دخل عز الدين بن عبد السلام مصر ، وقد سبقته شهرته بالعلم الواسع في مذهب الشافعية ، وبغيرته الدينية وبعظمته الخلقية ، وكان يعرفه بذلك كله ملك مصر " نجم الدين ايوب " فولاه الخطابة في جامع عمرو بن العاص ، وقلده القضاء في مصر ) الفسطاط ( والوجه القبلي ) أما القاهرة فأفرد لها قاضيا خاصا ( وعهد إليه بعمارة المساجد المهجورة بمصر والقاهرة .
وزارة المحدث الكبير وعالم مصر العظيم " عبد العظيم المنذري " فرأي من عز الدين فقها غزيرا وعلمها كثيرا ، ورأي عز الدين من عبد العظيم بحرا في الحديث وعليه فامتنع " عبد العظيم " من الفتوى وقال : لا افتي وعز الدين بها ، وامتنع عز الدين من " الحديث " وقال : لا أحدث وعبد العظيم بها .
وسرعان ما شاهد الناس من عز الدين فصاحته في الخطابة ، وعلمه بأسرار الفقه ، وإخلاصه في عمارة المساجد ، ونزاهته في القضاء ، وصلابته في الحق . فكانت مكانته في مصر كمكانته في الشام
ولكن هذه المناصب مع هذه الأخلاق لا بد أن تصطدم بذوي الرغائب وأولي الجاه والسلطان ، فالحق مر لا يحلو في ذوقهم ، والعدل ثقيل لا تهضمه نفوسهم ، فما لقيه في الشام بدأ يلقاه في مصر .
هذا السلطان أيوب تقبل الأرض بين يديه ، فيستقطع عز الدين هذا العمل أيما استقطاع ويستنكر في صراحة أمام السلطان وأمام الحاشية وأمام الجمهور ، ويخشى أخصاؤه عليه من هذه الجرأة فيقول : " لقد
استحضرت هيبة الله فرأيت السلطان أمامي قطا . ويطيع السلطان أمره وتنتهي المسألة بسلام
ولكن كل يوم أحداث تؤلم الشيخ وتثير غضبه . كان في منصب " أستاذ الدار " فخر الدين عثمان بن شيخ الشيوخ ، وقد كان عظيما في منصبه ، فهو القيم على الدواوين ، والواسطة بين الرعبة والسلطان ، والمشرف على تحصيل الأموال من الملاك والمزارعين ، والمتسلط على كثير من شؤون الدولة ، كما كان عظيما في جاهه ؛ فأولاد شيخ الشيوخ الأربعة متقلدون أهم المناصب ، مقربون إلي السلطان لأنهم إخوته من الرضاع .
هذا فخر الدين ( ١ ) - وهو ما قد رأيت - يعمد إلي مسجد من مساجد مصر ، فيبني فوقه بناء يتخذه " طيلخاناه " تضرب فيه الطبول ، وتنفخ فيه الأبواق ، وتزمر المزامير لاستدعاء الجند والاعلام بالنوية ، وكان لكل امير " طيلخاناه لجنده ، تضرب فيها الصنج من النحاس بإيقاعات خاصة يدل كل ايقاع على معنى ، فإذا خرج الجند للفتال صحبت كل فرقة " طيلخاناتها " تحمسهم للقتال وتفهمهم حركات الحرب من تقدم أو تأخر ، أو تجمع ، أو نحو ذلك - ففخر الدين يبني هذه الطيلخاناه لأخيه عماد الدين ، فالناس تحت في صلاة ، والجنود فوق رءوسهم يطبلون ويزمرون ، ويفسدون عليهم عباداتهم
هذه قلة ذوق لا ترضي احدا . أفيليق ان تستخدم بيوت الله بيوتا للجند ؟ وان يؤذن المؤذن للصلاة والجنود تنفخ في بوقها ، وتزمر بمزمارها ، وتضرب بكاساتها ؟ إن في هذا إفساد لسكون العابد ، وانتهاكا لحرمة الصلاة . وكان في الارض ذات الطول والعرض ما يسع الطبل والزمر بعيدا عن بيوت الله ، ولكنه الغرور بالجاه الذي لا يعبأ بشيء
واذان المغرورين لا تسمع لنصح ناصح ، ولا عظة واعظ ، فما هو إلا ان يأخذ " عز الدين " اولاده وتلاميذه واتباعه وبيدهم الفؤوس والمعاول . وإذا بحركة هدم عنيفة تقضي علي الطيلخاناه في لمحة ، وإذا الشيخ عائد إلي منزله بعد ان ابعد عن المسجد الطبل والزمر ويصبح الصباح فيذهب إلي مكان القضاء فيحكم على " فخر الدين " باسقاط عدالته وعدم قبول شهادته ، ثم يسجل ذلك ويكتب استقالته ويرفعها إلي السلطان فيقبلها ، ويجلس في بيته راضيا عن عمله مخلصا لربه
وتذيع الحادثة ، وترد على كل لسان في مصر ، ويعجب المصريون بالشيخ في صلابته للحق ، وتضحيته بمناصبه حسبة لله وينتقل الخبر من مصر إلى الشام ، ومن الشام إلى بغداد ، حتى يصل إلى أذن الخليفة فيكبر الشيخ ويجله . وتشاء الاقدار ان يبعث السلطان برسالة إلي الخليفة ، فيسأل الخليفة الرسول : هل سمعتها من السلطان مشافهة ؟ فيقول الرسول : لا - ولكن سمعتها من استاذ الدار فخر الدين عثمان فيقول الخليفة : لا اقبلها ، لان عز الدين اسقط فخر الدين فلا تقبل روايته .
استراح الشيخ من عناء المناصب الحكومية ، وتفرغ للدرس ، والتف حوله نوابغ الطلبة الذين تصدروا للعلم في الجيل التالي ، كشيخ الاسلام ابن دقيق العيد ، وعلاء الدين الباحي، وهبة الله الققطى ؛ فهو يدرس فقه الشافعية ، ويتحلق حوله الطلبة يناظرون ويتفقهون ويستفتون ، والشيخ في بيته يحضر دروسه ، وفي المسجد يلقي دروسه ، وكلهم معجب بصفاء ذهنه ، وصدق نظره في الاستنتاج الفقهي ، وسعة اطلاعه . وفي لحظة إعجاب قال تلميذه " ابن دقيق العيد " : إنه " سلطان العلماء ، فصادفت هوي من نفوس السامعين وشاعت على الآلسنة ولبست الشيخ ، كما قرر صديقه أبن
الحاجب أنه أفقه من الغزالي . وأصبح الشيخ مصدر حركة علمية واسعة في مصر ، في الفقه والتوحيد والتصوف . وتأتيه الأسئلة الدينية من الأقطار الاسلامية فيفتي فيها . ويخطئ مرة في فتواه ، فيرسل من ينادي في مجتمعات الناس : إن الشيخ افتي بكذا ، فلا يؤخذ به لأنه قد اخطأ في الفتوى .
ولكن اضطربت البلاد بغزو الصليبيين لمصر ، فجمع لويس التاسع ) ملك فرنسا ( الجنود ، وأعد الأسطول ، وقاد ذلك كله بنفسه ، وإذا بسبعمائة قطعة صليبية محملة بالجنود وآلات القتال تظهر أمام دمياط ، فيهرع أهلها إلي المنصورة . وتأتي الأخبار إلي مصر بأن الصليبيين اخذوا برج السلسلة ) وهو برج عال مبني في وسط النيل ، ومن ناحيتة سلسلتان عظيمتان إحداهما تمتد منه إلي دمياط ، والآخرى منه إلى البحيرة ، تمنع كل سلسلة عبور المراكب من ناحيتها ، وكانوا يسمون - بحق - هذا البرج بسلاسله " قفل الديار المصرية " ونزل الصليبييون دمياط ، وتوجهوا إلي المنصورة .
تحول الشيخ عز الدين من عالم مدرس في المسجد إلي خطيب في المجتمعات ، يحرض على القتال ، ويؤلب المسلمين على الصليبيين ، ويستحث الأمراء على السرعة في الإعداد ، والشعب علي الامداد ، ويقوم بما تقوم به الآن الدعاية ، مع فارق واحد ، وهو تأسيس الدعاية إذ ذاك على العزة الدينية والغيرة الاسلامية
وها هي الدعوة تستجاب ، والعدة تعد ، وينضم إلي جيوش الأمراء والمماليك وجنودهم طائفة كبيرة من العربان ومن عامة الشعب المصري . وإذا الشيخ عز الدين - الرجل الأشيب المسن - يسافر مع العسكر إلي المنصورة ، وينضم في صفوفهم ، ويخطب فيهم ، والجنود إذا رأوه ازدادوا حماسة وقوة ، وامتلأوا أملا في الله ، وعقيدة في النصر .
حارب المسلمون في البر والنيل ، وانكسر الصليبييون ، وأسر لويس التاسع واعتقل في دار ابن لقمان القائمة بالمنصورة إلي اليوم ، وبعثت الكتب إلي الامصار تبشر المسلمين بالظفر بالعدو وتقول : " وكان قد استفحل أمره ، واستحكم شره ، وبئس العباد من البلاد ، والأهل والأولاد ، فنودوا : لا تيأسوا من روح الله . . فانتصرنا عليهم ، فتركوا خيامهم واموالهم واثقالهم . . وما زال السيف يعمل في ادبارهم عامة الليل ، وقد حل بهم الخزي والوبل ، فلما اصبحنا قتلنا منهم ثلاثين الفا ، غير من ألقى نفسه في اللجج ، وأما الأسري حدث عن البحر ولا حرج ، وطلب الفرنسيس ) لويس التاسع ( الأمان فأمناه ، وأخذناه وأكرمناه ، وتسلمنا دمياط بعون الله وقوته ، وجلاله وعظمته
ورجع الجيش ظافرا منصورا ، وعاد الشيخ عز الدين فرحا مسرورا .
يتبع

