الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 600 الرجوع إلى "الثقافة"

صور خاطفة لشخصيات لامعة، عن ديل كارنيجى

Share

-١- ه . ج .ويلز

منذ ثمانين عاما تقريبا كانت جماعة من الصبية تلعب فى شارع من شوارع إحدى الضواحى المعروفة للندن . وبينما هم يلعبون إذا حادث يقع .. ذلك أن واحدا منهم ضخم الجسم أمسك بزميل له ضعيف التكوين ضئيل البنية ورفعه بين ذراعيه ثم قذف به إلى أعلى وتركه يسقط على الأرض فكسرت ساقه.

واضطر برتى ويلز إلى أن يرقد فى فراشه شهورا طويلة دون حراك .. وعولجت ساقه ولكنها لم تعد إلى ما كانت عليه ، واضطر الأطباء إلى كسرها من جديد ، فكانت تجربة مخيفة مؤلمة لبرتى الصغير .

كان الجميع ينظرون إلى الحادث وقتئذ نظرتهم إلى مأساة ، ولكن برتى عاش ليشهد الكثير من المآسى غيرها . وقد أصبح فيما بعد واحدا من أشهر المؤلفين فى هذا العالم .. واسمه كما تعرفه أنت ليس هو برتى ، ولكنه هربرت جورج      ويلز أو ه . ج . ويلز. وربما تكون قد قرأت له بعضا من كتبه فمؤلفاته تتجاوز خمسة وسبعين مجلدا ، وهو يصرح بنفسه قائلا بأن كسر ساقه هو أسعد حادث مر به فى حياته . لماذا ؟ لأن ذلك اضطره إلى المكوث فى داره عاما كاملا فقرأ كل كتاب وقع تحت يده ، لأنه لم يجد شيئا آخر يفعله . وكانت النتيجة أن شغفه بالكتب تكومن وتعلقه بالأدب زاد ، وتغير ويلز كلية ، وشعر كأنه قد بعثت فى نفسه روح جديدة ،

فصمم على أن يعلو بنفسه عن الحوادث والمظاهر التى تحيط به . فكان الكسر الذى أصاب ساقه نقطة التحول فى حياته .

وأصبح ه .ج . ويلز من أكثر المؤلفين ربحا من أعمالهم ، فكسب مائتى ألف جنيه من مؤلفاته ، على أنه نشأ فى بيئة فقيرة كل الفقر . فقد كان أبوه صاحب متجر صغير على وشك الإفلاس وممرنا بسيطا فى لعبة الكريكت . وقد ولد ه . ج .ويلز فى غرفة نوم بسيطة مقامة على متجر والده . وأما المطبخ فكان أسفل المتجر ، مظلما كل الإظلام قذرا كل القذارة . والضوء الوحيد الذى كان من الممكن أن يدخله مصدره ثقب فى الرصف فى مستوى أعلى من مستوى المطبخ، ومن أقدم ما يذكره ويلز من حوادث صباه جلوسه فى هذا المطبخ المظلم ومراقبته لأرجل الناس المارين على الرصيف فوقه . وقد كتب فيما بعد فى أحد مؤلفاته أنه تعلم كيف يحكم على الناس بالنظر إلى الأحذية التى يلبسونها .      وأخيرا أفلس المتجر وتخبطت العائلة واختلط مصيرها .

فاضطرت الأم إلى العمل كمدبرة لمنزل بمقاطعة سومكس والمعيشة مع الخدم . وكان ه . ج . ويلز يزورها مرارا هناك . فكان ذلك بداية إشرافه على الطبقة الراقية الإنجليزية وإن كان إشرافه عليها من ركن الخدم .

وبدأ هذا الصبى الذى قدر له أن يؤلف فى المستقبل معالم تاريخ الإنسانية يعمل فى متجر للأصواف وهو فى الثالثة عشرة من عمره . وكان عليه أن يستيقظ فى الخامسة كل صاح فيكنس المتجر ويوقد النار ويعمل أربع عشرة ساعة كل يوم . وكان عملا تافها يثير احتقاره وسخطه . وأخيرا طرده صاحب المتجر بسبب قذارة مظهره وإهماله وشغبه .

ووجد عملا فى معمل للكيمياء ولكنه فصل فى نهاية الشهر الأول . فاشتغل بمتجر آخر للأصواف ، ولما كان لا يجد بسهولة ما يسد رمقه فقد اضطر إلى الضغط على نفسه والاستمرار فى العمل مدة أطول . غير أنه كان ينتهز فرصة غفلة سيده فينتحى جانبا ليقرأ فى هربرت سبنسر .

ومر عامان فوجد نفسه غير قادر على الاستمرار فى هذا النمط من الحياة . فاستيقظ يوما من أيام الأحد وقطع ماشيا خمسة عشر ميلا ومعدته خاوية حتى يقابل أمه . وبكى أمامها وتوسل وهدد بالانتحار إن أعادته إلى المتجر . وكتب ويلز إلى ناظره القديم خطابا مؤثرا يخبره فيه بأنه تعس كسير القلب ، وأنه لم تعد له رغبة فى الحياة .

ودهش ناظر المدرسة لهذا الخطاب ، فرد عليه قائلا إنه يعرض عليه أن يعمل مدرسا . وهذه نقطة أخرى من نقط التحول فى حياته .

غير أن ه . ج .ويلز ، كان يقول فى مستقبل أيامه وصوته الرقيق المرتفع بأن حياته الشاقة فى المتجر، كان لها أكبر الفضل فيما آل إليه من رفعه ؛ ذلك أنه كان بطبيعته كسولا مهملا ، فعلمه متجر الأصواف كيف يعمل .

وبدأ يعمل كمدرس . وإذا كارثة تقع كما يقع الانفجار المفاجىء ، فقد كان يلعب كرة القدم فى أحد الأيام ، وفى حدة اللعب وتوتره أصابته ضربة من أحد اللاعبين فسقط على الأرض فداست عليه الأقدام ، وكاد يقتل من الاختناق وبالألم .

وكان من أثر ذلك أن تلفت إحدى كليتيه وأصيبت إحدى رئتيه . وفقد الأطباء كل أمل فى شفائه . وعاش شهورا طويلة خائفا من أن يموت بين لحظة وأخرى ، فكانت الاثنا عشر عاما التالية كلها تعلق منه بالحياة ، تعلق الغريق باليد الممتدة إليه . وفى هذه الأعوام تكونت عنده المقدرة التى أذاعت اسمه فى جميع أنحاء العالم المتمدين .      ومكث بعد ذلك خمسة أعوام يكتب بحدة واندفاع

وشغف . ولكن ماكتبه من قصص ومقالات وكتب فى هذه الفترة كان سخيفا ككتابات الهواة . ولما كان عنده من صدق فى الشعور وذكاء فى النفس فقد أدرك ذلك كله فأحرق كل ما كتبه .

وأخيرا - وبرغم أنه كان مهدما كالأموات - التحق مدرسا مرة أخرى لعلم الحيوان . وفى فصله لقى فتاة جميلة تدعى كاترين روبينز، فشغف بها أكثر من شغفه بعلم الحيوان وكانت ضعيفة مريضة، وكذلك كان هو . وقد أرادا أن يستمتعا بأكثر ما يمكنهما الاستمتاع به ، فتزوجا على الفور .

كان هذا منذ خمسين عاما تقريبا ، وبدلا من أن يموت ويلز كما كان يتوقع ، استعاد صحته وقوته . وإذا هو يصبح من أكبر القوات المنتجة التى عرفتها الإنسانية ، فكان ينتج كل عام مجلدين ضخمين يتداول الناس قراءتهما فى جميع أنحاء العالم حتى انتهى نشاطه بموته عام ١٩٤٦.

لقد كان عقل ويلز يتوهج بالأفكار . وكان عادة يقوم من نومه فى منتصف الليل ليسطر أفكاره فى مفكرته . وأصبح لدى هذا الرجل الذى فصل فى صباه من متجر الصوف لكسله وإهماله ، معلومات وأفكار وآراء كان يستطيع أن يتخذها مادة لكتبه لمدة مائة وخمسين عاما .        كان بإمكانه أن يكتب بأى مكان ، فى المتجر بلندن ، فى القطار، أو تحت مظلة كبيرة على شاطىء البحر المتوسط .

وقد أجر لنفسه منزلين على ساحل الريفييرا الفرنسى ، خصص واحدا منهما للعمل فيه صباحا والثانى لمناقشاته مع زملائه وضيوفه مساء . فإذا لم يكن بمقدوره أن يستقبل هؤلاء الضيوف بنفسه بمحطة القطار فإنه يرسل إليهم عربة كبيرة لحملهم إليه .. وكانت ساعات ممتعة للجميع عندما يقضونها معا . فما أكبر ما فقدوه من لذة وما أعظم مالحقهم من خسارة عندما مات أخيرا ه ج . ويلز واختفى من العالم

اشترك في نشرتنا البريدية