الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 234الرجوع إلى "الثقافة"

صورتان

Share

خلوت من أيام إلي طائفة من الشعراء ، فسمعت جملة من هواجس صدورهم ، وعلى هذه الصورة استطعت أن أخلص بعض الشئ من عالم المادة الذي نلقي همومه ، إلي عالم المعنى الذي يخفف علينا من شدة هذه الهموم ، ولست أشك في أن هذا العالم ، العالم المعنوي إنما هو بمنزلة مغطس تغطس فيه نفس الإنسان فتطرح عنها ما تألب عليها من الشجون ، وما لصق بها من الهموم ، ثم تخرج من مغطسها صافية ، نقية ، مستعدة لتذليل مصاعب الحياة ، قادرة على احتمال متاعبها

والشعراء الذين أخلو إليهم في أفق اخلقه لنفسي من حين إلى حين لا يكثر عددهم ، وهم ليسوا من عصر واحد ولا من أمة واحدة ، فلكل عصر خصائصه ، ولكل أمة مزاياها ، وملء الذهن من هذه الخصائص ، وإنراعه من هذه المزايا ، مصقلة لهذا الذهن

هبط شوقى دمشق الشام سنة ١٩٢٥ ، فأعدت النظر في قصيدته الدمشقية ، وفي جملتها هذه الآيات :

والحور في دمر أو حول هامتها

حور كواشف عن ساق وولدان

وزيوة الوادفي جلباب راقصه

الساق كاسية والنحر عريان

إني لم أشأ بعد قراءة هذين البيتين أن انظر في فن شوقي أو في لغته ، ولا أن أبحث عن محاسن هذا الفن أو عن مساوئه ، وإنما أردت أن أري من وراء هذا الشعر

روح صاحبه ، أردت أن أجلس إلي شوقي  نفسه ، هل يعلم القارئ الكريم ان دمر والهامة والربوة التي ورد ذكرها في البيتين إنما هي من جملة متنزهات دمشق ، لقد وقعت عين شوقي على شجر الحور في هذه المتزهات ،

وشاعت هذه العين أن تفتش لها عن شئ تشبه به هذا الحور ، ووقعت عينه على وادي الربوة ، وشاعت هذه العين أن تقتض لها عن شئ تشبه ضفتي  هذا الوادي ، فلم يجد شوقي شيها لشجر الحور إلا الحور الكواشف عن سبقانهن ، ولم يجد شبها اضفتي وادي الربوة إلا جلباب رافصة من الراقصات ، ساقها كاسية ، وبحرها عربان

هذا هو العالم الذي ينعم خيال شوقي ، فكل واحد منا يرى الصور الظاهرة ، فترسخ هذه الصور في اعماق نفسه ، وهي واحدة في لونها وهيأتها ، ولكنا إذا اردنا  أن تخرجها من نفوسنا ، وتعرضها على غيرنا ، فلكل واحد منا مذهب في تصويرها وعرضيا ، وفي هذا المقام يختلف رجال الفن ، بعضهم عن بعض ، لقد رأي كثير منا الحور الذي رآه شوقي ، وتنزه كثير منا في الربوة التي يتنزه فيها شوقي ، وما اظن انه خطر بيبال واحد منا ان هذا الحور يشبه الحور الكواشف عن سبقاتهن ، أو ان هذه الربوة تشبه راقصة ، سافها كاسية وتحرها عريان ، فكل واحد منا يعرض على غيره الصور التي يزدحم في صديه علي شكل خاص به ، بحسب مزاجه او ذوقه او ثقافته او نشائه أو غير ذلك من العوامل ، فلماذا جعل شوقي الحور والراقصات مادة لفته

لقد ذاق شوفي لذة الدنيا ، وتقلب في أعطاف نعيمها وضرب في محاسن بلدانها ، فزار فروق التي افرغت الطبيعة فيها سحرها وألقت عليها حستها ، فشم من هوائها . وشرب من عيون مائها ، واستضاء بشمسها ، وجلس إلي تمبرها وملأ نظره من حسورها . وهذه الحور على نحو ما وصفهن لنا مترعات من النعيم ، راويات من السرور ، عائرات من الدلال ، ناهضات من الغرور ، ناهمات طيبات العرف ، ذاهلات عن الزمان ، مشرفات على البحور والممالك ، وقضي شوقي ليالي في فروق مادري عشاءها من فجرها لولا صياح الديك !

هذا هو العالم الذي عاش فيه شوقي ، فلا نعرف السر في تشبيه حور دمر بالحسور ، وصفتي الربوة بالراقصات إلا إذا عرفنا هذا العالم الذي تقلب فيه وملا نفسه من سحر ومن فتنته ، قصور هذا العالم ماثلة في ذهنه ، قائمة في صدره ، شاغلة لقلبه ، فهي مادة لفنه ، مادة لاستعاراته وتشبيها انه ومجازاته وكناياته ، فإذا عرض علينا صورة من الصور الراسخة في اعماق نفسه فسرعان ما تلصق بهذه صور المعروفة أثار العالم الذي عاش فيه ونعم به !

وبعد أن خلوت إلي شوقي ساعة من الزمن ، خلوت إلي شاعر آخر ، من طراز آخر ، لقد جعل شوقي بين الطبيعة وبين الحور والراقصات صلة مستحكمة ، فما هي اصلة التي خلقها المتفي في مثل هذه المشاهد

قدم المتفي طبرية وتنزه على شواطئ بحيرتها ، ولكن ما ابعد الفرق بين الصور التي يختلج في قلبه وبين لصور التي تختلج في قلب شوقي ، أبيات المتنبي في بحيرة طبرية مشهورة ، لا حاجة بين إلي ذكرها كلها ، ولكني أذكر منها ثلاثة أبيات :

والموج مثل الفحول مزيدة  تهدر فيها وما بها قطم

والطير فوق الحباب تحسبها  فرسان يلق بخوتها المنجم

كأنها والرياح تضربها جيشا وهي : هازم ومهزم

ما أبعد هذه الدنيا التي عاش فيها المتنبي  عن الدنيا التي عاش فيها شوقي ، عاش المتنبي في عالم الخيل والسلاح والفرسان والجيوش ، عاش في ميادين الحروب ، فقد يستطيع ان يجد شها للطير وللموج في عالم الرقص . شركات الموج وحركات الطير فوق الماء ليست ببعيدة عن بعض حركات الرقص ، ولكن ما المحتفي وما للرقص عاش المتنبي  في عالم نثرت فيه جماجم العرب ، وبنيت على هذه الجماجم مملكة عالية وهي مملكة بني حمدان ، فلا تكاد صور الحيوش تفارق ذهنه ، لقد نشأ في البادية علي رؤية هذه الصور ، وخالطته في شبابه ، فإذا رأي الطير

فوق الحباب حسبها فرسان خيل بثق ، وإذا رأي الرياح تضرب الطير ، ظن أن في الحر حريا بينهما : جيش هازم وجيش منهزم ، لم تكن الطبيعة في نظره عالما بأنس فيه بالنساء وإنما كانت عالما أنس فيه بالدماء !

خلق المتنبي لدينا المعارك والمغازي ولم يخلق لدنيا المسارح والرقص ، فأول ما فتح عينيه فتحهما على البادية وهي مبادين افتتال الأعراب ، ثم فتحهما على حروب سيف الدولة وشهد بعض هذه الحروب بنفسه ، فبقيت صور الخروب مختلجة في صدره في كل حياته ، فهي مادة فنه ، وهذا السر في انه إذا رأي الموج رأي من وراء هذا الموج خولا مريدة ، وإذا رأي الطير والرياح ، رأي من وراء هذه الطير وهذه الرياح جيشى وهي !

يكفينا من شعر المتنبي هذا القدر اليسير ، فلسنا في شوق إلي الحروب وأهوالها ، وحسبنا هذه الحروب التي تعافي البشرية شدائدها ، ولكن لما طرحت الديوانين من يدي : ديوان شوقي وديوان المتنبي  خطرت بيالي خواطر أرجو أن يخطر مثلها ببال أساتذة الأدب ، وأرجو أن نري في شعر شعرائنا وفي كتابة كتابنا شيئا غير الفن وغير اللغة ، إن مصادر هذا الشعر وهذه الكتابة إنما هي اثار ناطقة يظهر على كل واحد منها روح صاحبه وفكرة ، وعاطفته ، فان وراء هذه المصادر اشخاصا ينطقون ويشعرون ، فإذا خالطنا مصادرهم الأدبية وما زجناها أحطنا بظواهرهم ويواطنهم واتصلنا بأسرارهم وألغازهم . فعرفنا أذوااقهم واهتدينا إلي أمزجتهم ، وعلمنا لماذا يسرح خيال في دنيا النساء ويسرح خيال في دنيا الدماء ؟

اشترك في نشرتنا البريدية