هو لستاد مدينة يعرفها العلماء جيدا، وصلت إليها فى سفينة آنيسا من ذلك السكان الحزين المماوه بالغابات الذى بدعي ابرثروان. وقطعت المسافة في خمس وعشرين دقيقة ، وكان يصحب السفينة مجموعة من الفراش الأبيض أخذ يتخلل الشباب الذي كان يرتفع من سطح البحيرة.
وهو لستاد مدينة صغيرة لا يزيد سكانها عن تمانمائة تسعة. وذلك لأن البحيرة أمامها والحبل خلفها ، وهو جبل شديد الانحدار يحميها ويخنقها كما يفعل الحمتة عادة.
ويوجد شريط من الأرض المستوية بين شاطئ البحيرة وسفح الجبل وكذلك توجد أشرطة أخرى أضيق من هذا الشريط وأعلي منه بين الصخور . ثم يصعد
الحبل كالحائط بعد ذلك . وتتصل هذه الأشرطة بعضها ببعض بممرات ودرج ضيق . وتوجد فيها المساكن كما يوجد فيها حمام عام وكنيسة ومتحف ومقبرة . والقعرة هي مثار اهتمامنا .
وهذه المقبرة صغيرة . وقد لغت الحارسة نظري إلى صغر مساحتها في فخر . وظننت ان هذا يرجع إلى أن عدد الوتي قليل . ولكن هذا لم يكن سبب الفخر. وقالت الحارسة تشرح ذلك :
- لا يوجد متسع لجميع الموتي . فالأرض غير كافية فقلت : - ولكن ماذا تفعلون ؟ . - نفرغ المقبرة عند ما تمثلي ، ومن السهل أن تمثلى فترفع الحثث القديمة ، ونضع الجثث الجديدة .
قالت ذلك وأشارت بيدها إلى حديقة من الصلبان والزهور كنا نجتازها . فقلت :
- ولكن ماذا تفعلون بالجثث القديمة ؟ فأشارت إلي باب مغلق في الحائط بين الصخور وقالت : - هناك أتريد أن تدخل ؟ . وفتحت الباب ، وعلاني الدهش حال دخولى ، فقد رأيت مكانا غريبا مملوءا بالثقوب البيضاء. ثم تبيتث أنه مملوء بالجماجم .كلها بيضاء ، وضعت فى نظام على الرفوف كأنها زجاجات النبيذ في قبو الخمر ، فقالت الحارسة :
- يحفظ الجماجم هنا فننظفها بسائل خاص ، ونضعها فوق الرفوف ، فلا يأخذ الرأس إلا حيزا صغيرا والرأس كاف
وتبادر إلي ذهني مجموعة من الاسئلة ، بدر منى أهمها فقلت : - والنقوش ؟ - تعني الأسماء ، فالباقي لا بهم - أجل
- الأسماء عليها . فاقتربت من الجماجم ، فوجدت ملفوشا علي الجبهة فى حروف ظاهرة الأسم وتاريخين . ورأيت مرسوما حول بعضها حلقة من ورق الشجر الأحضر ، وعلى البعض الآخر حلقة من الزهور الحمراء . فقالت الحارسة :
- الأوراق الخضراء دليل علي أنها جماجم الرجال، كما أن الزهور الحمراء دليل على أنها جماجم النساء .
فقلت : كان يجب أن أفهم . ورأيت وسط هذا كتابا كبيرا مطويا فوقه خمس جماجم أوست عليها ورق أخضر ، وواحدة عليها زهر أحمر فقالت الحارسة :
- هذا هو الكتاب المقدس ، وهذه هي رءوس الرهبان ، والمرأة كانت راهبة
ثم لفتت نظرى إلى حجمة منقوش عليها صورة ثعبان بدلا من ورق الشجر أو الزهر ، وقالت :
- أثري هذه الحمجمة ؟ لقد مات الرجل بعضة ثعبان فقلت : هذا مفهوم .
وجلت جولة ثم خرجت . وبينما كنت أبتعد من هذا المكان الغريب خطر لى ألى إذا مت هنا فجأة ، فإنهم يرفعون الجلد عن جمجمتى ويجعلونها بيضاء بذلك السائل الخاص ، وينقشون عليها حاقة من ورق الشجر الأخضر . ثم نظرت إلى ساعتى فى قلق ،فوجدت أن فى الوقت مقسما ، وأن أمامي بضع ساعات أفضيها حتى الغروب حين ترجع السفينة .
القاسم واقترح على الشيطان فكرة . فرجعت إلي الحارسة ، وسألها إن كان الرجل الذي ينفش ورق الشجر والزهور الحمراء والتعابين في هو استاذ فأشارت المرأة إلي مكان أحمر وأخضر عند نهاية شريط المدينة . وقالت :
- هناك حديقة الخضراوات . ثم منزل البستاني ، إنه هو النقاش .
قصدت درجا وشارعا وحجارة ، ووصلت إلي حديقة
الخضراوات . ووجدت النقاش هناك بعد بعض الخضراوات ، ولا يختلف في شكله كثيرا عن القس في روما : عادي الشكل ، رتبب الحركات ، هادئ النظرة . ولم أعجب من وجوده في هولستاد ، فقد عرفت من زمن بعبد أن أعجب الأشياء لها منظر عادي . ولم يدهش من مقابلتى له .
وجلسنا علي مقعد من الخشب . وأخذ يجيب دون اهتمام كبير على أسئلتى عن الخضراوات أولا ثم عن الجماجم ، وبعد عشر دقائق كدت أفقد صوابي من العجب ، فلم أعد أجد في المدينة ما يثير الاهتمام ، ولم تصبح عادات الدفن عجيبة . وبدت لي مهنة هذا الرجل عادية أجد مثلها في المدن الأخر . ثم وقفت للذهاب ، وخيل إلى أن الشيطان كان يقف بجانبى وهو يشير إلى جبهة الرجل العالية . وأظن أنه هو الذي اقترح على أن أقول :
- ألا تظن أن ...؟ ثم توقفت. فقال : ماذا تظن ؟ فلم استطع أن أسترد سؤالى . وخجلت ، وانتظر الرجل متى أن أستمر . فقلت :
- بعد مائة سنة أو نحو ذلك . أنت . رأسك .. أعنى .. اثم توقفت
فسقط بيننا حائل من الصمت المروع ، ولم أستطع أن أحول بصرى عن عينيه . ورأيت شكل عينيه بشغير وكذلك لونها. ووجدتهما تتسعان وبشع منهما ضوء يأرد انتشر على وجهه ، فأضحي شكله غريبا يختلف عما كان عليه من قبل . وارتمشت شفتاء . وبدأ يتكلم ، فتحرك الصمت الذي وقف بيننا ، واحترفه بيبدء ، فأمسك بيدي ، وكانت بدء ساخنة ، فأحست بالألم
* وأخيرا وصل صوته ، فشعرت بالهدوء وما زال وجهه مضبئا بذلك الضوء البارد ، وبداء ترتعشان . ولكن صوته ظل عاديا . وقال :
لقد أعددت هذا وضغط علي يدي ثم تركها فاستعدت ثقتي بنفسي واستمر بقول :
- لقد أعددت هذا - أراحل أنت ؟ - أجل - ألا تخبر أحدا ؟ . - لا . وأقسم - تعال معي إذا وقادني إلي منزله ولم يكن إلا مطبخا وضع فيه فراشه ومنضدة صغيرة واخرج مفتاحا ، ونظر حوله نظرة فيها شك وشر . ثم فتح صوانا ومد ذراعه . ورفع قطعة من القماش الداكن ، فسكشف عن جمجمة بيضاء عليها حلقة من ورق الشجر ، وعليها الاسم وقال :
- هذا احمر لقد اعدرت جميعي فأحست بالنييان ، وتجحت بفضل إرادلي أن ابتعد قليلا . وحاولت أن ألحظ بعيني إذا كان الباب مفتوحا . وشعرت انه بنظر إلي . فنظرت اليه ، وانتظر مني ان المكلم ، فنظرت إلى الجمجمة ، وابتسمت عجهود جبار . وأخيرا نجحت في أن أقول :
- بوجد تاريخ واحد . - إنه تاريخ مولدي . عليهم أن يكتبوا التاريخ
وشعرت أنه يجب أن أسأل سؤالا آخر . فقلت : - وهل وجدت هذا سهلا ؟ فصاح : - سهل ؟ إنه اكتشاف عجيب وصلت إليه بعد دراسة طويلة مضنية .
- لا تؤاخذني أقصد هل أخذت منك العملية وقتا طويلا ؟ فهدأ وقال :
- إنها تأخذ ثلاث ساعات الطريقة التي اكتشفتها ، وهي ان اخلع الحجمة ، ثم اضع جمجمة اخري . إنها عملية قليلة الالم ، تحتاج إلى بعض الخروح غير الميقة ، أجم بها عشرط خاص وقد اخترعت هذا المشرط أيضا . وعند ما أجريت لنفسي هذه العملية وقفت أمام المرأة . واحتاج هذا إلى مجهود والمضاعف . تصور في بعد
إجراء العملية الناجحة سقطت على الأرض مغشيا علي ووجدتي بعد بضع ساعات ، وارسلوني لملاح ، لست أدري أين . وكدت خالا عند مارجت ألا أحد الجمجمة ، ولكني وجدتها لحسن الحظ في مكانها فنقشت عليها ما نري . ثم أكملت دراستي وأنا الآن استطيع القيام بهذه العملية لأي إنسان آخر بقليل من الألم .
فسألته : وهل أجريت العملية لإنسان آخر ؟ فاندفع يقول : مجموعة من الخمير . إنها بلاد الأغبياء الحبناء والماديين . لقد اقترحت إجراء العملية على المدة من ثمان سنوات قبل إجرابها لأي إنسان اخر احتراما له وتقديرا . وتطوعت بالقيام بهذا العمل دون اجر ؟ فصرخ في وجهي وأشاع أني مجنون . ثم اقترحت هذا على القسيس غرمني من الكنيسة . وثارت على المدينة بفضل هذين لرجلين واضطررت أن أقول إني كنت أضحك ، واحتفظت نفسي بسر اختراعي ، ولكني انتقمت .
فقلت : وكيف ذلك ؟ فقال في صوت منخفض : أراحل أنت من هنا ؟ - أرجو ذلك - ولن تخير أحدا ؟ . - أقسم لك قال : لقد مات الاثنان ، أحدهما بعد ستة اشهر من الآخر . فنقشت زهرا أحمر على رأسهما بدلا من الورق الأخضر
ثم تصحك مححكمة حوفاء وقال : - نساء في عالم الخلد . وساد صحت طويل . وحالت فيه ضربات قلبي دون تفكيري في الرحيل . وقطع الرجل الصمت فجأة ، وأمسك بذراعي وقال :
- أجبني أنا في حاجة إلي رجل غريب . أنت انت الرجل الذكي . سوف أجري لك العملية أجل . . سوف أقوم بها دون أجر . وسوف أنقش جمجمتك الآن .
وستحدث عنها بعد ذلك . ستقول إنها حقيقة واقعة وإنها اختراع عظيم .
- حسنا . أقول - سوف لا تتركني أنت أيضا ونثير أمامي الصعوبات وهزني بقوة فقلت : طبعا لا ولكن أخبرني . أنفضل إجراء العملية والعدة فارغة أم بعد الاكل ؟
فدهش الرجل من هذا السؤال وترك فراعي وقال : - المدة فارغة - يا بالأسف . لماذا ؟
فقلت ؛ لأني أكلت كثيرا قبل حضوري إلي هنا ، ولولا ذلك لأجربت العملية . ولهذا يجب ان تؤجلها إلي صباح الغد ، يا للأسف :
فوضع بدء على كتفي في عطف وقال : - لا بأس . كن صبورا ، انتظرت طويلا وتستطيع أن تنتظر إلي صباح الغد . ارجع عند شروق الشمس ، وسوف أقوم بها .
- حسنا يا أستاذ قلت هذا وأنا في منتصف الحجرة . - سوف أذهب للنوم وغدا صباحا أحضر نشيطا بعد الراحة
وكنت قد وصلت إلي الباب فقلت : - أشكرك إلي اللقاء غدا وعبرت الحديقة الصغيرة . وأسرعت دون أن أهتم بالدرج والممرات ، وجعلت اقفز فوق الخفر والصخور ، بينها كانت ظلال الحبال تمتد وتتلف الواري بالظلام . وتاراقي ناقوس السفينة بصوت خيل إلى أنه أذب من أنشودة جميلة . ثم وصلت إلي مرس السفينة وقفزت إلي داخلها .
وسارت السفينة وساد الظلام وانتظمت دفات قلبي ، ولما كن أري الفراش الأبيض الذي يصحب السفينة في هذا الظلام الحالك .
