر الكريم معروفاً في السودان بكتاباته وتواليفه ، فقد هرع إلي لقائه عدد من السودانيين المثقفين في أحد منتديات الخرطوم . وجري الحديث في الأدب وعن الكتاب المصريين ، وجاء علي لسان الأستاذ أنه لو كان يعلم أن له قراء في السودان لكان ذلك من دواعي غبطته ، ومما يحفزه على الاستزادة في الانتاج والتجويد من أجل هؤلاء الذين يقرءون له . وقد سررنا نحن بهذه المجاملة وهذا التواضع الجم ، وشكرنا للأستاذ فضله ؛ ولكن بقى أن نقول للأستاذ ولزملائه من رجال الأدب في مصر : إن كتاباتهم يقرؤها الناس في السودان بشغف زائد ، ويتأثرون بها ويأخذونها مأخذ الجد ويعنون بها عناية صادقة . ولكن لعل هذه الحقيقة غير واضحة ، أو غير معروفة بمصر . وذلك راجع لقلة الكمية التي ترد إلي السودان من صحف أو كتب ، لأن عدد الذين تلقوا تعليماً يجعلهم يتذوقون الأدب ويتفهمونه قليل بالنسبة لعدد السكان . ولكن إذا أحصينا عدد القارئين والمنتسبين للحركة الفكرية بين هؤلاء لوجدناهم أغلبية بالقياس إلي أي قطر عربي آخر ، ولا أظنني مغالياً في ذلك ، إذ ليس للقارئ السوداني مثل اهتمام أخيه المصري بالكتابات السياسية التي تستنفد كثيرا من وقته وتفكيره .
وأكثر الجرائد المصرية انتشارا عندنا ، هي الثقافة والرسالة وآخر ساعة والأهرام والمصور . ولا يكاد يظهر كتاب جديد لكاتب مشهور حتى يسارع الأدباء إلي اقتنائه وجلبه من مكاتب القاهرة المشهورة . والناس هنا
يقرءون الكتب الأدبية فقط ، ولا يعنون بالأبحاث العلمية قدر عنايتهم بها ! وهذه الظاهرة تبدو في كل بلاد الشرق العربي ؛ وذلك لأن الاشتغال بالعلوم العقلية التي تخلو من أثر العاطفة دليل على النضج التام في الأمم ، والأحوال الاجتماعية في الشرق لم تصل إلي هذه المرحلة بعد . وسوف يجيء اليوم الذي نضطر فيه إلي توجيه الناس وإغرائهم بشتي الوسائل للاقبال علي المطالعات العلمية البحثة ، والعلوم الحديثة التي بواسطتها ترقى التجارة والصناعة والزراعة .
ولا يقرأ الأدباء في السودان إلا للأعلام في الأدب ، والفحول الذين استطاعوا أن يسيطروا علي دولة الأدب في ربع القرن الأخير . أما الذين دون هؤلاء فلا تصلنا كتاباتهم ؛ فللأستأذ العقاد مدرسة وتلاميذ ، كما للدكتور طه والأستاذ أحمد أمين معجبون وانصار وكذلك للزيات وهيكل وتوفيق الحكيم والمازني قارئون متأثرون بما ينتجون . ومن المؤرخين الأدباء : أبوحديد والخفيف وعنان ، ومن شعراء الشباب المهندس والدكتور ناجي ومحمود حسن اسماعيل ؛ وهذا علي سبيل التمثيل لا الحصر والاستقصاء . وفي السودان أيضاً قارئون متحمسون لأسلوب مجلة آخر ساعة في السياسة وللأستاذ مصطفي أمين معجبون بطريقته الفكهة , ينسجون على منوالها في احاديثهم ورسائلهم .
ولا يقف الأدباء عند حد القراءة والاستمتاع العقلي فقط . فهم يفكرون فيما يقرءونه ، ولهم في ذلك رأي ونقد وتعليق جدير بالعرض والتسجيل . وذلك لان الطباع سمحة والأذواق على فطرتـها العربية السليمة وثانياً لأنهم بعيدون عن كل تأثير خارجي من المؤثرات الخاصة ، كالإعجاب المبالغ فيه أو الحسد أو التشيع لكاتب دون رأيه . هذه المؤثرات قد يحسها القارئ المعاصر لهؤلاء الأدباء في القاهرة ، ولكن بعد المسافة
بين مصر والسودان ، قد قضى عليها ، واصبح الناس ينظرون إلي الأثر الأدبي نظراً مجرداً عن الهوي ، وكما يظهر لهم في الصحائف والكتب ، وكما أراده صاحبه أن يظهر للناس . فإذا جلست إلي جماعة من الخريجين يتحدثون عن احدث الكتب او عن البريد الأدبى من القاهرة ، فانك سوف تستمع إلي طائفة من الآراء والتعليقات لا يسعك إلا أن تعجب بها ، ولو حاولوا جمع هذه الملاحظات ونشرها في الصحف المصرية أسوة بغيرهم من ادباء البلاد العربية ، لوجدت العروبة فيهم خير معين ولقدموا للغة العربية والأدب العربي خدمة متواضعة نرجو ان تطرد مع الأيام ومع انتشار التعليم في السودان . كما نرجو أن تفسح المجلات المصرية صفحاتها للنابهين منهم ، وانا واثق انها ستجد في كتاباتهم الطريف الممتع ، وألواناً جديدة من التفكير لا بأس بها .
