الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 180الرجوع إلى "الثقافة"

صور تاريخية :، ٣ - سلطان العلماء

Share

للأستاذ أحمد أمين بك

التاريخ يعيد نفسه ، فقد نبتت فكرة استعانة الخلفاء بالموالي من الأتراك وغيرهم في العصر العباسي ، يجندونهم أيام الحرب ، ويتخذونهم زينة لهم وأبهة لملكهم أيام السلم . يخضعون بهم الخارجين عليهم لما عرف من بأسهم ، ويتخذونهم عدة لهم في أيام شدتـهم   وبدأ يفعل ذلك المهدي والرشيد ، واستكثر منهم المعتصم ، حتى ضاقت بهم بغداد ، فاتخذ لهم مدينة سامراَ ، وما زالوا يقوون ويستولون على شئون الدولة شيئا فشيئا حتى صاروا كل شئ ، ولم يبق للخلافة شئ .

كذلك فعلت الدولة الأيوبية ، فاستكثر منهم صلاح الدين الأيوبي وأخوه العادل ، ثم من أتي بعدهم ، حتى بالغ الصالح نجم الدين أيوب في ذلك ، وحتي كان كل عسكره من هؤلاء الموالي ؛ ثم ضاقت بهم القاهرة كما ضاقت بغداد بإخوانهم من قبل ؛ فاتخذ الصالح أيوب لهم مكانا في الروضة إزاء المقياس ، ثم استفحل أمرهم أيضا ، فكان لهم الملك والسلطان ، وزالت على أيديهم دولة الأيوبيين .

كان هؤلاء الموالي من ترك وتركمان وأرمن وروم وجركس وغيرهم . وكانوا يصلون إلى ايدي الأيوبيين إما من طريق الأسر في الحروب ، وإما عن طريق تجارة الرقيق . وكانت تجارة رابحة واسعة منظمة ، تستخدم في ذلك البر والبحر ، ويورد النخاسون من الرقيق أشكالاً والواناً ؛ فهؤلاء جنود ضخام شداد يصلحون للقتال في البر والبحر ، وهؤلاء غلمان حسان يملكهم الأمراء

ويلازمونـهم ، وهم يتجملون في الملابس ويتزينون تزين النساء ، ويفتنون الناس بجمالهم وزينتهم ، وهؤلاء جوار كاللآلي ، عيون تجل وشعور شقراء وبياض مشرب بحمرة وقدود حسان . والبريد كل حين يحمل ما يتمني الأمير من مماليك وجوار ، والمراكب تحمل المئات من هؤلاء وهؤلاء .

وقد كثرت في تلك الأيام هذه التجارة ، لأن غزو التتار قد هيج هذه البلدان ، واوقع بالترك والجفجاق والروس والارمن ، فشرد سكان هذه البلاد ، وخرجوا هائمين على وجوههم ، فمنهم من قتل ومنهم من سبي ، وكثير ممن سبي شحن إلي مصر بلاد الغني والترف والرخاء ، وهي التي تقوم الجندية وتقوم الجمال .

يأتون كلهم إلي مصر ولا يعلمون شيئا من العربية ولا من الاسلام ولا من تقاليد الأمة ، فيأخذ الأيوبيون في تعليمهم كل ذلك ، والجند يمرنـــون على المناضلة بالسهام والمسالحة بالسيوف والرمي في البر والبحر . والغلمان والجواري يمرنون في القصور حتى ترق حاشيتهم وتهذب طباعهم وتصقل عاداتـهم ؛ فما هو إلا قليل حتى يملكوا زمام الأمور في الحكومة ، وزمام الأسر في البيوت ، ويرقي الملوك حتى يكون السلطان او نائب السلطان ، وترقى المرأة حتي تكون شجرة الدر . ثم هؤلاء المماليك ينقسمون أقساما ويتشعبون شعبا ، ويختلفون نسبا ؛ فهؤلاء العزيزية مماليك العزيز عثمان بن صلاح الدين ، وهؤلاء الصالحية نسبة إلى الصالح نجم الدين الخ  , وكل فرقة تتعصب لسيدها وتتحزب ضد خصمها .

أصبح الناس في مصر في ذلك العهد - عهد آخر الدولة الأيوبية وعهد المماليك - ينقسمون قسمين متميزين : عنصر المماليك من أتراك وأرمن وما إليهما ، وفي

يدهم أغلب المناصب الحكومية وأمر الجيش ، ومنهم أغلب الجنود . وعنصر الشعب المصري ، وهؤلاء هم الفلاحون والتجار والصناع ، وعلى الجملة هم القائمون بالحركة الاقتصادية في البلاد ، وأحيانا يـجند منهم جنود إذا اشتد الأمر وجد الجد . وهناك طبقة العلماء ، وهؤلاء يكادون يكونون حلقة الاتصال بين الطبقتين الأوليين ؛ فطبقة الشعب تحتاجهم في أخذ الدين والعلم عنهم والاستشفاع بهم عند الولاة والأمراء ، وإيصال شكاياتهم وتبليغ رغباتهم وما إلى ذلك . وطبقة الأمراء تحتاجهم في بعض المناصب الحكومية كالقضاء والخطابة والامامة ، وتحتاجهم في تنفيذ رغباتـها ، لأنهم مسموعو الكلمة عند الشعب ، فالشعب يطيعهم من قلبه ويطيع الأمراء من خوفه ، والأمر إذا جاء من قبل الدين فالناس له أطوع ، وقيادهم له أساس . من أجل هذا كانت تلتقي في العلماء رغبات الشعب ورغبات السلاطين والأمراء ؛ فإذا ضج الشعب من شيء وسطوا العلماء ، وإذا احتاج الأمراء إلي مال من الشعب وسطوا العلماء . وكان كثير من العلماء يخضعون للولاة والأمراء أكثر مما يخضعون لله ، فهم يتحسسون رغباتهم ليجاروهم في أهوائهم ، ويؤولون أوامر الدين ونواهيه حسب مطالب رجال الحكم ، ويقلبون صفحات كتب المذاهب ليعثروا علي قول لأحد الفقهاء يجاري رغبة الأمراء وقليل منهم قد باع دنياه لآخرته ، ورضا الأمراء لرضا ربه ، فلا يهمه ماله بقي أم صودر ، ولا تهمه حريته أطلق أم سجن ، بل لا تهمه نفسه حي أم قتل .

وكان صاحبنا عبد العزيز بن عبد السلام من هذا القليل الذي فني في الحق واخلص لدينه ، فلا يقدر عاقبة نفسه ، وإنما يقدر عاقبة أمته وموقفه بين يدي ربه .

لقد اشتد التتار في الغزو واجتاحوا البلاد ، ووصلوا إلي " عين جالوت " ولابد لمصر ان تقف أمامهم وترد كيدهم ؛ ولكن العدو شديد وعدده وفير ، والقوة لا تدفع إلا بالقوة ، والعدد بالعدد والعدة بالعدة ، وهذا يتطلب أن تبذل الأمة أقصي ما تستطيع من المال في سبيل المكافحة . والعلماء هم الذين يستطيعون ان يقنعوها بالانفاق عن طريق الدعوة الاسلامية والغيرة الدينية .

فهذا الملك المظفر سيف الدين قطز يجمع العلماء بحضرته ، وعلي رأسهم عبد العزيز بن عبد السلام ، ليتدبروا في المال كيف يجمعونه ، والعاطفة الدينية كيف يستفزونها ، فيقف الشيخ ويقول : " يجب أولا أن تخرجوا ما في بيوتكم من حلي لا حصر لها ، وما في بيوت امرائكم وجنودكم من الثياب المزركشة والمناطق المذهبة والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة في أيديكم وأيدي اتباعكم ومماليككم ، ثم تذيبوها وتضربوها نقودا وتنفقوا منها على إعداد الجيش وتموينه ؛ فإذا تم ذلك واحتجتم إلي مال بعد فكلنا على استعداد - إذاً - أن نطلب من الناس أن ينفقوا ومن العامة أن يخرجوا مما في أيديهم . أما أن تبقوا علي ما في أيديكم من أنواع الترف والسرف ، ونطلب من الناس أن يتبرعوا بما في أيديهم من ضرورات الحياة فلا . يجب أن يسوي الأمراء بالرعية فيما يملكون ، فإذا تساووا وجب الانفاق من الجميع " وإذا قال الشيخ لا فلا ، ولا رجعة فيها ، والأمة وراءه .

فاضطر الملك أن ينفذ ما قال ، فخرجت الأكداس المكدسة من الحلي والثياب المزركشة . وانتزع الذهب والفضة من السيوف والأواني ، وصيغ سكة فكفت وأغنت ، ولم يحتج إلي أن يمس الناس في شيء من أموالهم .

ثم كانت الحادثة العجيبة الجريئة التي أقامت الدنيا وأقعدتها ، هؤلاء جماعة من المماليك دفعت أثمانهم عند الشراء من بيت المال ثم لم يعتقوا ، والشيخ في منصب القضاء والمشرف علي بيت المال ، والمسئول عن مال المسلمين وصحة الأحكام الشرعية ، وهؤلاء المماليك أصبحوا أمراء بارزين وبيدهم الحل والعقد ، ومنهم من بلغ أن يكون نائب السلطنة ، وجاههم عريض وأمرهم نافذ ، ولكن الشيخ لا يأبه بذلك كله ، ويحدث ازمة حادة قل أن يكون لها مثيل : أعلن الشيخ أنـهم أرقاء لا يصحح لهم بيعا ولا شراء ولا زواجا ، فتعطلت مصالحهم ؛ فهم إن ملكوا لا يسجل لهم ملكا ، وإن تزوجوا لا يعقد لهم زواجا ، ثم هم اهينوا في انفسهم وشرفهم وجاههم بدعوى رقهم ؛ ولكن الشيخ واقف وقفة الأسد لا يلين ولا يتزحزح .

- وما الحل أيها الشيخ ؟ - الحل أن يباعوا في الأسواق ويتزايد الناس في

شرائهم ، ومن ملكهم إن شاء أعتقهم وإن شاء استرقهم ، وثمنهم يدخل في بيت مال المسلمين كما خرج منه

- هذا غير معقول . نائب السلطنة يباع ؟ ومن هم أسياد البلد يصبحون عبيدا كالسلع يباعون ويشترون ؟ هذا ما لا يكون ولا يدخل في عقل !

الشيخ - هذا حكم الله وكلنا عبيده وعبيد أحكامه ، وأنا القيم على تنفيذها :

والمسألة كل يوم تتسع وتتحرج ، وينقسم الناس حزبين : طبقة الأرستقراطية والحكام والسلطان في جانب ، والشعب وعلى رأسه الشيخ في جانب ، والمجالس تعقد والأزمة تستحكم ، والحلول تعرض ، والشيخ يأبي إلا بيع الأمراء .

غضب السلطان واحتد على الشيخ ، وأعلن أنه لا يعمل برأيه .

ها هي الحمير تعد ، ومتاع الشيخ يزم ، والشيخ يعتزم الخروج من مصر كما خرج قبل من الشام . ويطير الخبر ، فيعتزم كثير من الأعيان والعلماء والتلاميذ الخروج مع الشيخ والرحيل معه متى رحل ، والإقامة معه حيث يقيم ؛ وإذا البلد في حركة عجيبة وفوران شديد ؛ وإذا طائفة كبيرة من العلماء والصلحاء والتجار بنسائهم وأولادهم وأمتعتهم يستعدون للرحيل ، وإذا العزم يصبح تنفيذا ، فها هي قافلة كقافلة الحج تخرج من مصر .

وينظر السلطان فيري أن خير من في البلد راحل من مصر ، وان مصر لا تصلح بعد خروجهم ، وان من بقى بعدهم باق على مضض ، فكيف يستقيم ملك مع هذا كله ؟ فإما أن يرجع الشيخ وإما أن يضيع الملك . لا بد مما ليس منه بد - هذا السلطان يخرج مسرعا ويلقي الشيخ في طريقه فيستسمحه ويرجوه في العودة ، فيأبي الشيخ إلا أن ينفذ البيع في الأمراء ، فيقبل السلطان ويعود الشيخ

علم نائب السلطنة أنه سيباع فيمن يباع ؛ فهاج وغلي الدم في عروقه ، واعتزم ألا يتم ذلك بأي وسيلة ، فركب فرسه وجرد سيفه ، وقصد إلي الشيخ يحتز رأسه وقرع الباب ، وأبلغ الشيخ أن نائب السلطنة حضر وسيفه مسلول يريد قتله ؛ فنزل الشيخ في هدوء واطمئنان وثبات ، وهو يقول : " أنا أقل من أن أقتل في سبيل الله " فما رآه نائب السلطنة حتى تمازجت في نفسه مشاعر مختلفة : هيبة الشيخ ووقاره ، والخوف من نقمة الناس وهياجهم عليه حتى لقد يفقد نفسه ، والرحمة على

شيخ مسن لم يقل ما يقول شهوة لنفسه ، ولكن إرضاء لدينه ؟ فيبست يده على سيفه ، وتخاذلت عزيمته وعاد كما أتى .

هذا هو مجلس البيع يعقد ، وهؤلاء هم الأمراء ينادي عليهم ، وهذا هو الشيخ يقبل ثمناً ويرفض ثمناً ، حتى يبلغ ثمن المثل ، وهذا هو يقبض المال ، وهذا هو يودعه في بيت مال المسلمين ، وهذا هو يبلغ ذروته في المجد والعظمة ، ويحتل في نفوس الناس مكاناً لا يحتله أحد من بعده .

لقد مات الشيخ فخرجت مصر تشيعه ، وتشيع الصلابة في الحق ، والعظمة في الدين ، والاخلاص للعقيدة . ويطل الظاهر بيبرس ، فيري مصر وراء جنازة الشيخ وقلبها يتفجع لفقده ، فيلتفت إلي بعض خواصه ويقول : " اليوم فقط طاب ملكي " ( تمت )

اشترك في نشرتنا البريدية