الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الثقافة"

صورة

Share

ذهب الشاب ، ولم أجرة على إخباره بنبأ خطيبته ومضت الأيام . وجاء الميعاد ، وحضرت الفتاة فاستقبلتها متجهما . فأدركت العلة وابتسمت :

- نعم لقد كذبت عليك كثيرا . فقلت لها في شيء من الجفاء : - ليس يهمني الآن كذبك علي ، إنما المهم هذا الموقف الذي وضعتني فيه .

فقطبت جبينها : - أي موقف فقلت : - لماذا كذبت على خطيبك أيضا ؟ لذا أخفيت عنه أمر زياراتك لي ؟ فضحكت ضحك الطفلة المدللة ، المزهوة بعبثها ، غير الحافلة بذنوبها :

- لست أدري . لقد نسيت أن أذكر لك أني إلي جانب شغفي " بالتنيس " و " السينما" و " السباق " . أحب كذلك أحيانا : " الكذب "

فحملقت فيها دهشا : - سبحان الله : أهو أيضا قد أصبح فرعا من فروع إلى " سيور " ؟ !

فابتسمت وقالت :    - نعم ، إن مهمتك في هدايتي شاقة كما تري : فلم ابتسم . ولم تتفرج أساريري . ولم يغادر وجهي ظل القلق القاتم . ولم أستطع أن أبرر أمام ضميري هذا الموقف الغامض . فقلت مطرة كاتخاطب لنفسي :

- وبعد ؟ ما العمل ؟ فقالت الفتاة ساخرة : - بالهول الخطب ! ويا لفداحة المصبية ؛ إن هذه الأكدوبة من غير شك جريمة لن تغتفر!

فقلت لها مؤنبا :   - أتسخرين أيضا ؟ فقالت : - أرجو المعذرة . إنى أراك مهموما لغير أمر يستوجب الهم ! كنت أحسبك مثلي لا تري في الحياة شيئا يحمل على الاكتئاب !

فقلت لها : - هنيئا لك هذه النفس التي تري الحياة من خلال مضرب " التنيس " : فقالت باسمة :  - إني أراها أكذوبة ظريفة وألعوبة لطيفة !

فقلت لها وكأني أناجي نفسي :   - ليس لي مع الأسف الحق أن أراها كذلك .  ّإنما حقيقة واقعة ، وواجب محتوم ، وعبء ثقيل ، كتب على أن أحمله فوق منكبي حتي تخرج أنفاسي !

فقالت وهي تنظر إلى كتبى وورقي ومكتبي الغارق في ظلام المكان : نعم ، إن حياتك حجر ملقي علي ظهرك أمرت

إن تسير به إلي آخر المرحلة ! لكن ... لماذا أنت تراها كذلك ؟ !

فقلت مفكرا :   - لست أدري ، ولقد طيتها أنت : إني أمرت أن أسير هكذا . وهل أملك أنا حرية النظر ! إنك قد خلقت لتعيشي حياتك . وأنا قد خلقت لأعيش حياة فكرة ، فأنا لست أري الشمس والهوا ، ولكني أري الفكرة التى تحرك وجودي كما تحرك اليد القفاز . هكذا أراد لنا القدر . ما أنت له به إلا كرة من كرات " التنيس " ، يقذف بها في الفضاء . فأنت حرة حرية هذه الكرة . أما أنا "فمضرب" في يده ، مسخر لغابته ، حبيس في كفه ، لا يطلقني منها حتى ينتهي اللعب !

فقالت على مهل ، كأنها تتأمل عباراني : - هذا صحيح ... لكن ... وعدت إلي نفسي . وذكرت ما كان يشغل بالي قبل ذلك . فأسرعت أقول لها :

 - لكن ، أخبريني أنت : لماذا أخفيت عن خطيبك وإلي متى تنوين المضي في ...

فعاد إلي شفتيها الابتسام وقالت : - ينبغي أن أريح ضميرك المعذب وأقول لك إن أمر زياراتي يجب أن يظل بيننا سرا خفيا ، أنا وأنت وحدنا !

فقلت لها : - أتظنين أنك تريحين ضميري بهذا الكلام ؟ ! فنظرت إلي مليا : - أتراني حقيقة أرتكب خطيئة من الخطايا ؟ فقلت لها على الفور : - نعم ، وتريدين أن تشركيني معك فيها . فقالت : - أفي احتفاظنا بهذا السر خطيئة ؟ فقلت : - ليس لنا أن تخفي عن خطيبك سرا .

فأطرقت لحظة . ثم رفعت رأسها وقالت كالمخاطبة لنفسها :

- أليس لي أن أحتفظ في مجاهل نفسى بمنطقة لا يرتفع إليها إنسان ؟ إني أشعر بشيء لست أدري مبلغ فهمك إياه ، إن المرأة وحدها تفهمه . لا بد للمرأة من أن تخفي شيئا عن زوجها . قد يكون سوارا من الذهب تشتريه خلسة . وقد تكون ذكري من ذكريات ماض عزيز وقد تكون فكرة نبيلة أو سخيفة نؤمن بها ولا نحب أن نشرك أحدا فيها . إن إحساسي اليوم هو من هذا القبيل . إن زياراتي لك وأحاديثي معك وآرائي التي أفضي بها إليك ، وسويعاتي التي يتبادل فيها معا شؤون الفكر ، كل هذا ينبغى أن يوضع في صندوق من صناديق الحلى ، ليس له غير مفتاحين ، أحدهما معي والآخر معك ...

أطرقت مليا ولم أحر جوابا . مهما يكن من أمر فان الفتاة تضعني موضع الحرج . وقد كنت أحمل هذا الموقف لو لم أر خطيبها . أما وقد رأيته وعرفته وأتوقع أن يتكرر اللقاء وأن تنمو بيننا الصلة ، فكيف أستطيع المضي في كتمان الأمر عنه ؟ على أني من ناحية أخرى أحب أن أفهم تفكير المرأة وأن أحترم إرادتها وأن أبقى لها على هذا الخيال الجميل الذي تحب دائما أن تحيط به الأشياء . إذن فلا مفر من السكوت ، ولأتجاهل الصلة التي بينهما . وما دام الخطيبان سيزوراني في أوقات مختلفة ، فلأفترض أنهما بالنسبة إلي صديقان منفصلان . ولكن الفتاة ألتفتت إلي قائلة :

- هنالك مع ذلك أمر يحسن أن أنبهك إليه . فنظرت إليها فلقا : - ما هو ؟ فقالت في هدوء : - سوف يدعوك بالضرورة خطيبي إلي زيارتنا أو إلي مشاهدة " التنفس " حيث يقدمك إلي ، فحذار أن يبدو عليك ...

فلم أسمع الباقي . ولم اطق صبرا - وسحت صيحة روت في المكان :

- أيتها الفتاة... أيها الآنسة ! لي أسمح لهذا العبث أن يمتد إلي أبعد من هذا . إنك من غير شك لعبتين وتلعبين ، وأنا الذي أحسنت الظن بتصرفك ، وأسيغت عليه كل ما استطعت من افتراضات عالية .

فاحمر وجه الفتاة وقالت في براءة الطفل الذي لم يفطن إلي ذنبه :

- ما الذي حدث مني ؟ ما الذي أغضبك فحددت إليها البصر دهشا : - عجبا : ألا تعرفين ؟ فقالت : - أتهمى بالعبث واللعب ؟ فقلت وقد ترفقت في الكلام :

- وماذا أسمي طلبك إلي أن أمثل دورا روائيا يوم يقدمني إليك خطيبات ؟ أتظنين رجلا جادا مثلي خليقا أن بفعل ذلك ؟ إن ما تشاهدينه في " السينما " لا ينبغي أن يؤثر في فهمات لحقائق الأشياء ، ولا أن يفسد من تقديرك للأمور . إنك أيتها الآنسة مازلت واقعة تحت تأثير عالمك التافه ، وما زال أساتذتك السخفاء : " السينما " و " التنيس " و"السباق " هم الذين يقودون خطواتك في الحياة .

   فنظرت إلي نظرة كلها عتاب ، لست أنكر أنها أثرت في نفسي . وقالت :

- أهذا رأيك في فتماسكت وقلت : - نعم ، مع أسقي الشديد فقالت : - كنت أحسبك تعتقد أن زياراتي السابقة قد استطاعت أن ترفعني إليك درجات . فقلت لها في غير مداراة :

- لا يا سيدتي . بل إنها قد استطاعت أن تنزلني إليك درجات .

ففتحت فمها دهشة لصراحتي وخشونتي وقد فوجئت بهما لأول مرة . ومضيت أنا أقول :

- ألا تصدقين ؟ فقالت في صوت أحسست في باطنه غبطة مستورة وارتياحا خفيا : - أنا إذن لي عليك تأثير ... فأسرعت قائلا :

- سي . لقد حاولت أن تعلميني " الكذب " وأن تهبطي بي إلي ملاعب " التنيس " . وأن تلجئيني إلي تمثيل دور من أدوار " السينما " كل هذا في مدى زمن قصير . أرأيت مقدار نجاحك ؟

فضحكت ضحكا طويلا رقيقا ، امترج رنينه الفضي بوميض اللآلي المنبعث من ثغرها . ثم قالت :

- وأنت ؟ ألم تنجح في شيء ؟ فقلت على الفور : - لست ألح بوادر نجاح ...

غير أني ذكرت فجأة قول خطيبها لي إنها قرأت " تابيس " في ثلاث ليال . وإنها عكفت على مطالعة كتبي كلها . وأن هذه القراءة ، مهما كان الباعث لها ، تعتبر تقدما على كل حال ، وخطوة في طريق الوصول بالنفس إلي مرتبة أسمى . وأردت أن أستوثق من هذا الأمر ، فسألتها في ذلك ، فتغير وجهها قليلا ، ثم ملكت نفسها وقالت :

- من أخبرك أني قرأت كل هذا ؟ فقلت لها : خطيبك . فقالت لي وهي تحد إلي البصر : أو صدقته ؟

فلم أدر ع ماذا أجيب . غير أني فكرت مليا في الأمر ثم قلت للفتاة في جد وعزم :

- اسمي أيتها الآنسة ! لقد انجلي لي الأمر : أنت فيما يظهر لي قد بلغت غايتك ، إن خطيبك يعتقد على أي حال أنك تغيرت وأنك تقرئين . فأما أنك قد خدعت خطيبك وتحابك عليه وأدخلت في روعه كذبا هذا الاعتقاد ، فهو نجاح على طريقتك ، وإما أنك حقيقة قد تغيرت وتذوقت الأدب ، فتلك بغيتنا ولم تبق لك من حاجة يا زيارتي . فاسمحي لي إذن أن أحييك وأن أشكر لك تشريفك هذا المكان وأن ... أودعك

فنظرت الفتاة إلي وجهي لحظة ، ورأت الجد في ملامحي والعزم في عيني ، ولحظت من حركة انصراف عنها إلي كتبي وورقي ومشاغلي الفكرية ، وشعرت كأن سمائي

الباردة قد نادتني وأن عالي الصارم قد استردني إليه . فلفظت من بين شفتيها بصوت كالهمس :

- وداعا ولم تزد على تلك الكلمة شيئا ، وتناولت قفازها وجعلت تضع أصابعها فيه على مهل . ثم قالت :

- وأشكرك ومضت إلي الباب . واختفت كما يختفي الشبح ، وذهبت كما يذهب الحلم ...

اشترك في نشرتنا البريدية