دقت الساعة الخامسة بعد الظهر ، فقامت ليلى إلى غرفة المائدة تشرف على إعداد طعام الافطار . وأذن المؤذن أذان المغرب ، فاجتمعت الأسرة حول المائدة ؛ ومرت عشر دقائق لم يفه فيها أحد بكلمة ، فالكل يأكل بشراهة فائقة . وجاء الخادم بفطيرة صنعتها ليلى بنفسها ؛ ولما كان من المحتم أن تنتقد الأم كل ما تعمله ليلى ، حتى تتعلم لتصبح ربة بيت حقا ، قالت :
" هذه الفطيرة ليست كما يجب ياليلى! إن مقدار السكر فيها ناقص جدا " .
لم تنتبه ليلى إلى ما قالته أمها ، بل بقيت سابحة فى عالم آخر من الأحلام .
" ألم تسمعى ما قلته يا ليلى عن مقدار السكر ؟ إني انصحك لفائدتك ، فغدا سيكون لك بيت تديرينه بنفسك " .
ثم التفتت إلى زوجها رب الببت فقالت باسمة :
" كم أتمنى أن أرى ابنتى فى بيتها مع زوجها وأبنائها ، كم أود أن يكون زوجها شابا كاملا أتم الشباب وأحسنه "
ثم قالت وقد خفضت صوتها :
" كم أتمنى لو يتقدم شاب مثل محسن ابن الجيران لخطبة ليلى ، إنه شاب راق تبدو عليه مخائل الرجولة والكمال ! "
وسمعت ليلى هذه الهمسات فاحمر وجهها خجلا ، ولمعت عيناها ببريق عجيب ، والتفتت إلى شقيقتها الصغرى فوجدتها ترمقها بنظرة كلها استفهام وتعجب ، ثم صاحت الصغرى مصفقة ضاحكة ، وقد سمعت هى الأخرى همسات أمها :
- وهل تقدم محسن فعلا إلى ليلى يا أماه ؟ . فتبسمت الأم وداعبت ابنتها ضاحكة وقالت : - أيتها الشيطانة الصغيرة ! وقال الأب بغير مبالاة :
- محسن ؟ ما لهذا بنا ، وما شأنه معنا ؟ لسنا له ، وليس هو لنا يا بنية .
فأضافت الأم قائلة : " نعم . إنه ابن هذه الأسرة الغنية العريقة " .
ثم تنفست متأثرة فاندفعت ليلى عند ذلك قائلة فى ثورة عنيفة :
" ومن قال لكم إن محسنا يعجبنى ؟ إن منظره يبعث فى نفسى شعورا بالكراهية نحو كل الرجال لا نحوه فقط . ما أثقله وهو واقف أمام النافذة يربط رباط عنقه ، أو وهو ينظر فى المرآة كأنه مخلوق أرقى من سائر المخلوقات . لو لم
يدعون الأدب بغير رسالة تضطرب بها نفوسهم فتلك أرواح خلقت خطأ كما خلق أكثر الناس بغير سبب ولا مبرر ، إلا إتلاف الحياة على من يستحق الحياة ، وفى نفسى ذكرى أقصها على القارئ ولو أنه كان مكانى لما استطاع لها دفعا.
وذلك أنى رأيت بمسرح الأديون بباريس رواية لأبسن Ibsen هى رواية " بير جنت " "Pyr gynt " موضوعها خيالى استقاه المؤلف من أساطير البلاد الشمالية ، ووضع لبعض أجزائها الموسيقى "Greeg" ما زاد فى دلالتها من ألحان ، والذكرى التى علقت بنفسى منها هى ذكرى أحد أشخاصها الوهميين ، وقد سار على المسرح وبذراعه سلة وبيده الاخرى" مجراف " وقد أخذ يجرف من يلقاه من الناس الذين خلقوا خطأ يلقيهم بالسلة ليعود خلقهم من جديد رحمة بهم وبغيرهم ممن يشاركون فى صفة الانسانية .
كلما فكرت فى أمر الأدب أو الفن عندما عاودتنى تلك الذكرى ، وبودى أن لو ساقت هذا الرجل قدماه إلى بلادنا ، فما أشك أنه واجد ما يملأ أضعاف سلته .
فالأدب عندنا تزجية فراغ أو احتيال على العيش ، وفى هذا امتهان لحياتنا لا حد له ، وهو إن سعى إلى غاية ما جاءت غايته حقيرة مزرية ؛ فمن قائل إنه مرآة لحياة الجماعة او حياة الفرد ، ومن قائل إنه منبر وعظ وسبيل إرشاد ، ومن قائل إنه مصرى أو يجب ان يكون مصريا ، والكل يجمع على ضرورة تيسيره لكل الناس حتى نكسب من ورائه المال .
نعم أعلم أننا بوجه عام لم نزل فى حالة فطرية حيث تقاس الأشياء بما تعود به من نفع مادى او معنوى مباشر ، وأنه لا بد لنا من زمن حتى نصل إلى تقدير الحق والجمال فى ذاتهما ، فعندئذ سنصل إلى تقديس النفس البشرية ، فلا نعتدى على رسالتها ، بل نترك لها سبيل الخلود ما سعت إليه محتكمين إلى الزمن يذهب بما هو جفاء .
ولكن أمالنا أن نحاول بسط أجنحتنا ؟ وشباب هذه الأمة النبيل يتحفز نشاطا ، فما له لا يأخذ عدته ، فيبحث
وينقب عما نشير إليه مجرد إشارة يغنى بتفاصيله نفسه المتعطشة إلى الحق والجمال ؟
فرجاؤنا إلى الشاب اليقظ النفس أن يرجع إلى ما يشير إليه الكاتب الذى يحبه ، فيستوعبه ليرى أثره العام فى نفسه ، وليذكر مثل هذا الشاب " أن الثقافة الحقيقية هى ما يبقى فى النفس بعد أن ننسى كل ما حفظنا " , وهذه الثقافة هى ما نحاول أن نمده بها ، وإن يكن ذلك غير مغنيه عن التحصيل بنفسه من كتب البسط ، فمهمتنا ليست فى ذلك ، بل هى فيما هو أسمى بكثير ، وهو تعليمه كيف يجد نفسه ؛ وأما من يحاول غير ذلك فهو إما غير مخلص فيما يكتب أو جاهل بطبيعة الإنسان .
وسترى أيها الشاب عند محاولتك تكوين نفسك ان الأدب عسر لا يسر ، وما ينبغى ان يكون غير ذلك ؛ على أنك مجازى بغير ريب عن جهدك ، فسترى أمامك عوالم لم تحلم بها من قبل . وسيأتى يوم يخيل إليك فيه بمجرد نظرة أنك تشق الحجب فترى فى النفوس ما تكنه من جمال أو قبح ، كما سترى خلف الأشياء ما فيها من حق أو باطل ؛ وأى كسب يعدل كسبا كهذا ؟ وأى معنى للحياة بغير الفطنة إلى أسرارها وغاياتها ؟ .
لم يلبث النور إلا ثانية ثم زال كالبرق ، لا يكاد يلحق به البصر .
ارتمت ليلى على السرير بعد أن أعياها التعب ، تعب الوقوف والانتظار . أخذت تطلب المغفرة من ربها لأنها آذت محسنا أمام والديها . ولكن ما ذنبها ؟ لقد دفعوها إلى هذا دفعا . . وهى لابد أن تظهر أمام والديها بالكبرياء ؛ فما كان يليق بها أن تظهر الرغبة فى زواج محسن ولا أى شاب آخر .
مكثت ليلى سابحة فى عالم آخر ، وأخذت تتصور أن محسنا جاء لأبيها يخطبها ، وأن أباها سألها إن كانت تقبله زوجا ، وأنها طبعا بكت وولولت وصرخت أنها لا تريد أن تتزوج محسنا بالذات ، ثم تصورت أن أباها أكرهها على قبوله ، فقبلت وهى باكية فى الظاهر ، ومبتهجة فرحة فى قلبها . وهذا هو يوم زفافها . رأت نفسها وفى يدها خاتم من الماس الثمين ، وحولها صديقائها يرمقنها بعين الحسد ؛ وأفراد أسرته ، أسرة محسن العريقة الواسعة الثروة ، ها هى ذى أمه ترمقها بنظرات كلها نقد ؛ إن
( البقية على الصفحة التالية )
أمه ليست ظريفة جدا ، ولكن هذا طبيعى ، فهى ليست إلا حماتها ؛ وماذا يهمها إذا كانت والدة محسن ترمقها بنظرات حب أو كره ، ما دام محسن أصبح لها ، ولها فقط ؟ ما أجمل بيتهما الجديد ، وما أجمل سيارتهما الجديدة ! وما أجمل ! ... وما أجمل ! ...
وهكذا ظلت ليلى سابحة فى عالم من الأحلام حتى غلبها النعاس ، فراحت فى سبات عميق .
عادت الألغام إلى الظهور ، وامتلأ البحر مرة اخرى بهذا الموت العائم ! لقد كنت طوال الحرب الأخيرة أقود السفن ذهابا وجيئة وسط لجج مفعمة بالألغام ، وكان للحلفاء الغام مبثوثة ، فى وسطها طرق ومعابر تحرسها المدمرات ، وكانت المساحة الملغمة تبدو فى صورة موج هادئ برئ ، ومن تحته من المفرقعات ما يكفى لاغراق عشرة من أكبر الأساطيل وأعظمها : كان تحت الموج عشرات بل مئات من الألغام ، وليس فى مظهر الماء وشكله ما يسترشد به الربان الحائر ، وهو واقف على جسر سفينته المشحونة بأنواع الحبوب والمآكل ، يحدق فيما أمامه من الزبد الطافى واللج المائر ، فلا يهديه طرفه إلى شئ . وإذا صوت كصوت الرعد ، وبركان من الماء الثائر وفجوة واسعة الشدقين ، قد بدت فى جانب الباخرة ؛ وإذا الهلاك قد حل بسفينة عظيمة ، وحمولة من الطعام ثمينة ، ولئن أسعد الربان الحظ ، فقد يجد الوقت الكافى لانزال زوارق النجاة إلى الماء .
وفى الحرب الأخيرة قد فقد الحلفاء والمحايدون من السفن ماحمولته خمسة عشر مليون طن . أكثرها ذهب ضحية الألغام ، وكان المفقود فى المدة من مارس إلى يونيو سنة ١٩١٧ وحدها نحو مليونين ونصف مليون طن !
يزن اللغم المغمور (أى العائم تحت سطح الماء) نحو ثلاثمائة رطل ووزنه مع ثقالته نحو ١٤٠٠ رطل ، ويتصل بكل لغم أهداب دقيقة حساسة طويلة قد يبلغ طولها عشرين مترا طافية على صفحة الماء ، ويكفى أن تمس الباخرة أحد هذه

