- ٢ - لينين
أريد الآن أن أحدثك عن رجل مات منذ خمسة وعشرين عاما فقط ، ومع ذلك فإنك تجد مائة مليون نفس تنظر إليه الآن نظرتها إلى القديسين والأبطال ، وتجد مدينة كبيرة يبلغ سكانها سبعمائة ألف نسمة قد سميت باسمه تمجيدا له وتخليدا لذكراه .
هذا الرجل يدعى لينين ، الذى أجرى فى روسيا أعظم تجربة لنظام اقتصادى ربما كان له بعض الأثر عليك أو على سكان العالم أجمعه .
كان لينين ضئيل الجسم أصلع الرأس مجعد الوجه ، وكانت ساقاه قصيرتين حتى إن قدميه لا تكادان تلمسان الأرض إذا جلس على مقعد .
ولم يعن لينين قط بمظهره الخارجى ؛ فسرواله بادى الطول ، وانفه أفطس قليلا ، وإحدى عينيه بها حول ، وربما لم يلبس فى حياته قبعة من حرير أو معطفا فاخرا .
وكانت حياته الزوجية مثالا للحياة السعيدة الهادئة ، وكانت زوجته تحبه كل الحب ، حتى إنها رفضت ان تتخلى عنه عندما نفى من البلاد ، فصممت على الذهاب معه للعناية به والسهر على راحته .
ولما كثرت أوقات فراغه وهو فى منفاه بسيبيريا عكف على لعبة الشطرنج حتى أصبح من أمهر لاعبيها . وكان فى إمكانه أن يلعب - فى وقت واحد - أدوارا عدة . وبلغ من ولعه بهذه اللعبة أنه كان يلعبها مع أصدقائه بواسطة البريد .
كان وهو فى صباه جادا عبوس الوجه حزين النفس ، لا يشترك فى لعبة رياضية ولا ينضم إلى زملائه فى لهوهم .
فلما تقدم به العمر لم يشعر بميل إلى الموسيقى أو الشعر أو الدين ، ولكنه درس القانون وتعلم ثلاث لغات : الفرنسية والألمانية والانجليزية إلى جانب الروسية .
وقد أعدمت الحكومة الروسية أخاه لأنه دبر مؤامرة لاغتيال القيصر اسكندر الثالث. ونفت لينين نفسه بعد ذلك لأفكاره الثورية إلى مدينة صغيرة فى سيبيريا الشديدة البرد . وهناك شاهد لينين بعينيه تعاسة الفلاحين الروس وفقرهم المدقع . فلم يكن بإمكانهم أن يأكلوا اللحم إلا فى الأعياد الدينية الكبرى ، أى أنهم لا يذوقونه سوى عشرين مرة كل عام .
وفى أثناء المجاعة الكبرى عام ١٨٩١ عندما هلك الملايين من الفلاحين بسبب الجوع وانتشار التيفوس والكوليرا ، رأى لينين واعتقد اعتقادا صارما أنه لاسبيل إلى علاج هذه الحالة إلا بخطوات ثورية ، ومن هذا الوقت أصبح ثوريا يتأجج تحمسا .
والخمسة والعشرون عاما التالية كانت كلها اضطهادا له وتجسسا عليه .. فكان لا يحل فى بلدة إلا طردوه منها ؛ فعاش تارة فى ألمانيا وتارة فى النمسا ، وتنقل من فرنسا إلى بولندا ، ومن سويسرا إلى انجلترا . وكان فى لندن يمكث ساعات طوالا أمام مقبرة كارل ماركس أبى الاشتراكية الحديثة .
ولكى يتجنب القبض عليه كان يتنكر أحيانا فى زى فلاح أو بحار أو عامل فى مصنع . وكان تارة يضع شاربا مستعارا على وجهه ، وتارة يلبس زى النساء . وكان يحرص دائما على أن يكون بحقيبته حيز خفى يضع به أوراقا سرية ووثائق خطيرة . وكان أحيانا يضع هذه الأوراق والوثائق فى حديقته ويزرع فوقها أشجارا للفلفل والكرنب . وقد كتب أحد كتبه الثورية بالسجن . ولكى لا يكشف
أمرها أحد كتبها باللبن بدلا من الحبر . فلا تقرأ سطورها إلا بعد غمسها فى الماء الساخن . وقد أوصى تلاميذه بالكتابة إليه بنفس الطريقة . فإذا ما وصلته خطابات منهم من هذا النوع طلب من سجانه قدحا من الشاى .. وعندما يدير السجان ظهره يغمس الخطاب فى قدحه ليتمكن من قراءته .
وأصبح لينين عام ١٩١٧ ديكتاتورا على روسيا وألغى الملكية الخاصة ؛ وأصبحت الدولة مالكة لجميع الأراضى والمنشآت . وهرب ملاك المقاطعات الكبرى يحدوهم الفزع , فوزعت أملا كهم على الفلاحين الذين انتهزوا فرصة هرب السادة فمزقوا طنافسهم وبسطهم الفاخرة وصنعوا منها احذية لهم واستولوا على أوانيهم النادرة وأثاثهم الثمين .
وفى الوقت الذى جاع فيه شعبه رفض أن يضيف إلى شايه قطعة من السكر لأن شعبه محروم من السكر . ويرغم أنه كان الديكتاتور الأعلى فى روسيا فإنه حرم نفسه من أبسط أنواع الكماليات . وقد حكم روسيا دون أن يكون لديه هيئة من السكرتارين. ولم يمل فى حياته خطابا على أحد . بل كان يكتب خطاباته بنفسه ، وكان يعمل من ثمانى عشرة ساعة إلى عشرين ساعة فى اليوم .
وبعد خمسة أعوام أصيب بالشلل وتصلب فى الشرايين وفقد القدرة على النطق ، فعادوا يعلمونه من جديد كيف يتكلم كما يعلمون الطفل . وشلت يده اليمنى فتعود الكتابة بيسراه .وجاهد مدة عامين كاملين فى سبيل التغلب على هذا المرض ، حتى واتاه أجله ، وكان يقول من حين لآخر : " ما زالت أمامى أعمال كثيرة أريد أن أؤديها . "
وترى الآن صورته معلقة فى كل منزل وفى كل مصنع وفى كل جمعية فى جميع أنحاء روسيا . وقد اعتاد الخبازون هناك أن يزينوا كعكاتهم بصورته ، واعتاد البستانيون أن يبذروا حبوبهم بحيث تفتح الأزهار على صورته ، واعتاد النساجون أن يطبعوا أنسجتهم بملامحه . والملايين يعبدونه كإله ، ويروى بعض الفلاحين أنهم رأوه يقوم من قبره ليساعدهم وينقذهم من مشاكلهم .
وجثته الآن موضوعة فى نعش من زجاج يحج إليها الجماعات من الحجاج .. ففى كل يوم يتقدم ألف من عابديه عارى الرءوس خاشعى القلوب ليلتمسوا من ذلك الرجل الذى فتح فتحا جديدا فى تاريخ العالم - البركة والقوة .

