بين أرباب الأدب جماعة منافقون يحلو لهم أن يظهروا على السنهم غير ما تسر قلوبهم . والنفاق المجرد - بمعنى مخالفة الظاهر للباطن - لا يعد في ذاته خيرا أو شرا وإنما ينضاف إلى إحدي هاتين الحلتين والنطر إلي بواعثه وإلي معقباته جميعا . ومن ثم كان النفاقي في الدين شرا ما بعده شر ؟ إذ باعثه الاستهزاء بأمر الله ، وابتغاء الكيد المؤمنين ، وتلمس الأذي لهم ، ونتيجته الكفر في أشنع صوره ، مقرونا إليه الكذب والخديعة وإبلاغ المكروه لكل مؤمن ، إلا أن يحمى الله من ذلك أولياءه
والنفاق مع الله أبلغ في شره من النفاق في معاملة الناس ، متى اتصل بهذا الاخير شرط إرادة الكيد وقصد الإضرار والأذي . وبقدر تفاوت هذا الشرط واختلاف ملابسته للبواعث والنتائج تتفاوت مراتب النفاق ، حتى لقد نشاهد النافق الذي يحمل من النفاق اسمه - دون
إئمة - كمن يظهر المسرة لطفل باجتيازه اختبارا تافها - مثلا - وهو خالي النفس من كل ما يظهر ، سوى قصده مسرة هذا الصغير ، وابتعاث دواعي النشاط والهمة عنده .
بل ما لنا نذهب بعيدا وللكذب نفسه أحوال يتجاوز فيها حد الحرمة إلي مرتبة الجواز أو الوجوب ، كما تشير إلي ذلك قوانين الأخلاق وتنص قواعد الشرع !
ونعود إلي نفاق الأدباء فنقول : إنهم أقدر من غيرهم على ولوج هذا الباب بما أوتوه من بسطة في اللسان ، وقدرة على التأثر والانفعال ، وإحاطة تامة بوجوه التصرف في منادح التفكير والتعبير . وكما يرتفع الأديب علي سائر الناس بقدرته على إبراز المعاني المكنونة وإجادته التعبير الملفوظ عن الخاطر الملحوظ ، يرتفع عليهم ايضا بقدرته على التزيد في هذه المعاني والخطرات أو التحيف منها ؛ بل بقدرته على التغيير من طبيعة جوهرها - وسلاحه في ذلك التعبير - إلي الحد الذي ينافق فيه : فيظهر معني ويبطن معنى ، ويرفع على رؤاية لسانه من منطوق الاراء غير ما يسر في قرارة نفسه من مفهومها .
ولا يغنينا هذا التفصيل عن ضرب المثل تتبين فيه حقيقة ما ذكرنا . وليكن نموذجنا هنا ومضرب مثلنا شاعرا من أرداف الملوك وأحلاس قصور الخلفاء والسلاطين ؛ إذ التماس النفاق عند مثله أقرب ، وتطلب الصورة الكاملة من ذلك في شعره أيسر على من أراد .
وليكن شاعرنا هذا أبو عبادة البحتري نديم التوكل ومجي الفتح ، وربيب نعم الأفيال من آل طاهر وآل حميد وآل المدبر
ولست أفرد البحتري بالكلام لأنه اكثر عندي نفاقا من غيره ، بل لأني وجدت المثل الذي ألتمسه كاملا عنده في مرثية له من أوائل شعره - صور فيها النقمة بصورة النعمة ، وألبس الخطب المبكي ثوب الهناءة المبهح .
هذا أبو القاسم بن حميد الطوسي قد جلس مجلس العزاء في ابنة له متوفاة ؛ وإن على وجهه لسمات من الجزع على فقدها ، وفي قلبه وقدات من جمر الأسي على ما يشقه من فراقها . وهذا البحتري يتقدم لتعزيته ومواساته فينشد :
ظلم الدهر فيكمو وأساء فعزاء بني حميد عزاء
ولا يسلك البحتري في هذه المرتبة سبيل الشعراء من أصحاب المراثى ؛ بل هو يأخذ فيها بأسلوب جديد من أساليب التعزية فيه تكلف وفيه نفاق . . إنه يذم في تعزيتة لأبي القاسم أمر النسوة جميعا ، ويهون عنده من شأنهن تهوينا بالغا ، ويتظاهر بعظم كراهيتهن تظاهرا تخاله معه مسرورا بفقد هذه الابنة ، وانه لم يأت معزيا كسائر الناس ، وإنما جاء ليقنع أباها الثاكل بأحقيته في إظهار هذا الشعور ، وليحمله على اعتناق مذهبه في ذلك أعنف الحمل . ولعمري إن هذا لهو التكلف المقيت في العاطفة وفي الفكرة وفي الأسلوب جميعا ، والنفاق المفضوح في إظهار شعور عام نحو النساء ، ليس في قلب الشاعر - ولا في قلب عاقل أديب - منه أثاره
ولنأخذ هنا باستعراض جانب من القصيدة نتبين على ضوئه خطى تفكير البحتري فيها . إنه يبادر بعد المطلع
بالإشارة إلي هذه الحروب التي رفعت لآل حميد في البطولة ذكرا خالدا ، والتي أجزرتهم إلى جانب ذلك خبايا الأغماد في ساحات الجلاد ، وجعلت من السيف داءهم الذي تطيح به رءوس ( رجالهم ) في ساحات الشرف أكرم مطاح :
أصبح السيف داءكم وهوالدا الذي لا يزال يعي الدواء
وانتحى القتل فيكمو فبكينا بدماء الدموع تلك الدماء
وإذا كان هذا شأن آل حميد ، اسرة القادة السادة والمدافعية الذادة ، فماذا يكون قدر النساء عندهم ؟ أولئك اللواتي لا ينهضن في حرب ، ولا يقمن بعبء القتال في معترك
أتبكي من لا ينازل بالسيــ ف مشيحا ولا يهز اللواء ؟ !
والفتي من رأي القبور لما طا ف به من بناته أكفاء
بقرر البحتري هذا في شبه استيئاق ، حتى ليوهم السامع أنه صادق في هذه الاستهانة بقدر المرأة ، محق فيما يميزها به من ضعف الشأن وقلة الفناء وهو يدعم حجته على ذلك بالتاريخ يستنطق حوادثه ، ويستشهد أنباءه :
قد ولدن الأعداء قدما وور ت ن التلاد الأقاصي البعداء
لم يئد كثر عن قيس تميم عيلة ، بل حمية وإباء
وتغشي مهل الذل فيهــ ن وقد أعطى الأديم حباء
وشقيق بن فاتك حذر العا ر عليهن فارق الدهناء
أدلة تلك صادقة وشواهد ناطقة ، كان ينبغي لابن حميد أن يجيل فيها عقله ، ثم يقسر على الخضوع لها عاطفته ؛ وإن هو لم يقنع بها فهاك أمثلة أخري من سير الأنبياء لا يشك في صدق مخبرها وعظم دلالها :
وعلى غيرهن أحزن يعقو ب وقد جاءه بنوه عشاء
وشعيب من أجلهن رأي الوحد ـدة ضعفا فاستأجر الأنبياء
واستزل الشيطان آدم في الجن ـة لما أغرى به حواء
فإذا لم يكفكف أبو القاسم بعد كل هذا من عبرته ، ثم يعتصم من جزعه بالصبر ، ويلطف من حر أساه يبرد التأسي . . فما هو إلا العاجز المغلوب علي أمره ، شأن كل رجل تذري عيناه علي امرأة دمعة :
ولعمري ما العجز عندي إلا أن تبيت الرجال تبكي النساء !
وهكذا ينافق البحتري في إبراز فكرته الزائفة ، ويصطنع أسلوبا عجيبا في التعرية مخاطبا به عقل الرجل في موضع كان ينبغي فيه أن يخاطب عاطفته ؛ وليس البحتري الذي يجهل الفرق بين خطاب العقل وخطاب العاطفة
ولقد كان يحوز له أن يلقي بهذا الحديث عن المرأة في مجلس تناظر يدور فيه البحث حول شأنها ومبلغ اهميتها في الحياة ، فذلك مقام تصطرع فيه العقول بسلاح من الحجة والمنطق ، وتستند معه إلى شواهد من التاريخ تثبت رأيها وتدعم وجهة نظرها ، أما في مواقف العزاء فأخير بأن يكون الخطاب للعاطفة المضطرمة وللوجدان الملتهب ، لأن من هذين يفيض الحزن ، وفي قرارتهما يصطخب الأسى ويثور والبحتري في نفاقه هذا يغالط عن معرفة ويعطي عبارته روحا ليست من صميم نفسه .
ولكنا لا تدخل بهذا كل تعزية في باب النفاق ؛ إذ المعزي وإن بالغ في إظهار التحزن لا يدعي بحال منافقا ، ذلك أن المعزي والسامع جميعا يدركان حقيقة موقفه . ويفهمان انه لا يزيد في أكثر امرئ على المشاركة في الشعور بالحزن تخفيفا منه ومجاملة وإسعادا ، فليس ثمة في عبارته أو في شعوره وجه لمخادعة منه أو نفاق . أما مثل حجج البحتري هذه القوية فلا يكون إلا من توليد الفكر المزيف والمغالطة المكشوفة ، وهو لا يعترف لصاحبه في هذا المقام بالحزن ثم يحاول تخفيفه عنه بمشاركته فيه مرة والتهوين أخري ، كما يفعل أصحاب الرثاء عادة ؛ وإنما هو ينكر عليه هذا الحزن أصلا ، ويصطنع الجد كله في إنكاره موهما إياه أن ذلك رأيه وتلك عقيدته في المرأة ، وأن ليس عليه إلا أن يجاريه فيها فينفض عن نفسه غبار الحزن ! والنظرية مع كل هذا فاسدة مموهة ، والأدلة الناهضة بها أكثر فسادا وتمويها . إذ الحق أن للبنت مهمتها العظمى في الحياة ، ومكانها الجليلة في خدمة المجتمع ، وهي ليست تقل في ذلك عن الرجل شأنا .
أما وأد البنات - الذي أشار إليه البحتري - فليس بالفضيلة التى بحث عليها او يؤتسي بها ، . واخبار
شقيق ومهلهل وغيرهما من الجاهبين حوادث فردية لا تقيم مبدأ ولا تقرر قاعدة . وحزن يعقوب على يوسف لا يستتبع كراهيته للبنات لو أن الله رزقه منهن نسلا . واستئجار شعيب لموسي لم يكن مما يقلل من قيمة بنتيه عنده - وأما حديث آدم وحواء فلا يعيج به لحظة من في قلبه ذرة من الإيمان بقضاء الله وقدره
والبحتري نفسه وقد عرفت مقالته في ابنة الحميدي - هو الذي يرثي ( زوجا) من قصيدة فيقول :
وبرح في زبرج أن يومه تعجل لم يمهل ولم ينتظر
قست كبد لم تعتل لفراقه وقلب إلي ذكراه لم يتفطر
عليك أبا العباس الصبر طائعا فإن لم تجسده طائعا فتصبر
ولا بد أن يهراق دمع فإنما يرجى ارتقاء الدمع بعد التحدر
ولكن من زبرج هذا إنه غلام أبي العباس بن بسطام وساقيه ، وواحد من صغار الوصفاء في بيته . على كثرتهم
على أننا نعود فنتساءل : ما مقصد البحتري من هذا الأسلوب الملتوي في رثاء ابنة الحميدي ؟ وما غايته من هذه المخادعة المنطوية على أنم صورة من صور النفاق ؟ . إنه يري ولا شك إلي تسلية إبي القاسم وتخفيف لوعته ؛ ثم لعله يجني من وراء ذلك عطفه ، او يقطف من ثمرات ماله وجاهه ؛ وبعض هذه أو كلها اغراض لا نشتط في إنكارها على الشاعر الذي يكتسب بشعره ، ويدرج في أحضان بيئة كتلك التي نشأ وعاش فيها البحتري . فنفاق الشاعر هنا خال من سوء البواعث ووخامة العواقب إلي الحد الذي يعفيه من أكثر ما يتوجه إلي المنافي من لوم إنه - مجرد النفاق - الذي أشرنا إليه في أول الكلام .
على أن هناك صورا أخري من نفاق الأدباء تقترن من سوء الباعث أو سوء النتيجة بما يضعها في مصاف الرذائل المبغضة ؛ وإن كثرة الأمثلة على هذا النوع الثاني لتغنينا عن محاولة الكلام فيه ، وقبح صوره بصددنا عن طلب تصويره ، فلنقتصر من ثمة على ما ذكرناه
( جرجا )

