٤ غاندى
يجلس الرجل الضئيل الأسمر بثوبه الأبيض على حصير صغير بسيط الصنع ، ويرفض أن يتناول طعامه حتى تجاب مطالبه أو يموت ، فإذا العالم يهتز وإذا الصحف تنتشر الخبر فى صفحاتها الأولى وتعنى بتفاصيل القصة . ذلك لأن الهانما غاندى من أبرز القادة فى عصرنا الحديث .
فأما بالنظر إلى ماله فغاندى رجل فقير ، إذا جنا ما لديه من متاع لم نحصل على أكثر من ثلاثة جنيهات . ومع ذلك فهو أقوى من جميع أصحاب الملايين الذين تقلهم الأرض .
وأما بالنظر إلى بنيته فغاندى رجل ضعيف ، يرفض أن يلجأ إلى القوة أو العنف ، ومع ذلك فتعاليمه وتأثيره الروحى أقوى وأشد اثرا من مئات البوارج .
إن شخصا من كل ستة أشخاص فى هذا العالم يعيش بالهند ، وقد عاش الأهالى هناك قرونا طويلة غافلين نائمين ، إلى أن أتى هذا الرجل الضئيل الضعيف الذى يزن أقل من مائة رطل ، فأيقظ مواطنيه وبث فيهم الروح وأشعرهم بما فى إمكانهم القيام به من جليل الأعمال .
لقد ترك من الأثر ما سيخلده له التاريخ أبد الدهر وثمة أشياء غريبة كثيرة عن هذا الرجل . فأسنانه صناعية يحملها معه فى كيس بثوبه الكتانى ولا يضعها فى فمه إلا عندما يجلس ليأكل . حتى إذا ما فرغ من طعامه أخرجها من فمه وغسلها ثم أعادها إلى كيسه من جديد .
وهو يتكلم الإنجليزية بلكنة إيرلندية فقد كان أحد مدرسيه ) إيرلنديا . وهو لا يلبس إلا هذا الثوب الكتانى البسيط . أما عندما كان يعيش فى إنجلترا فقد كان يلبس قيمة من حرير وبذلة ويحمل عصاه .
لقد تعلم فى جامعة لندن وتخرج فيها وكيلا للنيابة ، وعند ما ألقى مرافعته لأول مرة ارتعشت ركبتاه وغاض قلبه من الخوف حتى اضطر إلى الجلوس مضطربا مهزوما . ولما اشتغل بالمحاماة فى لندن لم يلجأ إليه أحد ولاقى خيبة اليمة
وكان أول ماحفظه بالإنجليزية على يد أستاذه الإيرلندى آية من الإنجيل كان يرددها كثيرا ليعتاد نطقها . ونصها : " اللهم بارك الودعاء اللبنيين . إنهم سيرثون الأرض . . اللهم بارك دعاة السلام . إنهم أبناء الله " . ما كان أعظم أثر هذه القطعة على نفس هذا الرجل .
وأرسل إلى جنوب أفريقيا ليقاضى هناك بديون جسيمة ، وقد حاول أن يطبق هذه الآية فى هذه البقعة من الأرض ، فنجح والتف حوله الناس وأحبوه ، لأنه فض منازعاتهم بطرقه السلمية ، فلم تعد بهم حاجة للالتجاء إلى القضاء ووفروا الوقت والمال . . وبذلك كان يحصل غاندى على ثلاثة آلاف دولار كل العام ، وبدأ الودعاء اللبنون يرثون الأرض .
ولكن ، أكان سعيدا ؟ لا . . لأنه يعلم أن الملايين من مواطنيه يعيشون فى شقاء وتعاسة . . وقد شاهد الآلاف منهم يموتون من الجوع ، وبدا لعينيه أن النجاح الدنيوى
رخيص تافه ، فتخلى عن ماله وفضل الفقر ووهب حياته لخدمة الفقراء والمضطهدين .
وتضرع غاندى إلى الهنود أن يكفوا عن النسل عند ما رأى عشر سكان الهند يتضورون جوعا . اليس من الأفضل ألا يخرج إلى هذا العالم قوم جدد ليذوقوا الحاجة والحرمان ؟ .
وقد أجرى غاندى تجارب كثيرة لمعرفة الحد الأدنى للنفقة مع حياته حياة صحية . فأصبح يعيش على الفاكهة ولبن المعز وزيت الزيتون .
وقد تأثر غاندى بتعاليم أحد الفلاسفة الأمريكيين ، ويدعى دافيد ثورو . وقد تخرج ثورو هذا فى جامعة هارفارد منذ مائة عام ، وانفق مالا كثيرا فى بناء كابين له على شاطئ والدن بوند فى ماساشوسيت . وعاش هناك متنسكا زاهدا ، ورفض أن يدفع الضرائب ، فطورد وعومل بقسوة . . وأصدر حينذاك كتابا حرض فيه المواطنين على العصيان وعدم دفع الضرائب ، ولكن الناس لم يأبهوا له .
وبعد خمسة وسبعين عاما قرأ غاندى كتابه فصمم أن يتبع تعاليم ثورو فى الهند . ولما وجد أن انجلترا لم تف بوعدها ولم تمنح الهند استقلالا ذاتيا حرض الهنود - لكى يعاقب انجلترا - على عدم دفع الضرائب ، مفضلا لهم السجن . وطلب من مواطنيه أن يقاطعوا البضائع الإنجليزية . ولما فرضت انجلترا ضريبة على الملح لجأ غاندى وأتباعه إلى البحر يستخرجون منه الملح اللازم لهم .
وفى الهند وجد غاندى ستين مليونا يعدون - حسب الدين الهندوسى - من المنبوذين . فما معنى ذلك ؟ فلنفرض أنك تعيش فى الهند ، وأن أجدادك عدوا منذ ألفين من السنين من المنبوذين حسب الدين الهندوسى . معنى ذلك أنك تصبح اليوم أيضا من المنبوذين . وعلى روحك أن تكفر عن خطايا أجدادك الذين ارتكبوها منذ عهد بعيد ، ويحرم عليك أن تشرب من الماء الذى يخرج من بئر القرية ، فإذا أردت أن تشرب فعليك أن تلتمس ماء فذرا من ترعة
مهجوة بعيدة عن العمران ، ويرمقك الناس باشمئزاز وكراهية ، حتى إنك لا تجرؤ أن تدخل متجرأ لشراء حاجاتك ، فعليك أن تمكث خارج المتجر حتى يقذفوا لك بما تريد .
وليس بإمكانك أن تلجأ إلى القضاء أو تدخل مدرسة أو تسير فى مدى خمسمائة قدم من الطريق العام ، وإذا مر ظلك بطعام اعتبر غير صالح للأكل واتلف .
تذكر أن بالهند ستين مليونا من هؤلاء ، يعيشون اليوم حياة مؤلمة قاسية هى من أكبر المآسى التى يواجهها عصرنا الحديث . وقد خصص غاندى حياته يحارب فى سبيل استعادة حقوقهم ، فتبنى إحدى الفتيات المنبوذات ورباها كابنته .
الملايين تنظر إلى المهاتما غاندى كقديس ، ويعتقد البعض أن روح أحد الآلهة الهندوس قد حلت به . . فى ذلك العالم الذى تشبع جوه بالحقد والشر ، والآنانية عاش ذلك الرجل الذى لا يريد شيئا لنفسه ، والذى ضحى بحياته كى يمكن للآخرين الحياة .

