يتحدث الناس عن مهنة القضاء ، ويقولون إنها من اسم المهن ، لان الإنسان يعمل فيها بوحي ضميره وحده ، ولأنه لا سلطان على القاضي فيما يصدره من الاحكام إلا سلطان هذا الضمير . وذلك على عكس كثير من المهن الأخرى التي تجد من حرية أهلها بإرادة الرؤساء وتوجهاتهم . فيكون للمرؤس رأى يقتنعبه ، ولكنه لا يستطيع أن ينفذه ، لان لرئيسه رأيا آخر لابد ان ينحي أمامه رأيه الشخصي . وهذا حق ، ولكنه ليس كل الحق ؛ فإن للمسألة جانبا آخر قل إن يلتفت إليه أحد ، وهو في كثير من الاحيان يسوي بين القاضي وغيره في حمل أعلال المهنة . وذلك أن القانون بالقياس إلي القاضي هو عزلة الرئيس بالقياس إلي المرءوس وكثيرا ما يصطدم ضمير القاضي بحكم القانون . . .
وهل في الأسرة القضائية كلها من هم أكبر من مستشاري محكمة النقض ؟ ومع ذلك فليس ببعيد ذلك الحكم المشهور الذي أصدرته تلك المحكمة ، وسجل فيه رئيسها أنه يحكم بما لا يرتاح إليه ضميره وكانت القضية قضية شاب من الأهالي اطلق النار علي كبير من رجال الإدارة فقتله . وبرزت الحادثة للناس في هذه السورة البسيطة على انها دليل مخيف على سقوط هيبة الحكومة ، وعلي استهانة الجمهور برجالها . وتنادي الناس فيما بينهم أن لابد من حكم رادع يضع الأمور في نصابها . وامتلأ الجو بشبه ثورة علي الجاني . ومهما تكن نزاهة القاضي ومهما يكن حياده ، فإنه ولا شك يتأثر ولو من حيث لا يدري بمثل هذه الدفعة التي يندفع فيها الرأي العام
صوابا حينا وخطأ أحيانا ؛ ومن أجل ذلك يحرمون على الصحف أن تتناول بالتعليق أو الشرح موضوع آية قضية ما تزال معلقة بين يدي القضاء .
ومهما يكن من الأمر في هذه القضية التي نحن بصددها ، فإن الحكم صدر فيها بالإعدام . فرفع المتهم نقضا عن هذا الحكم . ومحكمة النقض ليست هيئة تستأنف أمامها الاحكام فتتدخل في تقدير الوقائع ويكون لها رأي في موضوع القضية قد يخالف رأي المحكمة التي أصدرت الحكم المطعون فيه فتكسر هذا الحكم وتقضي هي في الموضوع بما تريد ، ولكنها هيئة كل عملها أن تشرف على تطبيق القانون ؛ فإن كانت محكمة من المحاكم قد رأت رأيا في قضية مطروحة أمامها ، وكان مرجع هذا الرأي تقديرها الخاص ، ثم طبقت القانون تطبيقا سلما وأصدرت حكمها بما رأته ، ثم طعن صاحب الشأن في هذا الحكم يرفعه إلي محكمة النقض لإعادة النظر فيه ، فراجعت محكمة النقض ملف القضية ، ثم خالفت المحكمة الأولى في تقديرها ، ولكنها لم تجد علي عمل تلك المحكمة عند تطبيقها لأحكام القانون أي مطعن ، لم تملك محكمة النقض أن تمس بهذا الحكم وتعين عليها أن ترفض الطعن فيه .
وهذا هو الذي حدث في قضيتنا التي نتكلم عنها ، فإن محكمة النقض عند ما اطلعت على ملفها رات المتهم كان قد وقع فريسة اضطهاد شنيع من رجل الإدارة المجني عليه ؛ وانه حين ارتكب جريمته كان تحت تأثير الغضب لكرامته المهدرة وعزته المجروحة ، وان كل من كان له حس لابد ان يتأثر لما اصاب هذا التعس المنكود ، وأن مثل الحالة التي كان يعانيها المتهم من شأنها أن تستدر العطف وتستوجب الرحمة ، ولكن ماذا تستطيع ان تفعل محكمة النقض امام هذا كله او امام شئ منه لقد نظرت محكمة الجنايات في الدعوي فرأت ان التهمة
ثابتة ، وان حكم القانون فيها هو الإعدام ، فقضت بالعقوبة التي نص عليها القانون . ووقفت محكمة النقض أمام هذا الحكم موقف الحيرة لانه صدر في حدود ما رسمة القانون ، ولأن ما تنكره هي فيه خارج عن حدود سلطتها ، فلم تملك أكثر من أن تزفر زفرة أو زفرتين في " حيثيات " حكمها ، ثم انهت فيه إلي القول بانها ترفض الطعن ولكن على مضض ! "
ومثل هذا ( المضض) تعانيه أحيانا نفس المحاكم الابتدائية التي لها السلطة المطلقة في التقدير ، والتي لا يقيدها ما يقيد محكمة النقض من حدود . فقد يصدر عن احد الناس عمل من الأعمال التي تقع تحت طائلة العقاب بحكم القانون ، ولكن القاضي يري بعد دراسته لملابسات القضية ما يجعل ضميره ينفر من الرضوخ لحكم القانون . وتوقيع العقوبة التي تنص عليها أحكامه ؛ فإذا انحني القاضي في أمثال هذه المواقف أمام النص ثقل ضميره بهموم لا قبل له بحملها ؛ كما أنه إذا استسلم لوجدانه خرج على النصوص التي لم يعقد مجلسه إلا لتطبيقها . ولعلي مهما أطلت في شرح هذا الحديث لا أصل بحقائقه إلي ذهن القارئ بقدر ما استطيع أن أفعل لو التمست لذلك مثلا أضربه له . وهناك مثل مشهور وقع لبعض كبار قضاتنا ، وهم يضربونه للاستشهاد به في بيان ما يستطيع ان يفعله القاضي الذي لا يستتوق أمام النصوص ، والذي يفضل أن يضحي بسلامة النص على أن يضحي بسلامة الشخص . ولست أري بأسا من الاستفتاح بهذا المثل لأستطرد من بعده في كلمة أخري إن شاء الله إلي أمثلة أخري من تجاربي الخاصة .
حدث في مديرية أسيوط ، منذ اكثر من عشرين عاما ، أن فتي من أسرة معروفة علق ابنة عمه وأراد أن يتزوجها
ولكن العم توفر لديه من الاعتبارات ما جعله يعارض في إتمام هذا الزواج . ولم يطق الفتي هذا الرفض - ولعل الفتاة كانت تشاركه في هذا الإحساس فجعل يلتمس وجوء الحيلة للتغلب على ما اثير في وجهه من الاعتراضات والتذليل ما وضع في طريقه من العقبات . ولكنه لم يوفق في شئ من ذلك ، فغلبه الياس ، واضطرب تفكيره ، وساء تدبيره ، واعتزم أمرا...
وخلا بابنة عمه بعد ذلك خلوة افتضها فيها بأصبعه كرها ، ظنا منه أنه بهذا العمل يكره عمه على قبول فكرة الزواج ، إذ تقضي تقاليد تلك الجهات من بلادنا ان الفتاة المفضوضة على مثل هذه الصورة - أو غيرها - قل أن توفق إلي من يرضي بها ، أو من تسمح له نفسه بان يتقدم في طلب يدها .
وذهب العم في سورة غضبه فأبلغ النيابة . وجري التحقيق في الحادث على أنه " هتك عرض بالقوة " واعترف الفتى ، بما اقترف فلم تر النيابة بدا من تقديمه بهذه التهمة إلي القضاء. والعقوبة التي ينص عليها القانون في هذه الجريمة هي الأشغال الشاقة . وعكفت المحكمة على القضية فدرستها وسمعت اقوال الشهود فيها ، وكأنما عز عليها أن يذهب الفتي ضحية هذا التصرف الطائش الذي صدر عنه وهو تحت اسوا المؤثرات ؛ وبدا لها من مناقشة الوالدين أنهما تورطا في وضع الحادث بين يدي القضاء . ووجدت المحكمة ريح الندم في كل ما يصدر عنهما من اقوال .
ولكن القانون واقف للفريقين بالمرصاد ، فلا اصحاب الدعوى يستطيعون سحبها من يدي المحكمة بعد أن تعلق بها حق المجتمع - أو هكذا يقول المشرعون - ولا المحكمة تستطيع - والمتهم إعترف بجريمته - أن تقضي ببراءته . وزاد في حرج الموقف انه لم يكن قد صدر بعد ذلك القانون الرحيم الذي يبيح اليوم للقاضى ان يحكم
بإيقاف تنفيذ أية عقوبة يقضي بها ، سواء أكانت الغرامة أم الحبس ، وسواء أكان الحبس لمدة تقل عن السنة أم تزيد عليها . وراي القضاة ان بين ايديهم متهما يريد " القانون " أن يتخطفه منهم ، و ضميرهم يهيب بهم أن يعملوا علي حمايته وإنقاذه .
وحار القضاة كيف يفعلون ! ايقضون بالبراءة ؟ إن الحكم بها في مثل هذه الظروف فيه تجاهل للوقائع الثابتة باعتراف المتهم نفسه ، وتعطيل لنصوص القانون الصريحة . أيقضون بالإدانة ؟ إنهم إن فعلوا ذلك يقضون علي مستقبل شاب من اسرة كريمة لا يزال في مستهل حياته ، وينكبون فيه أسرته ولن تنجو أسرة العم نفسها من رشاش هذا الحكم . وهذان هما شقا الرحي - أو ذراعا الكماشة لمن يعلو له اليوم هذا التعبير - اللذان يجد القاضي نفسه معصورا بينهما في كثير من قضاياه . فالناس يتعثرون في فجاج الحياة ، وبنورطون في فخاخها كيفما يشاءون ، ثم ينظرون إلي القاضي ليقبل عثرانهم وينشلهم من ورطاتهم ، وليس الأمر بينهم وبينه على كل حال مثل ما بين الطير والبستاني الذي ينصب شراكه لما يسعي منها للنيل من ثماره المحرمة ؛ ولكنه مثل ما بين الجندي الجريح وطيب الميدان ، فقد يكون الجندي من معسكر الأعداء ولكنه حين يقع في يد الطبيب لا يري فيه إلا مريضا يستحق العناية والتمريض
وجاءت النجدة أخيرا عن طريق المسلك الشخصى لرئيس الهيئة . فقد كان قاضيا جريئا ينظر إلي النصوص علي انها أدوات وضعها الشرع تحت تصرفه لاستخدامها في الكيل والميزان ، لا كما ينظر إليها بعض القضاة حين يرونها حدودا جامدة لاحيلة فيها ، لأنها تفرض نفسها عليهم فرض السيد على عبده . وبدا له ان يصدم النصوص نفسها بالأمر الواقع ، فعرض على العم ان يقبل زواج فتاته من ابن اخيه ، فهتف الرجل حبذا لو كان إلي تحقيق ذلك من سبيل ! فامر
الرئيس فورا بتأجيل القضية ثلاثة أيام تم فيها مراسم الزواج . وكان قد رسم في نفسه - وبالاتفاق مع زملائه - تلك الخطة التى أعتزم تنفيذها بعد إتمام الزواج .
كان الفتي يبلغ من العمر حوالي ثماني عشرة سنة . وكان سنه باديا على جسمه النامي ، ينادي شاربه وعذاره ، وتنم عنه قسمات وجهه . ولكن القانون خول للقاضي أن يقوم بتقدير سن المتهم الذي لا يكون عمره ثابتا في شهادة ميلاد رسمية . وعاد الفتي بعد الأيام الثلاثة ، ععرف الرئيس منه ومن أهله ان الزواج قد تم ؛ فتأمل وجهه مليا ثم نظر إلي الكاتب قائلا :
- اكتب المحكمة تقدر سن المتهم بأربع عشرة سنة !
وعلى هذا الأساس فرض القاضي عقوبته . . . فإن القانون يفرق بين الأحداث والبالغين في تقدير العقاب . فهو يحمل بين عقوبات الأحداث التوبيخ ، والتسليم للوالدين والإرسال إلي الإصلاحيات ؛ وكان فيما مضي يسمح أيضا " بالتأديب الجسماني بضرب الحدث عدة ضربات بعصا رفيعة علي ظهره . فاستحسن القاضي ان تكون هديته للعريس الجديد " علقة " بتلك العصا ، تذكره كما احس المها انه إنما كان طفلا في فعلته التي فعلها ، وانه من أجل ذلك لا يستحق إلا أن يؤدب كما تؤدب الأطفال . .
وهكذا نزل القاضي بسن المتهم فنزل بالعقوبة من الأشغال الشاقة إلي التأديب الجسماني . .
وعلى هذه الصورة الحميدة انتهي ذلك الحادث الذي كان خليقا أن ينتهي بفاجعة تهد كيان اسرتين ، لو لم يتح لنظر القضيه هذا القاضي الكيس الذي ابي ان يكون عبد القانون ، والذي استطاع أن يريح ضميره ولو على حساب النصوص .
