الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 40 الرجوع إلى "الثقافة"

صور عن السياحة والتاريخ :, ألمانيا الهتــــــــــلرية كما عرفتها، تحقيق ومشاهدات واقعية، ٢- أمة فى طريق الجوع

Share

تعيش ألمانيا الاشتراكية الوطنية ( الهتلرية ) من الناحية الاقتصادية في ظل أنظمة مصطنعة تناقض في معظمها قوانين الاقتصاد المرعية . والإشتراكية الوطنية تسخر موارد الشعب الألمانى و ثرواته جميعا لبناء القوة العسكرية التي تحلم بأن تغزو بها العالم . وقد أرغمت من جراء ذلك على أن تلتجيء إلي القواعد والقيود الاستثنائية في كل ما يمس الاقتصاد الوطني . والمعروف أن موارد ألمانيا وثرواتها قد استنزفت خلال الأعوام الأخيرة في سبيل المعدات العسكرية ، وأن اقتصادها الوطني يقوم الآن على أسس مصطنعة واهية .

وليس من غرضنا أن ندرس في هذا الفصل نظم ألمانيا الاقتصادية ، وإنما نريد فقط أن نلقي نظرة عاجلة على مظهر من مظاهر هذه النظم ، وما أدت إليه من دفع الشعب الألماني إلى براثن الضيق والحاجة ؛ وأبرز هذه

المظاهر بلا ريب ، و أكثرها مساسا بحياة الشعب ، هو حالة التغذية والتموين ، وهي حالة تبعث اليوم إلى الشعب الألماني أعظم الوساوس والمخاوف .

وستعتمد في ذلك قبل كل شئ علي المشاهدات الواقعة . ومشاهداتنا في ذلك ترجع إلي العام الماضي ؛ وقد لاحظنا عندئذ في النمسا ألمــــــانيا أن الأطعمة فى نقص ، وأن الأصناف الممتازة أصبحت نادرة ، وأن الغلاء قد اشتد عن ذي قبل ؛ وقيل لنا يومئذ إن ذلك لا يرجع إلي نقص في تموين ألمانيا ، وإنما يرجع إلي ما تقوم به السلطات من تخزين المؤن نجوطا للمستقبل . أما في زيارتنا الأخيرة لألمانيا ( قبيل نشوب الحرب )، فقد شعرنا في الحال بأن أحوال التغذية قد ساءت إلي حد كبير ، وأن الشعب الألماني يعاني حقيقة أزمة ظاهرة من الشظف والحرمان . وكانت بعض الأصناف تصرف منذ أشهر بطريق البطاقات مثل الزبد والبن والشاي ، وكان الجمهور يتهامس بأن البطاقات ستشمل بعد أيام قلائل كل شئ ؛ وقد كان ذلك فعلا ، فمنذ ٢٦ أغسطس صدر نظام البطاقات شاملا لمعظم الأطعمة والحاجات الضرورية ، ووزعت على جميع أفراد الشعب الألماني ، وعلى الأجانب النازلين في ألمانيا ، وأمامنا نص القرار الذي صدر في هذا الشأن ، متضمنا للأصناف والمقادير ، وهذا بيان ما ورد فيه مخصصا لكل فرد من أفراد الشعب .

الصنف                                                    المقدار اللحم سواء بأصنافه العادية أو المقددة     ٧٠٠    جرام في الأسبوع منتجات البن أو الزيت أوالشحم            ٦٠     جراما في اليوم  السكر                                     ٢٨٠   جراما في الأسبوع المربى                                        ١١٠      ،     ،    ، ويمكن أيضا استبدال  المربى بالسكر بمقدار  ٥٥       ،     ،    ، الشعير اللؤلؤي والحب المجروش بأنواعه     ١٥٠      ،     ،    ، البن أو ما يقابله ( ٨/١ الرطل )            ٦٣       ،     ،    ، الشاي                                       ٢٠       ،     ،    ، اللبن                                         ٢٠, ٠   ،     ،    ،

(١) وللأطفال الذين أقل من ست سنوات علاوة على ما تقدم نصف لتر من اللبن في اليوم ، وذلك بناء على شهادة من السلطات المختصة ، فيكون أقصى ما يخصهم ٠,٧٠ من اللتر في اليوم .

( ٢ ) وللحوامل والأمهات المرضعات ٠,٣٠ من اللتر من اللبن ، علاوة على ما تقدم في اليوم . وذلك بناء على شهادة السلطات المختصة ، فيكون أقصى ما يخص الواحدة ٠ ٥ , ٠ من اللتر في اليوم .

( ٣ ) وللعمال الذين يزاولون أعمالا شاقة من الزيت    أو الدهن ٥٠ جراما في اليوم علاوة على ما تقدم ، و ٤٩٠   جراما من اللحم علاوة في الأسبوع ، أو بعبارة اخري لهم أن يحصلوا في الأسبوع على ١١٩٠ جراما من اللحم .

ونثبت حالة العمال الذين يزاولون أعمالا شاقة وفقا لنظام خاص . صابون الغسيل                                    ١٢٥   جراما كل أربعة أسابيع أو من صابون الزقر السائل                      ٢٠٠     ,      ,      ,      , أو من صابون الزينة                               ١٢٥    ,      ,     ,       ,   مسحوق الصابون                                ٢٥٠      ,      ,     ,      , أو صابون الزقر السائل                         ٢٠٠      ,       ,     ,      , أو صابون الزينة                                 ١٢٥      ,       ,     ,      , أو أية مواد أخرى للغسيل                     ١٠٠       ,       ,     ,      ,

أما عن الأقمشة فإنه يجب التزود بالبطاقات لشراء ما يأتى :

الثياب الخارجية للرجال والنساء - الثياب الداخلية

أغطية الفراش - اللوازم المنزلية - وكل ما بيع بالمتر .

كذلك يجب التزود بالبطاقات أيضا لشراء الأحذية والبضائع الجلدية .

والثياب والأحذية والبضائع الجلدية يمكن شراؤها إذا أقيم الدليل على ضرورتها ، وذلك بناء على شهادة تعطى من السلطات المحلية .

وفيما يتعلق بالفنادق والبنسيونات والمطاعم والمستشفيات والمعاهد ، فإنه يجب عليها ان تحصل على المقادير اللازمة لها من مختلف الحاجات بواسطة شهادات تعطى لها من السلطة المختصة .

وإلي أن تصدر أوامر أخري يمكن للأفراد الأكل في المطاعم دون تذاكر .

( وفي الأنباء الأخيرة أن ما يصرف إلي المطاعم من الشحم واللحم قد خفض إلي ٦٠ في المـــائة ، وخفض ما يصرف من السكر إلى النصف ، وذلك لكي لا يتجاوز الأفراد حدود البطاقات بالأكل في المطاعم ) .

وقد بقى الخبز والبطاطس والدقيق والفا كهة والبقول مؤقتا حرة من قيود البطاقات .

هذه محتويات القرار الوزاري الصادر بتنظيم بطاقات الأطعمة والحاجات الضرورية . وقد علقت الصحف على هذا القرار تطمينا للشعب بقولها إنه لا يقصد به التضييق والحرمان ، ولــكن يقصد به التنظيم والتوزيع العادل حتى يستطيع كل أن يشتري ما يخصه ، وحتى لا يطغى الأغنياء بمالهم على الفقراء ، وإن ألمانيا لديها من المؤن المخزون ما يكفها لمدة عام ، هذا فضلا عن المحصول الجديد ، وإن في وضع هذا النظام دليل على اعتماد ألمانيا على نفسها واستغنائها عن معاونة الخارج .

على أن هذه التعليقات المعسولة لا تغير شيئا من الحقيقة المرة ، وهو أن الشعب الألماني يعاني منذ أشهر .

حالة من شظف العيش تنذر بأن تغدو في القريب العاجل نوعا من المجاعة الواضحة . ويكفي أن نلقي نظرة على المقادير الضئيلة التي تمنح للأفراد من اللحم والشحم والسكر والمربى في الأسبوع لنقدر هذه الحقيقة ؛ وقد تقررت هذه المقادير قبيل نشوب الحرب ، ولم تمض أيام قلائل علي نشوبها حتي أنقصت جراية اللحم إلي ٥٠٠ جرام لكل شخص في الأسبوع ، وأنقصت جراية السكر والزبد ، ومنع اللبن عن البالغين بتاتا ، ولا يسمح به الآن إلا للأطفال والأمهات . وقيد بيع الخبز والدقيق وأخضع لنظام الجراية . وسوف تنقص هذه المقادير بلا ريب متى طال أمد الحرب . والشعب الألماني كما هو معروف شعب أ كول ، ويمكننا أن نتصور ما يعانيه في ظل هذا الحرمان من الآلام النفسية والجسمية . ولقد لمسنا نحن دلائل هذا الشظف والحرمان حيثما تقلبنا في المطاعم والمقاهي ، حتى قبل أن يصدر نظام البطاقات . ففي أ كبر المطاعم البرلينية وأفخمها كانت تقدم ألوان محدودة جدا . هذا فضلا عن رداءة معظم هذه الألوان وقدمها ، وكان من النادر أن يقدم إلينا لون جيد طازج ، والأطعمة المحفوظة هي الكثرة الغالبة ، والبقول والفاكهة نادرة جدا ؛ والزبد أو الشحم المستعمل في الطهي أو الذي يقدم إليك فى مختلف المناسبات وهو واحد دائما هو أشنع ما يمكن تصوره رداءة وطعما ، بل هو كالسم اللاذع برائحته وطعمه الكريه . ولقد حدث أكثر من مرة أن قدمت إلينا في مطاعم فخمة في برلين وفينا ألوان وأطباق باردة متغيرة الرائحة كنا نرغم على أكلها خيفة الجوع . واشتريت ذات يوم من محل حلوى فخم في برلين فطائر منظرها شهى جميل لآكلها بالمنزل . ولكنى ماكدت أتناولها حتى ذعرت لرائحتها الكريهة ، وألقيتها في الحال في سلة المهملات ، ولو عرضت مثل هذه الأطعمة في القاهرة

لكان محققا أن تعدمها وزارة الصحة وأن يحاكم مقدموها ؛ وتقدمت في فينا إلي محل بقالة لاشتري بعض الأطعمة المقددة فرارا مما يقدم إلينا في المطعم فقيل لي إنه لا سبيل إلي شرائها إلا بالبطاقة ، ولم أحصل عليها ؛ وقالت لي ربة منزل إنها تتوق منذ أيام إلي اقتناء شئ من البيض ، وانها لم توفق بعد البحث إلا إلى اقتناء بيضة واحدة . وذكر لى صديقى قنصل مصر في فينا أنه حاول ان يحصل لطفله على ربع لتر من اللبن فوق المقرر بالبطاقة ، فطلب إليه أن يقدم شهادة من طبيب بحاجة الطفل إلي ذلك . والأمثلة الواقعية لا حصر لها على هذا الشظف الواضح الذي يعانيه الشعب الألماني . ومن المحقق أن هذا الشظف سيزداد مع الأيام شدة ، وقد يغدو قبل بعيد مجاعة حقيقية تفتك بصحة الشعب أيما فتك وتقضى على ما بقي من قواه المعنوية .

وهل من حاجة إلي القول بأن تقرر نظام البطاقات الغذائية في ألمانيا حتى قبل نشوب الحرب هو أسطع دليل على إفلاس النظام الهتلري من الناحية الاقتصادية ؛ إن هذه الحقيقة التى حاول الهتلريون إخفاءها طويلا تبدو اليوم بكل روعتها للشعب الألماني .   وفي اعتقادنا أنها ستكون من أهم العوامل في تفويض اسس النظام الهتلري . ولقد منى الهتلريون الشعب الألماني طويلا بأن قواهم العسكرية التى اقتضت حرمانه من لذائذ العيش الرغد ، ستغدو كفيلة بأن تحقق له هذا الرغد بالاستيلاء على أراضي الأمم الأخرى وثرواتها بحجة القضاء الحيوي وما إليه من النظريات الاستعمارية المغرقة ، ولكن ظهر أن هذه الأمنية دوتها معركة الحياة والموت ، وأن الشعوب الأخرى تحرص على أراضيا وثرواتها حرص ألمانيا الهتلرية على استلابها .

اشترك في نشرتنا البريدية