الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 605الرجوع إلى "الثقافة"

صور خاطفة لشخصيات لامعة، لديل كارنيجى

Share

_5_

جوزفين

هذه هي قصة فتاة فقيرة ولدت في قرية من قرى جزر الهند الغربية ، وعاشت في مسكن قذر لا أثاث فيه ، مقام على مصنع لتكرير السكر ، قصة فتاة تزوجت أشهر رجل في تاريخ العالم .

اسمها الحقيقي ماري جوزيف روز ناشر لا باجرى ، ولكن " جوزفين " هو اسمها الذي اشتهرت به .

وهي أكبر من نابليون بستة أعوام ؛ ففي وقت زواجهما كانت في الثالثة والثلاثين ، بينما كان هو في السابعة والعشرين . ولم تكن بالجميلة الطلعة ؛ فأسنانها رديئة ، ومعها طفلان من زوج آخر ، وهي فوق ذلك غارقة في الديون ، حتى كادت أن تدخل السجن من جراء ذلك . .

فعيشتها الأولى إذاً كانت صعبة تعسة ، غير أن ميزة بها مكنتها من النجاح . . وتلك هي خبرتها بمعاملة الرجال . . لقد كانت أرملة كثيرة التجارب ، وعندما قطع الثوار الفرنسيون رأس زوجها الأول وجدت جوزفين نفسها بلا عائل ولا مال . فبدأت - شأن الأرملة العاقلة - تبحث عن زوج جديد .

وأخبرتها إحدي صديقاتها عن نابليون ، ولم يكن فى ذلك الحين قد ارتقى سلم المجد جد ، وكان فقيراً لا مال عنده ، وقد عاد من حربه الأولى في طولون مصاباً بالجرب ، فاضطر إلى قص شعره كله ليتخلص منه

ولكن أصدقاء جوزفين أكدوا وبينوا لها ما يمكن

أن يكون لهذا الرجل من شأن وصيت . فأحبت أن تقابله  . .

ولكن كيف ؟ دبرت لذلك طريقة رائعة ، فأرسلت ابنها الصغير وعمره اثنتا عشر عاماً إلى نابليون يسأله أن يرد إليه سيف والده المتوفي . وبالطبع أجابه نابليون إلى طلبه ، فإذا بجوزفين تأتي إليه في اليوم التالي تشكره والدموع في عينها على رقته وفضله

وتأثر نابليون بشخصيتها وسحر بفتنها الغربية . ولما أدرك أنها ذات مركز اجتماعى كبير قبل دعوتها إياه إلى منزلها بسرور وفرح عظيمين . . وأثناء تناوله الشاي معها أخبرته أنها تعتقد أنه سيصبح أكبر قواد التاريخ شأناً . . وبعد ثلاثة أشهر أعلنت خطبتهما .

وكان نابليون دقيقاً في حساب وقته ، وكان شعاره " الوقت هو كل شئ " . وقال مرة : " قد يحدث فأخسر معارك ، ولكن لن يراني أحد أخسر دقائق " ومع ذلك ففي حفلة العرس تأخر ساعتين ، ولما وصل وجد الكاهن قد نام بعد أن مل الانتظار .

وبعد ثمان وأربعين ساعة من الزواج غادرها نابلبون على رأس جيشه إلي إيطاليا . . وكان الجيش جائعا مهلهل الثياب ، ومع ذلك فقد انتصر في مواقع هزت القارة الأوربية جميعها . فلم يحدث أن شاهدت أوربا حرباً كهذه منذ ألف عام ،

والغريب في الأمر أن نابليون في ساحة القتال كان يجد من الوقت ما يسمح له بكتابة خطاب كل يوم لجوزفين . . ويالها من خطابات حارة ملتهبة . . لقد بيع ثمانية منها بالمزاد

العلني في لندن عام ١٩٣٣ باريعة آلاف جنيه . وقد قرأت بنفسي هذه الخطابات وأري أنها تستحق المبلغ . فنري مثلا : عزيزتى جوزفين

إن ذلك الحب الذي بعثتيه في قلبي قد سلبني إدراكي تماماً ، فلم أعد أجد لذة في الأكل ولا راحة في النوم . . لم أعد أهتم بأصدقائي أو أعبأ بالمجد . . والنصر لا أقدره إلا لأنه يسرك . . فإن ترامي إلي أن النصر لم يعد يثير إعجابك وسرورك لتركت الجيش وأسرعت عائداً إلى باريس لارتمى عند قدميك

لقد أثرت في نفس حباُ لا حد له وخالط عقلي ما يشبه الجنون . ولا تمر ساعة إلا نظرت إلي صورتك . . ولا تمر ساعة إلا وغمرتها بالقبلات !

وبنفس هذه الروح سطر خطاباته الأخرى إليها . . ومع أن الكثيرات من النساء يقبلن ان تقطع أذرعهن في سبيل خطابات كهذه ، إلا أن جوزفين لم تكن لتعباً بها . فقد كانت مولعة برجل آخر ، مما أثار حفيظة نابليون ، وخاصة لأنها لم تكن تهتم بالرد عليه إلا نادراً .

ولما نفذ صبره إزاء جمودها نحوه وإهمالها إياه اتخذ عشيقة شقراء له أثناء حملته على مصر . . وكانت تصل إلى جوزفين في باريس الأنباء عن زوجها وعشيقته .

وعند عودة نابليون إلى فرنسا كان عليها تكفر عما جنته ، فصارحها نابليون برأيه فيها . وردت عليه برأيها فيه ، وانتهي الصدام بينهما بأن طردها من غرفته وأوصد بابه .

وأحاطتهما المشاكل والحزازات العائلية ؛ فجوزفين أرقي تربية وثقافة من أخوات نابليون اللواتي كن يعتقدن أن جوزفين تحتقرهن لذلك مما أثارهن عليها . وأقسمن ليتخلصن منها إلى الأبد ، فأثرن حولها السخريات والفكاهات وأطلقن عليها اسم " المرأة العجوز " وحرضن نابليون على طلاق هذه الزوجة السمينة الشمطاء والزواج من امرأة أصغر سناً .

ولكن هذا كله لم يمح من قلب نابليون حبه لامرأته ، فلا سبيل لانقضاء هذا الحب  .

وعلى أية حال فقد قر قراره فيما بعد على طلاقها وذلك لسبب واحد فقط : وهو رغبته في أن ينجب وريثا له . وقد حز في نفسه هذا الطلاق حتى إنه بكي وهو يوقع الوثيقة ، واعتكف في قصره ثلاثة أيام بعدها يحملق في الأفق رافضاً أن يقابل أحداً أو يقوم بعمل . وبعد الطلاق بوقت قصير تزوج ماري لويز النمساوية .

وقد نشأت ماري لويز شأن جميع النمساويين على كراهية نابليون ، وقد دعت ربها أن ينقذها من هذا الزواج ، غير أن أباها أصر ودفعها إلى الزواج من نابليون لأسباب سياسية . ولم تهتم ماري لويز يزوجها كلية ، ولما بدأت أمبراطوريته في التفكك هجرته وبدأت تحمل ابنها على كراهية أبيه .

لقد كانت جوزفين أول حب لنابلبون وآخر حب له وأكثر غرامياته قوة . ولما ماتت زار قبرها وقال وهو  يبكى :

" ما كانت جوزفين لتهجرني إذا ما رأتنى أسقط " . وكان اسمها آخر كلمة نطق بها وهو على فراش الموت .

اشترك في نشرتنا البريدية