من الأساطير الشرقية المأثورة أسطورة بارعة ترسم لنا صورة خلابة فى مظهرها عميقة فى مغزاها وهى جديرة بأن يرجع إليها الإنسان من حين إلى حين ليستمتع بحسن سبكها وليتدبر عمق معناها فإن كاتبها قد وفق فيها إلى التعبير عن معنى من أقوى معانى الحياة ولست أحب أن أتعجل الكلام على المغزى قبل أن أعرض للقصة ذاتها فلأ بدأ بسردها ثم أعود إليها لأفك مع القارئ رموزها أو لأترجمها كما ذكرت فى عنوان هذه الكلمة
زعموا أن مسافرا كان يقطع بيداء مقفرة فبرز له من خلفه وحش كاسر جعل المسافر يندفع فى طريقه قدما لا يدري إلى أية غاية يسير لأن فكره لم يكن مشغولا إلا بالتماس الوسيلة للفرار من هذا الوحش فظل يضرب
فى البيداء إلى أن وقع في جب كان فى الطريق فهجم الوحش من فوقه على حافة الجب وبذلك سد عليه طريق الخلاص من هذه الناحية وعرف الرجل أنه لن يستطيع بعد وقوعه فى الجب أن يعود من حيث أتى وأن هذا الوحش الضارى قد وقف حائلا بينه وبين التطلع إلى الوراء فتطلع إلى جوف الجب ليرى أين يكون موضع قدميه فى خطواته التالية فرأى أفعى هائلة قد فتحت من تحته فكيها تتأهب لابتلاعه فظل معلقا وسط الجب بين الوحش الذى من فوقه والأفعى التى من تحته وبين شقى هذه المحنة المفاجئة وفى هذا الوضع الغريب الذى رمته فيه المقادير لمح الرجل غصنا نبت بين بعض اللبنات القائمة فى جدار الجب فتعلق به واستروح لحظة ظن فيها أنه نجا من الهلاك الذي حاق به ولكن يديه ما لبثتا أن تراختا وأدرك أنه مستسلم حتما بعد قليل أو كثير إلى ذينك الفكين القويين اللذين ما يزالان ينتظرانه فى قاع
الجب فازداد تشبثه بالغصن واحتضانه له وبينما هو على هذه الحال التى صار اليها إذا به يرى فأرين دائبين حول الغصن لا ينفكان يقرضانه من جذوره وكان أحد الفأرين أبيض اللون والثانى أسود فعجب من أمرهما وعرف أنه لم يعد يغنى عنه تعلقه بهذا الغصن شيئا وأنه أصبح محكوما عليه بالفناء السريع المحقق وأنه لامفر له من الوقوع وشيكا فى قرارة الجب لتلتهمه تلك الأفعى الكريهة التى وقعت عليها عينه منذ زلت قدمه وهو يحاول الفرار من ذلك الوحش الذى كان يطارده وفيما هو يتخبط فى ورطته تلك إذ استرعت انتباهه قطرات من العسل تتلألأ على بعض أوراق الغصن فمد إليها لسانه ليلعقها به ولكن الفأرين الذين لم ينبا فى القيام بعملهما حول أصل الغصن كانا قد وصلا به إلى غايته المحتومة فانكسر وهوى الرجل إلى ذلك الفم المفتوح الذى كان لا بد له أن يصير إليه
تلك هى الأسطورة القديمة كما يرويها الرواة أما المعنى الذى أريد بها أن تدل عليه فهو تصوير حال الإنسان منذ دخوله إلى هذه الدنيا لحين خروجه منها فالوحش الكاسر رمز للأزل ذلك الأول المجهول الذى لا يعرف الانسان متى بدأ ولا كيف بدأ والذى لا يزال يتمخض عن أولئك المسافرين التائهين فى بيداء الحياة الضاربين فى فيافيها الذين لا يعرفون من أين جاءوا ولا يدركون إلى أى مصير هم سائرون الذين يكدحون فى الأرض وهم يحسبون أنهم فيها مخلدون فإذا الهاوية تحت أقدامهم وإذا هم فيها متردون
والجب رمز لتلك الحقبة الصغيرة التى يمر فيها الانسان من الأزل إلى الأبد من الأول المجهول إلى الآخر المجهول كذلك وقد تفنن الناس فى وضع الرموز لتلك الفترة فقال بعضهم إنها حلم بين نومتين عميقتين وقال بعضهم إنها جسر بين بداية لا يعرف لها أول ونهاية لا يعرف لها آخر وإنها برزخ بين عالمين خفيت أسرارهما على كل بصيرة وعلى كل عين
والغصن رمز للحياة التى يتعلق الحى بأسبابها وهو مدلى بين الفم الذى لفظه والفم الذى يتهيأ لالتقامه بين الرحم الذى يدفعه والقبر الذي يبلعه والناس على جهلهم بأولهم وبآخرهم تراهم لا يطمئنون إلى نشأة ولا إلى مصير ويقولون رب شر فى الجوالق ولا يقولون وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ولا يثقون إلا بالواقع الذى هم فيه فتراهم عليه حريصين وبه متشبثين
والفأران اللذان يدوران حول الغصن يقرضانه هما الليل والنهار وهما الآيتان اللتان تنقضان بدوام كرهما غزل الزمان واللتان تمحوان رويدا رويدا كل ما هو كائن وكل ما قد كان واللتان لا يرجى مع تداولهما بقاء لأى شئ
أما قطرات العسل فهى رمز لما قد يصادف الإنسان فى دنياه من متاع عارض ونعيم زائل والقصة وإن كانت لم تزد على أن تذ كر أن المسافر مد لسانه ليصيب به من تلك القطرات دون أن تبين إن كان قد أساغها أو لم يسغها إلا أن الناس فى نظر بعض الفلاسفة ينقسمون فى موقفهم من هذا المتاع إلى أربعة أقسام
القسم الأول هم فريق الجهال الذين لا يفكرون فى أولهم ولا فى آخرهم والذين يأخذون الحياة كما هى فإذا ما تعلقوا بغصنها لم يلتفتوا إلى ما فى أصل الغصن من عوامل الفناء ولم يفطنوا إلى ما جئم من فوقهم ولا إلى ما ربض من تحتهم وعاشوا فى لهو عن حقيقة موقفهم يشغلون أنفسهم بما هم فيه من ضيق وهم معلقون بين السماء والأرض فإن أصابوا شيئا من قطرات العسل فرحوا به وظلوا يترقبون المزيد منه حتى يفجأهم الموت فيضع حدا لغفلتهم وعدم انتباههم
والقسم الثاني هم فريق الأبيقوريين الذين يعلمون أن لا رجاء فى هذه الحياة الدنيا وأنها فرصة سانحة وسحابة عابرة وأن الساعة آتية لا ريب فيها ولكنهم مع ذلك يرون من الحماقة أن يشغلوا أنفسهم بهذه الخاتمة المحتومة ولذلك فإنهم يقبلون على متع الدنيا ولذائذها فينعمون بها
ويتقلبون فى أعطافها ويعتصرون كل ما فيها ويتغافلون عن مستقبلهم بحاضرهم ويشيحون بوجوههم كلما لاح لهم شبح من أشباح الفناء التى تطل عليهم من فوقهم وترنو إليهم من تحتهم لينغمسوا فيما هم فيه وليتفننوا فى استنباط المزيد من هذه المتع حتى تأتى النهاية التي لا مصرف لأحد عنها فيذهبون إلى حيث ذهب الأوائل وإلى حيث يذهب الأواخر
والقسم الثالث هم فريق المتشائمين الذين لا يرون فى الحياة إلا أنها شر محض وعبث محض وأن الموت خير منها وأن من هوان النفس أن يتشاغل الإنسان بقطرات من العسل عن ذلك الأول المبهم وعن هذا الآخر المظلم عن الوحش الرابض فوق الجب وعن الأفعى المقيمة فى قاعه عن الغصن الضعيف الذى يتعلقون به وعن الفأرين الدائيين فى قرض منبته فيدركون سخف النكتة التى يسخر القدر بها منهم ويعملون بأنفسهم على الخلاص من هذا المأزق بالوثوب عمدا فى فم الأفعى والإرتماء بين فكيها
والقسم الرابع هم الذين يرون حقيقة الموقف لا يلهيهم جهل الفريق الأول عما يحيط بهم من عوامل الفناء ويرون قطرات العسل ولكنهم لا يستسيغون طعمها كما يفعل أهل الفريق الثاني ما داموا يرون ما يتربص بهم من فوقهم ومن أسفل منهم وهم يتشبثون بغصن الحياة على عكس ما يفعل أهل الفريق الثالث مع علمهم بأن أمرهم صائر حتما إلى زوال قريب وإلى فناء محقق
ومن حق القارئ بعد هذا البيان أن ينظر إلى هذه الأقسام ليعرف أين هو منها فإن كان لا يجد لنفسه مكانا فى واحد بعينه من هذه الألوان فليبحث فى أيها يستطيع أن يتعرف على بعض نفسه ثم لينظر فى هذه الطوائف من الناس وليحكم على أسلوب كل واحد منهم فى الحياة ليعرف أيهم الشقى وأيهم السعيد ثم ليعدل فى موقفه إن كان فى حاجة إلى تعديل ليكون قد أفاد من خبرة الأولين حكمة ومن دراسة نفسه علما ومن معرفة الناس سعادة
