الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 232الرجوع إلى "الثقافة"

صور قضائية، أصابع صغيرة ...

Share

لقد طال حديثي عن الخدم وما يصدر عنهم . فكتبت في ذلك كلمتين ، ووعدت بهذه الثالثة - على أن تكون الأخيرة - والحديث عن الخدم في الواقع حديث يتجدد لا ينتهي . وقد جعلت همي في الكلمتين السابقتين أن لا أكرر رواية حادثين متشابهين حتى يكون للحديث فائدته المرجوة . وكان تعليقي على الحادث الذي قصصته في الكلمة الماضية أن من وراء الأحداث المجرمين عادة بدأ تحركهم وترسم لهم الطريق . والواقع أن الرأي الذي استقر عليه علماء النفس الآن هو أن هؤلاء الأحداث لا تنطوي جوائحهم إلا علي نفوس خيرة . وإنما تلتوي مقاصدهم وتنحرف ميولهم تحت تأثير الوسط الذي

يعيشون فيه ، وتحت ضغط المؤثرات التي تحيط بهم ويكاد يجمع المصلحون النفسانيون الآن على أن الخطوة الأولى في سبيل تقويم الحدث المعوج ينبغي أن تبدأ بانتزاعه من بيئته التي يعيش فيها . وقد شوهد في كثير من الحالات أن الحدث يستقيم أمره في بيئته الجديدة الصالحة ، دون اتخاذ أية إجراءات أخرى في سبيل إصلاحه . وحسبنا اليوم هذه المقدمة نسوقها تمهيدا للقصة التي قلنا إننا سنختم بها هذا الحديث ...

دخلت على الضابط المحقق في قسم (....) ذات صباح سيدة وقور ، وأبلغته أنها كانت تضع اثني عشر زوجا من الأساور الذهبية في درج المكتب الذي يذاكر عليه ابنها - وهو طالب في المدرسة - وأنها استيقظت من النوم فوجدت باب الشقة مفتوحا ، ولاحظت أن الدرج مكسور وأن مصاغها قد سرق ، فجري بينها وبين المحقق الحوار الآتي :

ص - اذكري لنا بالتفصيل كيف وقعت السرقة . ج - هذا المصاغ كنت قد سلمته لابني ليحتفظ به في درج مكتبه نظرا لمرضي وملازمتي لفراشي ، وكان ذلك منذ شهر . وقد علمت منه منذ أيام قليلة أن مفتاح المكتب قد ضاع منه ، فلم أهتم للأمر ، واليوم كشفت هذه السرقة .

س - هل تتجه شبهتك إلي شخص معين ؟ ج - ليس في المنزل غيري أنا وزوجي وأولادي ، وأنا طريحة الفراش منذ شهر ، وزوجي شيخ كبير اعتاد أن يصلي الفجر في المسجد كل صباح ثم يعود فيلزم المنزل لا يبرحه إلا في أوقات الصلاة . ولا يتغيب عن المنزل إلا ريثما يؤدي فريضته في المسجد القريب ، وابني طالب في المدرسة ، حدثت له منذ عامين إصابة في ساقه استوجبت

بترها ، وهو الآن يمشي على رجل من الخشب ، ولي من بعد ابني هذا شابتان لا تذهبان إلي المدرسة ، لأن والدهما أراد أن ينشئهما على طريقة الجبل الماضي ، فهما قعيدتان معي في الدار . وقد عجز تفكيري عن الاهتداء إلي كيفية وقوع الحادث . ولذلك فإني لا أتهم أحدا ولا أشتبه في أحد .

س - وما قيمة هذا المصاغ ؟ ج - يساوي حوالي خمسين ومائة جنيه . س - هل يعرف أحد غيرك موضع هذا المصاغ ؟ ج - لا يوجد عندنا أحد غريب ، وليس في المنزل غيري أنا وزوجي وأولادي ، ونحن الذين نعرف مكان هذا المصاغ ؛ ولذلك فإني لا أتهم أحدا ، ولا أعرف كيف حصلت السرقة .

س - ألم يخبرك ابنك عن آخر مرة رأي فيها هذا المصاغ ؟ ج - ابني - الذي بعهدته هذا المصاغ - لم يخبرني وأنا لم أسأله ...

واضطر اتحقق أخيرا إزاء هذا الغموض ، وإزاء ما تفوخاء السيدة من التحفظ في إجاباتها أن يختم التحقيق وأن ينتقل معها لمعاينة مكان الحادث كالمعتاد ...

وأثبت في محضره وصف الدار ومداخلها وغرفها . وعندما وصل إلي غرفة الابن قال :

" ويري الداخل إلي هذه الغرفة مكتبا بسيطا جدا له ثلاثة أدراج من الخشب الأبيض . وقد ذكرت المجني عليها وابنها أن المصاغ كان بالدرج الأيمن لهذا المكتب البسيط وشاهدنا أن لسان القفل خرج من بيته بواسطة الحذب لأنه بسيط . ولا يوجد أى أثر لاستعمال العنف في كسر القفل من " طفاشة " أو " أجنة " أو نحوهما . ولم نجد أي أثر يستدل منه على معرفة الفاعل . والمكتب بحالته

الراهنة لا يعقل أن توضع فيه قروش لا مصاغ تقدر قيمته بمائة وخمسين جنيها . وعلى فرض وجود المصاغ فيه فيستبعد أن يظن أي إنسان أن مثل هذا المكتب يؤتمن على شيء له أية قيمة نظرا لبساطته . ولأنه موضوع في حجرة ذات باب مفتوح مع أن المنزل به (دواليب) وفيه مواضع أخري أكثر التمانا من هذا الكتب ، ولا يوجد بالمنزل إلا المجي عليها وأولادها . وقد اتضح لنا من التحري أن ابنها الذي كان المصاغ في عهدته مقطوع الرجل حقيقة . وكانت والدته تريد بعد شفائها من مرضها أن تبيع هذا الصاغ وتشتري له بثمنه رجلا من المعدن بدل رجله الخشبية ولكن والدته لا تتهمه بأخذ الحلي ولا تتهم خلافه . أما وجود الباب مفتوحا في الصباح فلا يدل على دخول شخص غريب ، لأن صاحب النزل اعتاد الخروج في الفجر للصلاة ولا يمكن أن يتصور شخص غريب عنده ذرة من العقل أن المكتب الذي سرق منه المصاغ يشتمل على شيء له أية قيمة . وقد كلفنا البوليس الملكي بالبحث " .

ونظرا لوجود ابن المجني عليها رأينا سؤاله بالآتي : س - كيف حصلت هذه السرقة ؟ ج - أنا لا أعرف كيف حصلت . وكل ما في الأمر أن والدتي كان عندها النية أن تشتري لي رجلا من المعدن بدلا من رجلى الخشبية . وسلمتني هذا المصاغ لأحفظه عندي فأودعته في درج مكتبي لأجعله بعيدا عن الأنظار لأن منظر المكتب لا يجعل أحدا يظن أنه يحتوي علي شئ ومنذ أسبوع تقريبا ضاع مني مفتاح المكتب فأبلغت والدتي وإخوتي وتركت الدرج على حاله . واليوم فقط في الصباح لاحظت أن لسان القفل مكسور وأن المصاغ قد سرق .

س - وهل تشتبه في احد ؟ ج - لا .

س - وهل تظن أن إحدي اخوانك هي التي ارتكبت الحادث ظنا منها أنك أنت ستنتفع بهذا المصاغ من دونها ؟ ج - الله أعلم .

س - ألم تلاحظ أن إحدي اخوانك كانت تعترض على والدتك لأنها اختصتك بهذا المصاغ ؟ ج - نعم حصل اعتراض ، ولكن والدتي لم تهتم به .

من - هل تظن أن شخصا أجنبيا هو الذي ارتكب هذا الحادث ؟ ج - أنا لا أعرف كيف حصلت السرقة ولا من ارتكبها ، ولكني أستبعد جدا أن يكون السارق غريبا . لأن الفاعل لم يقرب شيئا آخر خلاف الدرج فهو لابد أن يكون على علم بما فيه .

وهكذا بلغ الأمر بالمحقق - إزاء غموض الحادث - أن يتشكك في بلاغ السيدة فيقرر في " معاينته " أن المكتب الذي تقول إنها أودعت مصاغها فيه لا يعقل أن يؤتمن على " قروش " بله هذه المصوغات الثمينة . ثم يعود فيتهم المجني عليهم أنفسهم إذ يوحي تارة إلي الأم ما يجعلها تتجه بظنونها نحوا بها - " الذي في عهدته مصاغها "- ويوحي مرة أخري لي الابن أن يتهم أخته ، إذ لا بد أن يكون قد حز في نفسها أن أمهما تؤثر بمصاغها أخاهما من دونهما . ولم ينصرف المحقق على كل حال من البيت إلا وقد انصرف في أثره اطمئنان أفراد هذه الأسرة بعضهم لبعض . وبات كل واحد منهم بفضل عبقرية هذا المحقق اللبق ينظر لصاحبه شزرا ولسان حاله يلمزه قائلا : " ويح الخائن !"

على أن الحوادث لم تلبث أن تطورت في هذا المنزل تطورا جديدا فإن السيدة قصدت إلي القسم في صباح اليوم

الثاني مباشرة وفي يدها خادمها الصغير الذي يبلغ من العمر عشر سنوات وبلغت بما يأتي :

- أمس حوالي الساعة التاسعة صباحا أبلغت القسم بسرقة مصوغات من منزلي ثمنها حوالى مائة وخمسين جنيها ولم أتهم أحدا ولم أشتبه في أحد . واليوم وجدت الكيس الذي كانه المصاغ موضوعا في محله من درج المكتب وكان بداخله بعض المصاغ المسروق . ولما لم يدخل علينا أمس أي إنسان غريب فأني اشتبهت في هذا الصبي وهو خادمنا الوحيد الذي ليس معنا غيره وسألته وشددت عليه فاعترف لي بالحقيقة وقرر أنه هو الذي سرق المصاغ وأنه فعل ذلك بتحريض شقيق البواب . ولكنه لما شاهد الضابط والعساكر الذين حضروا معه أمس للمعاينه خاف وذهب إلي الرجل الذي سلمه المصاغ واسترد منه ما استطاع استرداوه ووضعه في الدرج حيث كان .

س - وما الذي دعاكم للاشتباه في الخادم ؟ ج - لم يدخل البيت أو يخرج منه أحد غيره .

س - ولماذا لم تذكروا لنا أمس شيئا عن هذا الخادم . ج - من كان يظن أن طفلا صغيرا كهذا يجتري على مثل هذا العمل العظيم !

س - وهل له مدة طويلة في خدمتكم ؟ ج - له حوالى سنة .

س - هل لم يسبق له سرقة شئ آخر قبل هذه المرة ؟ ج - لا.

س - وهل كان يعرف مكان المصاغ ؟ ج - هو ولد صغير وكان بحكم وجوده بيننا يطلع على كل كلامنا وأعمالنا . وقد انتقل المحقق أخيرا من سؤال السيدة إلي سؤال هذا البطل الصغير الذي تمكن بجرة يد

واحدة من أن يبدد ثورة . وأن يهدم سعادة أسرة . فأفاض في شرح تفصيلات ما حدث . وقال إنه كان يذهب كل يوم إلي السوق ليشتري الخبز اللازم للمنزل . وكان الرغيف يباع في وقت ما بستة مليمات ، ثم نزل سعره إلي خمسة كما كان . ولم ينتبه أهل المنزل إلي هذا النزول . فكان يستولي هو على الفرق ويؤدعه عند البواب . وكان لهذا البواب أخ له متجر صغير مجاور المنزل يبيع فيه الحلوي و " الأرواح " . فجعل الفني يودع المليمات الزائدة كل يوم عند البواب ثم يقصد متي شاء إلي أخيه فيطلب ما شاء من هذه الحلوي . وفي هذا البنك الصغير كان رصيده دائنا دائما . لأنه كان في كل يوم يودع حوالي عشرين مليما ولا يتقاضي من الحلوي إلا ما يساوي مليمين أو ثلاثة . واجتمع له - أو لعله اجتمع للبواب وأخيه - بعد نحو شهر مبلغ لا بأس به فأطمعهما ذلك في المزيد من هذا المورد السهل . وكان البواب يرى الاكتفاء موقتا بهذا المورد احتفاظا به واستبقاء له . ولكن أخوه كان ممن يدينون بمذهب بطل تلك القصة القديمة التي تروي عن دجاجة أنها كانت تضع لصاحبها كل يوم بيضة من الذهب فزين له طمعه أن يضع يده مرة واحدة على كل كنوزها - وكذلك فعل صاحبنا - بائع الحلوي - فإنه ما زال بالفتي يلاطفه ويحاسنه ويسأله عن أسرار بيته ومكنوناته حتى عرف منه قصة هذا المصاغ وعلم منه مستقره ومستودعه . فطلب إليه أن يأتيه به على أن يفتح له أبواب " برطماناته " جميعا ، فيجعل له منها " جراية " لا مقطوعة ولا ممنوعة . ولا يتأثر جربانها بأسعار الخبز صعودا أو هبوطا . فطاش صواب الفتى لهذا العرض السخي . وفعل في نفسه الأفاعيل هذا الإغراء الفتاك . وقضي ليلته ساهرا يتربص بسيده الكبير أن يقوم لصلاة الفجر . فما أن فتح الباب وخرج منه حتى دلف هو إلي الكتب فجذب درجه واستولي على ما فيه . وطار به إلي صاحب موعده فأودعه عنده . وعاد

أدراجه قبل أن ينتبه إليه أحد . ولكنه لم يكن يعلم أن هذه الحركة الهيئة اليسيرة يقوم لها البوليس وتتحرك لها النيانة ويمتلئ لها البيت عسكرا وجنودا ، وصلصلت في أذنيه وسوسة الحديد ، وتمشي على عينيه وهم الظلام الذي ينتظره في غياهب السجون فحارث أعصابه . وتفتحت عيناه على ما لم تكونا لتريانه من قبل وبدا له سوء عمله فما كادت لتجاب عن المنزل تلك السحابة التي خيمت عليه بدخول رجال البوليس فيه حتى ظل يترقب الفرصة التي تمكنه من الاتصال " بأمين صندوقه " ونجح بعد الجهد الجاهد في إنقاذ نصف " الأمانة " منه أو نحو نصفها فرده إلى مكانه في نفس الموعد الذي أخذه فيه . ثم لم يقو بعد ذلك على مناقشة سيدته عندما سألته عما صنع . فاعترف لها بكل ما كان .....

ولعل القارئ يلمس في هذا المثل وما سقناه إليه قبل ذلك من الأمثلة الأخرى أن آفة أهل البيت دائما تكون في تجاهلهم لهؤلاء الخدم الصغار واعتبارهم كما مهملا ، كأنهم صم بكم عمي فهم لا يشعرون ...

أنظر إلي هذه السيدة كيف أنها وهي تحصي للضابط أفراد المنزل لم يرد على لسانها لهذا الخادم الصغير أي ذكر حتى لقد كان ذلك سببا فيما وقع فيه المسكن من التخبط عند بدء التحقيق ، مع أنها لو كانت ذكرته له ولو ذكرا مجردا عن الاتهام لما مر به كما مرت هي مرور الكرام . لأنه بحكم خبرته وممارسته لأمثال هذه الشئون لابد أن يعلم أن السوس الصنبر هو الذي ينخر الجذوع . وأن البيوت لا تصاب عادة إلا عن طريق هذه " الأصابع الصغيرة " والأبدي القصيرة . وأن المرء مهما كان قليلا بنفسه فأنه كثير . . . " بإخوانه " ! قاتلهم الله !

اشترك في نشرتنا البريدية