الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 177الرجوع إلى "الثقافة"

صور قضائية، النيوروز :Neurose

Share

ذكرت في كلمة الأسبوع الماضي طرفا من حديث " جرائم الجنون  وأوردت بيانا عن بعض حالات الجنون ، ولكن قصرت الكلام على " السيكوز " والبارانويا " و الصرع " . وضربت مثالا لكل حالة من هذه الحالات ، وبينت أن المريض الذي يرتكب جريمة وهو في نوبة من نوبات هذه الحالات ، يعفي من العقاب بحكم القانون ، لأنه يكون غير مسئول عن عمله ، حتى ولو كان هذا العمل جريمة من جرائم القتل العمد .

ويقتضي إتمام هذا الحديث أن نتناول في كلمة موجزة نوعا آخر من أنواع الجنون هو " البيوروز " - أو جنون العاطفة - وهذا النوع وإن كان يقع في التقسيم تحت عنوان " الجنون ، إلا أنه ولله الحمد لا يكاد يخلو منه إنسان ، والفرق الأساسي بين هذا النوع من الجنون وبين غيره من الأنواع أن صاحبه يعلم أنه مريض ويسلم بهذه الحقيقة ، ولو بينه وبين نفسه وهو يرد لو استطاع أن يتخلص من هذا المرض . بل إنه ليعمل جاهدا على التحرر من قبوده - ففي حالة 11 .

كليتومانيا Kleptomania مثلا - أو جنون السرقة - تري المصاب بهذا المرض ) ومن المشاهد أن هذا المرض يصيب النساء أكثر مما يصيب الذكور ) تراه إذا دخل محلا تجاريا كبيرا يقصد شراء شيء من بضائعه لا يكاد يري هذه البضائع منتشرة أمامه ، حتى يتحرك دائره الذي بين جنبيه ، فلا يطيق أن يسير رأسا إلى حيث يجد سلمته فيشتريها وينصرف ولكنه تتراخى إرادته أمام الاغراء الواسع الذي يحيط به" . ويبدأ يتسكع في جنبات المحل ، ثم يمد بدء إلي بعض السلع فيقلبها ، ويعود فينصرف إلي سبيله . . ثم تقع الواقعة . .

فيري نفسه وقد سحب قطعة من قماش منديلا من حرير أو غير ذلك ، فدسه في جيبه أو في حقيبته وانطلق .به كما تنطلق الحدأة التى أصابت صيدها .

وإنك لتجد من يعمل هذا العمل أشد الناس ندما بعد وقوع  الجريمة على ما فرط منه . بل إنه ليتملكه الحزن والأسف والنكد العميق في المراحل لفعلته ، وهو يرى نفسه مندفعا نحو ارتكابها كأنما يسوقه نحوها شيطان عنيد فهو حين يدخل المحل وتراوده الفكرة الشريرة عن نفسه قد يستعيذ منها بالله ، أو يأخذ في تلاوة بعض السور القصار ليحصن بها نفسه من الاغراء الذي به

به ويوشك أن يتغلب عليها . وإن من هؤلاء المرضى من يدس البضاعة في عبه أو في في جيبه ولما تزال على شفتيه الكلمات الأخيرة من آيات الكرسي ، فإذا ما فرغ من فعلته وخلص بالغنيمة لنفسه ، ونجا بها من عيون الرقباء وبعد عن مكان الحادث ، افترسه الندم ، ووخزه ضميره وخزات أليمة قد تودي أحيانا بموضوع الجريمة وثمرة هذا الجهاد العنيف . فتري بعض هؤلاء المصابين يعمد إلى ما سرقه فيتصدق به على أول محتاج ، بل إن الندم ليبلغ ببعضهم أحيانا إلي حد أنه يلقي بما استولى عليه في عرض الطريق ليتخلص منه ، وليصل إلي إدخال بعض الطمأنينة إلي نفسه ، وتقديم شئ من الترضية لضميره بالاقدام على مثل هذه التضحية التي تهدم جوهر عمله ، وتودي بزبدة كسبه . وقد يتوب المريض وهو في نوبة ندمه توبة خالصة صادقة يصحبها بالأيمان المغلظة ،

وبالنذور السخية ، أنه إن مار إلي مثل هذه السقطة ، لتلزمنه كفارة يمينه أو ليصلين مائة ركعة ، أو ليصومن أسبوعا ، أو ليطعمن عددا من المساكين أو ليتصدقن بكذا من المال . كل ذلك ليضع أمام نفسه هذه العقبات حتى تكون واقيا له من أن يعود إلي مثل ما وقع فيه ومع ذلك فان كثيرا من هؤلاء المرضى إذا عادوا إلى الميدان من جديد عاودهم ضعفهم . ومروا في نفس

الأدوار المرسومة التي سبق لهم أن مروا فيها عشرات المرات . ولم تجدهم أيمانهم ولا نذورهم نفعا ، ولم تغن عقباتهم المصطنعة من سقوطهم في تلك المهاوي شيئا .

وأذكر أني تقدم إلي يوما في الجلسة الجنائية رجل بلغ الستين من عمره ، وقد وقف ينتفض في " قفص الاتهام" على الرغم مما عليه من ملابس السجن الثقيلة . فأذكرني منظره منظر ذلك الفأر الصغير المرتعد الذي قنصته مصيدة ( دفتر خانة المحكمة ) في نفس ذلك الصباح . على لقد أشفقت عليه من إجراآت المحكمة فأرجأت قضيته إلي آخر الجلسة لأنظرها على انفراد ، لعل في ذلك ما يخف من حدة ذلك الانفعال العنيف الذي كان يهزه هزا حتى ليكاد يعوقه عن الكلام . ولما خلصت له نظرت في تهمته فإذا هي " شروع في سرقة وكانت تتلخص وقائع جريمته في أنه دس يده في جيب أحد الناس اثناء وجوده في سوق بلدته ، ولم يفلح في نشل ما في جيبه ،

لأن أحد رجال البوليس الملكي ضبطه وهو يوشك أن يتم فعلته . فلما راجعت صحيفة سوابقه وجدت أن له تسع عشرة سابقة كلها من جرائم النشل والسرقات ؛ ووجدت أن آخر " سابقة له انقضي عليها نحو أربع سنوات ، وأنه سبق الحكم عليه بالأشغال الشاقة في مثل هذه الجريمة ، وانه أصبح بذلك في حكم " المجرمين معتادي الاجرام ، وأن فعلته هذه على تفاهتها وخيبة نتائجها تعتبر قانونا في حكم " الجناية وتغلظ لها العقوبة كأغلظ ما تبلغ مع الجناة الخطرين

فأقبلت أسأله كيف وقع منه ذلك ولماذا لم يفكر في غير هذه الطريقة للحصول على المال . وكيف رضي لنفسه أن يعود إلي ما نجح في الاقلاع عنه أربع سنوات سويا ؟ فاغرورقت عينا المسكين وعادت إليه رعدته وقال وهو يبكي : إنه لم يكن في حاجة إلى نقود ، وإن توبته بعد " السابقة " الأخيرة كانت توبة صادقة . وإنه استقام واهتدى . ونجح

في صيانة نفسه طول هذه المدة لأنه كان يتحاشي المجتمعات ويتجنب أن يرى نفسه وسط أي حشد من الناس ، لأنه في مثل هذه الظروف لا يملك أن يري بده تمتد إلى ما في جيوب أقرب الناس إليه ، كأنما يدفعها دافع لا سلطان له عليه . وهو في مثل هذا المقام يجاهد نفسه ويحاول أن ينجو بها من الزحام حتى لا يقع ما لا بد من وقوعه .

والذي حدث في يوم هذا الحادث الأخير أنه قصد إلى سوق بلدته في يوم انعقاده الأسبوعي ليشتري مقدارا من الذرة ، فذهب وهو يسأل الله أن يكتب له السلامة ، وأن يخرج من السوق وليس معه إلا الذرة التي ذهب لشرائها . فلما وصل إلى حيث يجلس باعة الغلال وجد حولهم زحاما شديدا . فوقف بعيدا عنهم ، وقرأ الفاتحة بنية أن يكفيه الله شر ذلك اليوم . ثم أقبل يساوم مع المساومين ويشتري مع المشترين . وشاء الله لحكمة لا يعرفها إلا هو سبحانه وتمالي أن ترتطم يده بجيب جاره . فإذا هو جيب " وارم ! تربعث فيه حافظة أثقلتها حمولتها . فخارت لها قوى الرجل .

وانهارت عزيمته . وما درى إلا وقد تشنجت أصابعه . . وتقلصت . . ثم تسربت إلى فتحة الجيب فاستقرت فوق المحفظة . وكان ذلك في نفس اللحظة التي استقرت فيها يد " المخبر " على قفاه فمارى وجادل . ثم اعتذر واستغفر . ثم بكى واسترحم . فلم يجد من يرحم ضعفه ، أو يتستر على سقطته ، أو يقبل منه توبته . وانتهى به، الأمر مرة أخرى إلي الحبس الاحتياطي وإلى المحكمة

وقد أثبت التحقيق صحة دفاع الرجل حتى لقد وجد معه المبلغ الذي كان يعتزم أن يشتري به حاجته من الذرة . ولكنه " النوروز " - قاتله الله - كانت يده فوق يد المسكين ، وكان إغراؤه أقوي من مقاومته . فكانت هذه النتيجة التعسة التي أودت بحرية ذلك البائس فيما بقى له من أيام على ظهر هذه الدنيا .

أما قصة " المخبر " الذي قبض عليه فانه كان منوطا بالخدمة داخل السوق في ذلك اليوم . فلما رأي المتهم يدخله

أوجس شرا ، وحدثته نفسه أنه إنما جاء يطلب صيدا . فتبعه من حيث لا يراه ، فلم تخطيء فراسته . وأبصر به وهو يحاول نشل جاره فأسرع إليه . وكان سببا في القبض عليه وتقديمه للمحاكمة .

والآن بقيت هذه الكلمة الأخيرة التي لا يتم هذا البحث إلا بها . . وهي أن " النوروز " - بخلاف " السيكوز " - تدخل أعراضه تحت طائلة العقاب . ولا يعفى القانون اصحاب هذا الداء إذا تركوا ادواءهم تعبث بمصالح الناس . لأن ((النوروزى)) فوق إدراكه التام لما

يصدر عنه من الأعمال ، وعلمه العلم اليقين بأنه يقارف عادة فيها اقتيات على صالح الجماعة التي يعيش فيها ، لا يزال يملك شيئا من الخيار في توجيه نفسه ، وتحديد مسلكه . ومهما تكن قوة البواعث النفسية التي ترمي به في الاتجاه الخاطيء فإنه يستطيع أن يوقي نفسه من شر المهالك . وأن يربأ بها أن تقف مواقف الغواية . وفي المثل الأخير الذي سقناه رأينا كيف عرف ذلك الشيخ المسكين أن يجنب نفسه مواطن العطب طوال أربع سنوات ، وصدق رسول الله إذ يقول : " من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه " . أو كما قال . .

اشترك في نشرتنا البريدية