الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 273الرجوع إلى "الثقافة"

صورة من قانصوه الغورى

Share

للسلطان الغوري صورة من أوضح صور التاريخ المصري وإن لم يكن هو من أعظم السلاطين قوة ومجدا . فلا نظن أنه قد تخلفت عن احد من عظماء مصر ، في القرون الوسطى ، اخبار مثل أخباره تكاد تطلعنا على كل دقائق حياته وعقليته .

هو رجل تقلب في وظائف الدولة صغيرها وكبيرها حتى آلت إليه السلطنة أخيرا في عصر مضطرب تكتنفه السحب السوداء من كل جانب ، وتهدده الأخطار والكوارث في الداخل ، ومن الخارج ؛ ومع ذلك فقد كان شيخا نيف على الستين عندما وقع عليه اختيار الأمراء الذين كانت أطماعهم لا تعرف حدا . ولا نكاد نشك في أن هؤلاء الأمراء ما اختاروه إلا لأنهم كانوا يكرهون أن يفوز بالسلطنة واحد آخر من بينهم . كان التنافس على أشده بين الذين كانت الحياة لا تزال فسيحة أمامهم ، وكان كل منهم يخشى أن يفوز أحد أقرانه بالسيادة العليا فيحجبها عن الآخرين سنين طويلة ؛ فآثروا أن يقطعوا العقدة قطعا ويؤجلوا النضال فيما بينهم مدة حياة قانصوه الغوري ، وما كانت الحياة لشيخ في الستين لتمتد في أغلب الظن إلي أكثر من سنة أو سنوات معدودة . ولا شك أن كلا منهم كان يدبر في نفسه خطته التي يمهد بها السبيل لنفسه إلي ملك مصر ، بعد أن يشيعوا ذلك الشيخ إلى قبره بعد حين قصير .

ولكن للمقادير سخرية معروفة ، وقد أبت إلا أن تمتد حياة هذا الشيخ إلي آخر أيام السلطنة المصرية كلها

كان للغوري نصيران قويان بين الأمراء تعصبا له ودبرا له الأمر حتى رفعاه إلى العرش وهما : قيت الرجبي ومصر باي . ولم يكن هو مرتاحا إلي هذا الشرف الذي دفع إليه دفعا ؛ لأنه كان يعرف حقائق الأمور ويعرف ما أمامه

من صعاب وعقبات وأخطار ، ولقد تردد طويلا حتي قيل إنه كان يبكي وهم يلبسونه شعار السلطنة : الجبة البنفسجية والعمامة السوداء وأكبر الظن أنه كان لا يزال جاهما محمر العينين من أثر البكاء عندما ركب الفرس الأصيل بما عليه من سرج مذهب وزخارف وزينة . وأكبر الظن ان قلبه كان ثقيلا عندما تقدم الأمير قميت الرجبي فحمل  فوق رأسه المظلة التاريخية التي تعلوها صورة الطير الفضية ، ثم عندما سار في موكبه العظيم من باب السلسلة في القلعة إلي باب القصر الكبير الذي جلس فيه على سرير الملك لأول مرة .

ولكن ذلك الشيخ لم يكن بالفاني ولا بالواني ؛ فإنه احتال في الحكم احتيالا رائعا تمكن به من مقابلة الصعاب وتذليل العقبات واحدة بعد واحدة . لم يعجزه تدبير الأموال للخزينة الخاوية ، فما لبث أن جمع الأموال العظيمة بطرق بلغت من العنف مبلغا لم يسبقه إليه احد من قبله ، ثم لم يلبث ان احس الادلال من نصيريه الكبيرين الأميرين قيت الرجبي ومصرباي ، فلم يتردد في شيء حيالهما وقبض على مصر باي بعد ثلاثة أشهر من سلطنته وسجنه حينا حتى هرب وثار به  بعد قليل فقتله ، ثم قبض على صاحبه الآخر قيت الرجبي بعد ذلك بأشهر وبعث به إلى سجنه بالإسكندرية

ثم انطلق في الحكم بعد ذلك انطلاقا .

كان الغوري يعرف كيف يتودد ثم كيف يضرب كان يجلس مع الأمراء والأعيان والعلماء في قصره فيسمرون ويتناقلون الاحاديث بين فكهة وجادة ، وكان ينزل إلي المدينة لتشييع جنازات الامراء والأعيان ، وكان يكثر من الولائم فيمد سماطه في أطراف المدينة وبساتين  الضواحي ويدعو إليه الجموع من الأمراء والأصدقاء ، ولكنه كان يعذب من يوقع بهم عقابا وحشيا فيختار لذلك من يثق في تفننه وإبداعه في ابتكار الات التعذيب ،

واختيار أوجع صنوف العقوبة مثل عصر الكعوب ودق القصب في اطراف الأصابع ؛ وسوي ذلك من مبتكرات الخيال القاسي . وكان مع كبر سنه محبا لفنون الرياضة ، فكلما اقبل الصيف لبس الثياب البيضاء منذ شهر بشنس القبطي ) مايو ( وافتتح موسم لعب الكرة بالصولجان فوق ظهور الخيل ، ويوالي بعد ذلك اقامة المهرجانات الرياضية مدة ثلاثة شهور ، وكانت هذه المهرجانات من احب المناظر إلي الناس حتى ان شاعرا من شعراء العصر تغني في  الإعجاب بلعبة الكرة فقال فيها :

يا حسنها كرة كالنجم سائرة       قد طال تردادها بين الجواكين

تفرق الهم إذ كانت مؤلفة         بين القلوب بآلاء السلاطين

لجبرهم لقلوب الجند إذ لعبوا      مع الملوك وهم بعض المساكين

ولم يقتصر حبه للرياضة على لعبة الكرة ، بل كان يحسن السباحة وينزل إلي النيل في يوم وفاء النيل فيسبح عند المقياس حينا ثم يضمخ عمود المقياس بالخلوق على العادة القديمة ، كما كان يجب سائر أنواع المباهج العامة ، فأحيا منها ما درس ومن ذلك ( الرماحة )، وفيها كان الفرسان يتسابقون ويطعن اللاحق منهم السابق إذا ادركه . واعاد موكب المحمل واحتفل به  احتفالا عظيما ، وأمر ( الرماحة ) ان يعرضوا العابهم على الناس فيه ، فاهتزت القاهرة كلها فرحا وخرج الناس إلي طرقها يرقصون ويغنون

بيع اللحاف والطراحه             حتى أري دي الرماحه

بيع لي لحافي ذي المخمل          حتي أري شكل المحمل

ولما اطمأن له الملك أقبل على البناء والتأنق في المجالس والمواكب ؛ فلم يكد يخلو عام في حكمه من عمارة قصر أو  مسجد او بستان وكان لا يبالي ما ينفقه في سبيل ذلك حتى كان يحمل اشجار الفاكهة واصص الريحان والزهر من بلاد الشام وغيرها لكي يزرعها في الحدائق والميادين .

وكان ينفق في سبيل ذلك أموالا لا يتحري مواردها ، حتى أحس أهل القاهرة ثقل وطأته ، ولكنهم كانوا بغير شك لا يكرهونه ، فكانوا يجتمعون حول مواكبه ويحبونه بما عرف عن أهل هذه العاصمة من محبة الملوك ، ولم يجرؤوا على انتقاد وسائله الشديدة إلا بطريقتهم المحبوبة منذ القدم ، اقصد طريقتهم في الفكاهة وإثارة الضحك . ومن ذلك انه بني مسجده الجميل الذي أعده ليكون مدرسة ولا يزال قائما إلي اليوم في الطريق الذاهب إلي الأزهر إذا قاطع الطريق الأعظم القديم من مدينة القاهرة . وقد أفتن فيه السلطان وانفق عليه وفرح فرحا عظيما عندما اتمه واحتفل بافتتاحه احتفالا باهرا ، ولكن اهل القاهرة أطلقوا على ذلك المسجد اسم ( المسجد الحرام ) ، فجمعوا في هذا اللفظ بين العطف والنقد جمعا لا يوفق إليه كثير من الشعوب إذا أرادت انتقادا

ولم يكن السلطان الغوري ممن يحتجبون وراء رسوم المكان السامى الذي يستوي عليه ، بل كان ينغمس في غمار شعبه فنكاد نسمع صوته من ثنايا الاخبار المختلفة عنه ، وهو تارة يتبسط في تجمل وعطف وتارة بتجهم في صخب وعنف : مرض مرة بعينيه من اثر التهاب واسترخاء في جفنيه حتي لم يجد الأطباء الكحالون من دواء له سوى ان يقطعوا طرفا منهما ، فجزع من ذلك جزعا شديدا ولانت نفسه وهانت عنده الدنيا ، فأقبل على الخيرات والإحسان ومنع الاذي عن الناس ، وخفف من اعباء الضرائب عليهم ، وبالغ في الرقة حتى مرض المسجونين وأطلق من طال عليهم الامد في ظلمات القلاع وسراديب السجون فانطلقت الألسنة بالدعاء له والتوجه إلى الله ان يمن عليه بالشفاء . ولكن جفنيه ماكادا يعودان إلى ما كانا عليه حتى عاد كل شئ آخر إلى ما كان عليه

وكان في مصر شاعر اسمه السلاموني وكان رجلا هجاء فهجا بعض الاعيان هجاء فاحشا فشكاه الهجو إلي

بعض القضاة فعزر القاضي الشاعر وأدبه وشهره علي حمار وهو مكشوف الرأس جزاء له على قبح هجائه . وكان السلطان الغوري يميل إلى ذلك الشاعر ، اذ كانت له في محبته للأدباء بدوات ونزوات ، فغضب لما اصاب السلاموني من الألم وعاقب من أوصل الأذي اليه ثم لاطفه وأحسن اليه فتشجع الشاعر وهجا القاضي الذي عزره وكان هجاؤه على عادته قبيحا فقال فيه قصيدة طويله مطلعها

فشا الزور في مصر وفي جنباتها              ولم لا وعبد البر قاضى قضاتها

فأحرج السلطان في هذا الأمر إحراجا شديدا ولم يستطع إلا أن يرضي القاضي بعد ان قامت البينة على أن الشاعر هو الذي ألف القصيدة ، فقيد السلموني في الحديد وأرسله إلى السجن حينا حتى هدأت النفوس ثم افرج عنه .

ولعل الغوري كان يسر شيئا من الرضا عن هجاء الشاعر للقاضى ؛ فقد كان يضمر لمشايخ عصره شيئا كثيرا من الكراهة . ولا يدري ما الذي حمله على هذه الكراهة ، ولكنا نسمع صوته صاخبا يندد بهم  ويذيع عنهم قلة السوء ، حتى أنه عزل القضاة الكبار الأربعة في يوم واحد علي اثر حادثة من الحوادث الشنيعة التي ارتجت لها القاهرة ، وكان

فيها السلطان عنيفا في مهاجمة الشيوخ ، وقضت العاصمة خمسة أيام ليس فيها قضاة في المذاهب الأربعة جميعا . وقد بلغ من غضبه عند ذلك وسوء ظنه أن دعا والي المدينة ( وهو رئيس  شرطتها ) وقال له :  كل من وجدته من الفقه ، وهو سكران فاقبض عليه وأنا البسك ( خلعة ) كاملة محملة بسمور وأركبك فرسا بكنبوش فكان هذا تحريضا منه علي التعرض للمشايخ وإيقاع الأذي بهم . ولا شك في أنه كان مغاليا في سوء ظنه ؛ فما عرف الناس عن علماء مصر في كل العصور الا الخير . وقد بلغ من حنقه على العلماء أن أصحاب العمائم من الموظفين كانوا في أثناء غضب السلطان لا يدخلون عليه إلا إذا خلعوا عمائمهم ولبسوا بدلها القلانس الخفيفة أو ما يشبهها من أغطية الرأس . وقد دخل عليه بعض كبار الموظفين المعممين في يوم من تلك الآيام لابسين ( تخفيفة) فوق رؤسهم فضحك السلطان وقال لأحدهم : " بقيت مثل المماليك الجراكسة " . ولكنه لم يلبث أن رضي عن المشايخ بعد أن زال سبب غضبه عليهم وأعاد تعيين القضاة الأربعة ومر الإعصار في سلام .

البنسلين

لا ينقضي العجب من هذا الدواء السحري " البنسلين " . فقد أشير أخيرا في تقرير صدر عن هيئة من اطباء الصحة العمومية بالولايات المتحدة إلى أن هذا الدواء نجح في علاج الزهري في ثمانية أيام .

فقد عولج أربعة من المصابين بالزهري بهذا العلاج وبعد ثمانية أيام ظهر أنهم جميعا قد شفوا تماما ، وإن كان الأمر يقتضي وضعهم تحت الملاحظة المستمرة لمدة لا تقل عن سنة قبل أن يعتبر شفاؤهم نهائيا

والمزية الكبرى لعلاج الزهري بالبنسلين التي يفضل بها غيره من العقاقير المستعملة قبل اليوم أنه ليس له آثار تسميمة . فمركبات الزرنيخ التي تستعمل الآن في علاج الزهري لها في بعض المرضي ردود فعل  ظاهرية ، منها ما هو هين ومنها ما هو خطير ، أما البنسلين فهو أول عقار غير سام يستعمل في علاج هذا المرض .

ومجموع ما يعطي المريض في مدة العلاج . . ١٢٠٠٠ وحدة من البنسلين تحقن في العضل . ويحتاط كاتبو التقرير فيقررون أن الأمر يقتضي تجربة مئات من الحالات وملاحظتها قبل الجزم باعتبار البنسلين شفاء قاطعا للزهري .

اشترك في نشرتنا البريدية