الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 178 الرجوع إلى "الثقافة"

صور تاريخية :، ١- سلطان العلماء

Share

هذا لقب لقبه به تلاميذه لما رأوا من سعة علمه ، وعظمة خلقه ، فسار اللقب في الناس ، واصبح في البلاد سلطانان : سلطان الدولة والأمراء وسلطان العلماء وكان السلطانان أحيانا ينسجمان ويتصالحان ، واحيانا يتصارعان ويتصادمان ؛ فيكون لصراعهما منظر لطيف كمنظر الجيوش إذا تقاتلت ، والسباع إذا تصاولت . والديكة إذا تهارشت . و كثر ما يدعو المنظر إلي الإعجاب إذا رأيت المحارب غير المسلح يغلب المحارب المسلح وسلطان الدنيا بجنوده وبنوده يخضع لسلطان الدين . وليس له جنود ولا بنود ، إلا قوة الخلق وقوة الحق . وقوة اليقين .

عمر " سلطان العلماء " هذا عمرا طويلا عريضا ، فقد عاش ثلاثة وثمانين عاما ، والأعوام وإن اتحدت في الطول فهي تختلف في العرض . فهناك أعوام طويلة لا عرض لها ، وهناك اعوام طويلة عريضة ، وهناك أعوام عقيم ، وأعوام ولود . واعوام عالمنا هذه أعوام خصبة طالما ولدت الأحداث العظام ، والخطوب الجلى فقد شاهدت دولة الأيوبين في هرمها وآخر أيامها ، وشاهدت دولة المماليك البحرية في نشأتها وعزها ، وشاهدت بعض الحملات الصليبية على الشرق ومقاومته لها ، وشاهدت حملة التتار على الممالك الاسلامية واكتساحهم لها ، ووقوف مصر امامهم تصد هجماتهم وتكسر شوكتهم ، وشاهدت سقوط الخلافة العباسية في بغداد وانتقالها إلي القاهرة .

ذلك كله شاهدته حياة " عالمنا " الدمشقي . فقد ولد سنة ٥٨٧ ، وتوفي سنة ٦٦٠ ه . لقد نشأ في دمشق

فقيرا يعمل بيديه ليكسب عيشه ويحصل قوته ، يبيت في مسجد دمشق إذ لم يجد له ماوي . وظل على هذا حتي صار شابا ، ثم حبب إليه ان يتعلم وهو كبير فقير . فمارس العلم ، فسرعان ما نبغ فيه ، ولفت النظر إليه ، وجمع إلي العلم التصوف ، فيأخذ العلم عن شيوخه ،

والتصوف عن رجاله ، ويكسبه العلم سعة في عقله وصقلا لذهنه ، ويفيده التصوف صفاء في قلبه ، ونورا في روحه وقناعة وطمانينة في نفسه ، وزهدا في نعيم الدنيا ، وحبا وطلبا لرضاه ؛ فهو إذا تكلم رأيت علما غزيرا من دراسته ، ورايت إخلاصا من تصوفه ، ورايت هيبة وجلالا ، ونفوذا لكلامه إلى قلوب سامعه من قوة يقينه وصفاء روحه . وإذا بعالمنا " عبد العزيز عبد السلام ،

أو عز الدين بن عبد السلام الذي كان يعمل بيديه نهارا ، ويفترش ارض المسجد ليلا ، خطيب الجامع الأموي وإمامه ، وقبلة الناس ومنارهم ، ومعقد رجائهم .

لقد رمي بنظره بعد أن نضج عقله ، فرأي حال الدولة تدعو إلي الأسى ، هذه الأسرة الأيوبية تقسم أبناؤها المملكة . ففرع في مصر ، وفرع في دمشق ، وفرع في حلب ، وفرع فيها بين النهرين ، وفرع في حماه ، وفرع في حمص ، وفرع في جزيرة العرب ، وبين بعضهم وبعض إحن وعداء ، وحزازة ودماء والصليبون على الأبواب ، والتتار يتحفزون للوثوب ولا قبل لهم بذلك كله إلا أن تذهب حزازاتهم ، وتتوحد كلمتهم ، وتصفو قلوبهم ،

ويعدوا ما استطاعوا من قوة - فاتخذ عالمنا هذا منهجه في الخطب على المنبر ، وفي الوعظ ، وفي نصح الأمراء . فهاهو يدخل على الملك الأشرف موسي بن العادل بدمشق وهو يتأهب لغزوا اخيه السلطان الكامل في مصر ، فيقول له : هذا أخوك الكبير ورحمك ، وأنت مشهور بالفتوح والنصر على الأعداء ، والتتر قد خاضوا بلاد المسلمين فخير لك الا تقطع رحمك ، وان تتوجه إلي نصر دين الله وإعزاز

كلمته ، وأن تحول وجهتك في مقاتلة أخيك إلي مقاتلة أعداء الله وأعداء المسلمين وان تتقرب إلى الله قبل ذلك بأصلاح داخل مملكتك ، فتبطل المكوس ، وترفع المظالم ، وتمنع الخمور والفجور . فيصغي السلطان إلي نصيحته ويعمل بها . ويقول له : جزاك الله خيرا عن إرشادك ونصيحتك . ثم أصلح ما في الداخل وحول وجهته إلي الخارج ، وقدم السلطان للشيخ الف دينار يستعين بها على شئون الدنيا ، فردها الشيخ فى لطف وقال : إن هذه نصيحة لله وللدين ، فلا أكدرها بشيء من الدنيا وذاعت نصيحة الشيخ وزهده في المال ، فزاد مقامه علوا ومكانته رفعة .

لكن في كل عصر سخافات تستوجب الضحك ، لولا أنها تحدث في مأتم ، فهؤلاء ضيقو العقول من الحنابلة - والدولة كلها معرضة لخطر الغزو من عدوين لدودين قويين : وهما التتار والصليبيون - يعيدون فتنة خلق القرآن والكلام فيها كما كانت أيام المأمون والمعتصم والواثق فهم يزعمون أن كلام الله القديم هو ما نقرؤه بألسنتنا ونكتبه بمدادنا ، ونخطه في أوراقنا ، وترمقه عيوننا والأشعرية من أهل السنة يرون أن كلام الله الأزلي القديم ليس بحرف ولا صوت ، وإنما ألفاظنا وكتابتنا ومصاحفنا دلالة عليه ، فيجب احترامها لدلالتها على كلامه ، كما يجب احترام أسمائه لدلالتها على ذاته .

وتقوم الثورة في هذا بين الحنابلة والأشعرية ، ويتبادلون السب والضرب - فهنا في دمشق مجادلات حارة ومناقشات حامية : هل الحروف والاصوات كلام الله ؟ وهناك على مقربة منهم في صفوف الصلبيين دعوة حارة أخرى لتنظيم الأدوات ، وإعداد المعدات ، وتوحيد الصفوف : هنا كلام وخصام في الكلام ودعوة إلى الانقسام ، وهناك عمل وإعداد وسيوف وقنابل ودعوة إلى الوئام

ويشتد النزاع بين الحنابلة والأشعرية : المكتوب والمقروء كلام الله - ليس المكتوب والمقروء كلام الله . كلمات يعلو بها صوت الناس في المساجد والشوارع والبيوت ، ويتزعم فريق الأشعرية عالمنا . وأعوان السلطان منقسمون كذلك إلي قسمين ، والسلطان يسمع من هؤلاء اتهاما ومن هؤلاء اتهاما : هؤلاء يتهمون الأشعرية بأنهم يستهينون بالمصحف ، وهؤلاء يتهمون الحنابلة بأنهم مجسدة . ويعكف العلماء من هؤلاء وهؤلاء علي تأليف الرسائل واستنباط الأدلة . وأخيرا يحار السلطان بينهم فيأمر بقطع الكلام في هذا الموضوع بتاتا ، ويأمر الشيخ عز الدين بأمور ثلاثة : ألا يفتي ، وألا يجتمع بأحد ، وأن يلزم بيته . فلما جاء الملك الكامل من مصر وسمع ما جري قال الملك الأشرف : ما فعلت أكثر من أنك سويت بين أهل الحق والباطل ، وحرضه على القول برأي الأشعرية ونصرة الشيخ عز الدين . ففعل وشدد على الحنابلة فسكتوا ، وانتهت المشكلة بعد أن أخذت من قوتهم وأكلت تفكيرهم ، وعاد عز الدين إلي مجده وسلطانه .

أخذ الشيخ يدعو دعوته الأولى إلي أن يتحد سلاطين الأيوبيين وتتحد كلمة المسلمين ، ويخطب في ذلك على منبر دمشق ويختم خطبته - في العادة - بقوله : " اللهم أبرم لهذه الأمة أمرا رشدا ، تعز فيه وليك ، وتذل فيه عدوك ، ويعمل فيه بطاعتك ، وينهي فيه عن معصيتك ، والناس وراءه يبتهلون أبتهاله ويدعون بدعائه حتى ترتفع أصواتهم إلي عنان السماء .

وكان يقول : " كل جندي لا يخاطر بنفسه فليس بجندي " و " المخاطرة بالنفوس مشروعة لاعزاز الدين و " ينبغى لكل عالم إذا أزل الحق واهمل الصواب ان يبذل جهده في نصرهما ، ومن أثر الله على نفسه اثره الله ، ومن

طلب رضا الله بما يسخط الناس رضي الله عنه وارضي منه الناس ، ومن طلب رضا الناس بما يسخط الله سخط الله عليه واسخط عليه الناس ، وفي رضا الله كفاة عن رضا كل احد .

" فليتك تخلو والحياة مريرة

                         وليتك ترضي والأنام غضاب "

هذا بعض ما كان يقوله الشيخ ، ولكن من كان يظن أن هذا القول الصريح الذي لا محجة فيه ولا إيهام يؤول بأنه يريد به نصرة بعض الأيوبيين على بعض : ومن كان يظن ان هذه الدعوة التي يبذلها الشيخ إلي الاتحاد تنتكس ولا يستجاب لها ، وننتهي بأن الملك الصالح إسماعيل يصالح الصليبيين على أن يسلم لهم صفدا والشقيف وغير ذلك من حصون المسلمين لينجدوه على الملك الصالح نجم الدين أيوب كان يظن ان الشيخ لا يسمع إلي دعوته ، فيري المسلمين في دمشق يبيعون السلاح للصليبيين ليقاتلوا به عباد الله المؤمنين ؟

لقد صرخ الشيخ من اعماق قلبه مستنكرا هذه الأحوال ، مستغيثا بالله من هذه المخازي والأهوال ؟ فاعتقل الشيخ وعذب ، فما بالى باعتقال ولا بعذاب وجاءه رسول من قبل الصالح إسماعيل يحتال عليه كما يحتال الشيطان ويوسوس له ويخوفه ويمنيه ؛ وأخيرا يقول له : " ليس بينك وبين ان تعود إلى مناصبك و أكثر منها إلا أن تطأطي رأسك للسلطان وتقبل يده ؟

هاج الشيخ وغضب واحمر وجهه ، وصاح في الرسول : " يا مسكين ، والله ما ارضاه ان يقبل يدي فضلا عن ان اقبل يده. يا قوم انتم في واد وانا في واد ، والحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به " .

هؤلاء ملوك المسلمين في الشام يعبثون بحقوق المسلمين ، ويسلمون للصليبين الحصون والقلاع ، ويسمحون لهم بشراء السلاح من بلادهم اليوم ليحاربوهم به غدا ، والشيخ في اعتقاله في خيمته ، يحز في قلبه الألم

مما صار إليه حال المسلمين ، فيعكف على القرآن يتلوه وعلى العلم يدرسه . ويمر الملك الصالح إسماعيل الذي فعل تلك الأفاعيل مع ملك الفرنج من الصليبيين على الشيخ في خيمته ، فيفتخر الملك ويزهي بعمله ويقول :

" هذا أكبر قسوس المسلمين ، اعتقلته لأنه أنكر على تسليمي لكم حصون المسلمين وعزلته عن الخطابة وعن مناصبه ، ثم اخرجته من دمشق ، وابعدته هنا في بيت المقدس ، كل هذا لأجلكم وحبا في رضاكم " .

ملك الفرنج - لو كان هذا قسيسنا لتشفعنا به وتبركنا بماء طهوره .

وانتصرت العساكر المصرية فأطلق سراح الشيخ ، فأبي أن يكون في دمشق ، حيث رأي ما رأي .

وفي سنة ٦٣٩ رؤيت قافلة فيها شيخ أبيض اللحية مهيب وقور ، يتجاوز الستين قليلا ، ومعه صديق له يبدو عليه أنه مصري اسمه ابن الحاجب ) ١ ( وفيها أسرتهما وأمتعتهما وأتباعهما ، تجتاز بلاد الشام قاصدة مصر ) يتبع (

اشترك في نشرتنا البريدية