الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 418 الرجوع إلى "الثقافة"

صورة وترجمتها

Share

من الأساطير الشرقية المأثورة أسطورة بارعة ترسم لنا صورة خلابة فى مظهرها عميقة فى مغزاها وهى جديرة بأن يرجع إليها الإنسان من حين إلى حين ليستمتع بحسن سبكها وليتدبر عمق معناها فإن كاتبها قد وفق فيها إلى التعبير عن معنى من أقوى معانى الحياة ولست أحب أن أتعجل الكلام على المغزى قبل أن أعرض للقصة ذاتها فلأ بدأ بسردها ثم أعود إليها لأفك مع القارئ رموزها أو لأترجمها كما ذكرت فى عنوان هذه الكلمة

زعموا أن مسافرا كان يقطع بيداء مقفرة فبرز له من خلفه وحش كاسر جعل المسافر يندفع فى طريقه قدما لا يدري إلى أية غاية يسير لأن فكره لم يكن مشغولا إلا بالتماس الوسيلة للفرار من هذا الوحش فظل يضرب

فى البيداء إلى أن وقع في جب كان فى الطريق فهجم الوحش من فوقه على حافة الجب وبذلك سد عليه طريق الخلاص من هذه الناحية وعرف الرجل أنه لن يستطيع بعد وقوعه فى الجب أن يعود من حيث أتى وأن هذا الوحش الضارى قد وقف حائلا بينه وبين التطلع إلى الوراء فتطلع إلى جوف الجب ليرى أين يكون موضع قدميه فى خطواته التالية فرأى أفعى هائلة قد فتحت من تحته فكيها تتأهب لابتلاعه فظل معلقا وسط الجب بين الوحش الذى من فوقه والأفعى التى من تحته وبين شقى هذه المحنة المفاجئة وفى هذا الوضع الغريب الذى رمته فيه المقادير لمح الرجل غصنا نبت بين بعض اللبنات القائمة فى جدار الجب فتعلق به واستروح لحظة ظن فيها أنه نجا من الهلاك الذي حاق به  ولكن يديه ما لبثتا أن تراختا وأدرك أنه مستسلم حتما بعد قليل أو كثير إلى ذينك الفكين القويين اللذين ما يزالان ينتظرانه فى قاع

الجب فازداد تشبثه بالغصن واحتضانه له وبينما هو على هذه الحال التى صار اليها إذا به يرى فأرين دائبين حول الغصن لا ينفكان يقرضانه من جذوره وكان أحد الفأرين أبيض اللون والثانى أسود فعجب من أمرهما وعرف أنه لم يعد يغنى عنه تعلقه بهذا الغصن شيئا وأنه أصبح محكوما عليه بالفناء السريع المحقق وأنه لامفر له من الوقوع وشيكا فى قرارة الجب لتلتهمه تلك الأفعى الكريهة التى وقعت عليها عينه منذ زلت قدمه وهو يحاول الفرار من ذلك الوحش الذى كان يطارده وفيما هو يتخبط فى ورطته تلك إذ استرعت انتباهه قطرات من العسل تتلألأ على بعض أوراق الغصن فمد إليها لسانه ليلعقها به ولكن الفأرين الذين لم ينبا فى القيام بعملهما حول أصل الغصن كانا قد وصلا به إلى غايته المحتومة فانكسر وهوى الرجل إلى ذلك الفم المفتوح الذى كان لا بد له أن يصير إليه

تلك هى الأسطورة القديمة كما يرويها الرواة أما المعنى الذى أريد بها أن تدل عليه فهو تصوير حال الإنسان منذ دخوله إلى هذه الدنيا لحين خروجه منها فالوحش الكاسر رمز للأزل ذلك الأول المجهول الذى لا يعرف الانسان متى بدأ ولا كيف بدأ والذى لا يزال يتمخض عن أولئك المسافرين التائهين فى بيداء الحياة الضاربين فى فيافيها الذين لا يعرفون من أين جاءوا ولا يدركون إلى أى مصير هم سائرون الذين يكدحون فى الأرض وهم يحسبون أنهم فيها مخلدون فإذا الهاوية تحت أقدامهم وإذا هم فيها متردون

والجب رمز لتلك الحقبة الصغيرة التى يمر فيها الانسان من الأزل إلى الأبد من الأول المجهول إلى الآخر المجهول كذلك وقد تفنن الناس فى وضع الرموز لتلك الفترة فقال بعضهم إنها حلم بين نومتين عميقتين وقال بعضهم إنها جسر بين بداية لا يعرف لها أول ونهاية لا يعرف لها آخر وإنها برزخ بين عالمين خفيت أسرارهما على كل بصيرة وعلى كل عين

والغصن رمز للحياة التى يتعلق الحى بأسبابها وهو مدلى بين الفم الذى لفظه والفم الذى يتهيأ لالتقامه بين الرحم الذى يدفعه والقبر الذي يبلعه والناس على جهلهم بأولهم وبآخرهم تراهم لا يطمئنون إلى نشأة ولا إلى مصير ويقولون رب شر فى الجوالق ولا يقولون وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ولا يثقون إلا بالواقع الذى هم فيه فتراهم عليه حريصين وبه متشبثين

والفأران اللذان يدوران حول الغصن يقرضانه هما الليل والنهار وهما الآيتان اللتان تنقضان بدوام كرهما غزل الزمان واللتان تمحوان رويدا رويدا كل ما هو كائن وكل ما قد كان واللتان لا يرجى مع تداولهما بقاء لأى شئ

أما قطرات العسل فهى رمز لما قد يصادف الإنسان فى دنياه من متاع عارض ونعيم زائل والقصة وإن كانت لم تزد على أن تذ كر أن المسافر مد لسانه ليصيب به من تلك القطرات دون أن تبين إن كان قد أساغها أو لم يسغها إلا أن الناس فى نظر بعض الفلاسفة ينقسمون فى موقفهم من هذا المتاع إلى أربعة أقسام

القسم الأول هم فريق الجهال الذين لا يفكرون فى أولهم ولا فى آخرهم والذين يأخذون الحياة كما هى  فإذا ما تعلقوا بغصنها لم يلتفتوا إلى ما فى أصل الغصن من عوامل الفناء ولم يفطنوا إلى ما جئم من فوقهم ولا إلى ما ربض من تحتهم  وعاشوا فى لهو عن حقيقة موقفهم يشغلون أنفسهم بما هم فيه من ضيق وهم معلقون بين السماء والأرض فإن أصابوا شيئا من قطرات العسل فرحوا به وظلوا يترقبون المزيد منه حتى يفجأهم الموت فيضع حدا لغفلتهم وعدم انتباههم

والقسم الثاني هم فريق الأبيقوريين الذين يعلمون أن لا رجاء فى هذه الحياة الدنيا وأنها فرصة سانحة وسحابة عابرة وأن الساعة آتية لا ريب فيها ولكنهم مع ذلك يرون من الحماقة أن يشغلوا أنفسهم بهذه الخاتمة المحتومة ولذلك فإنهم يقبلون على متع الدنيا ولذائذها فينعمون بها

ويتقلبون فى أعطافها ويعتصرون كل ما فيها ويتغافلون عن مستقبلهم بحاضرهم ويشيحون بوجوههم كلما لاح لهم شبح من أشباح الفناء التى تطل عليهم من فوقهم وترنو إليهم من تحتهم لينغمسوا فيما هم فيه وليتفننوا فى استنباط المزيد من هذه المتع حتى تأتى النهاية التي لا مصرف لأحد عنها فيذهبون إلى حيث ذهب الأوائل وإلى حيث يذهب الأواخر

والقسم الثالث هم فريق المتشائمين الذين لا يرون فى الحياة إلا أنها شر محض وعبث محض وأن الموت خير منها وأن من هوان النفس أن يتشاغل الإنسان بقطرات من العسل عن ذلك الأول المبهم وعن هذا الآخر المظلم عن الوحش الرابض فوق الجب وعن الأفعى المقيمة فى قاعه عن الغصن الضعيف الذى يتعلقون به  وعن الفأرين الدائيين فى قرض منبته فيدركون سخف النكتة التى يسخر القدر بها منهم ويعملون بأنفسهم على الخلاص من هذا المأزق بالوثوب عمدا فى فم الأفعى والإرتماء بين فكيها

والقسم الرابع هم الذين يرون حقيقة الموقف لا يلهيهم جهل الفريق الأول عما يحيط بهم من عوامل الفناء ويرون قطرات العسل ولكنهم لا يستسيغون طعمها  كما يفعل أهل الفريق الثاني ما داموا يرون ما يتربص بهم من فوقهم ومن أسفل منهم وهم يتشبثون بغصن الحياة على عكس ما يفعل أهل الفريق الثالث مع علمهم بأن أمرهم صائر حتما إلى زوال قريب وإلى فناء محقق

ومن حق القارئ بعد هذا البيان أن ينظر إلى هذه الأقسام ليعرف أين هو منها فإن كان لا يجد لنفسه مكانا فى واحد بعينه من هذه الألوان فليبحث فى أيها يستطيع أن يتعرف على بعض نفسه ثم لينظر فى هذه الطوائف من الناس وليحكم على أسلوب كل واحد منهم فى الحياة ليعرف أيهم الشقى وأيهم السعيد ثم ليعدل فى موقفه إن كان فى حاجة إلى تعديل ليكون قد أفاد من خبرة الأولين حكمة ومن دراسة نفسه علما ومن معرفة الناس سعادة

اشترك في نشرتنا البريدية