الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 203الرجوع إلى "الثقافة"

صور قضائية، على طريقة الرهائن . .

Share

من المجرمين في مصر من يتبع في انتقامه نظام " الرهائن " الألماني - فيما يروي الرواة - إذ يقوم عامل من عمال إحدى المدن الفرنسية مثلا بقتل جندي ألماني يظفر به منفردا في الطريق ، فيكون جزاء هذا العمل عند السلطة الألمانية أن تقبض على أول مائة رجل فرنسي يصادفونهم في الطريق ، ثم يجعلونهم عشرة عشرة . ويكلفون كل عشرة منهم بحفر خندق يتسع لاجسامهم ثم يأمرونهم بالوقوف في هذا الخندق ، ويطلقون عليهم النار ثم يهيلون عليهم التراب ، فتعود الأرض سيرتها الأولى - وكان الله يحب المحسنين !

وهذا الابتكار الحديث ، قد اهتدى إليه منذ زمان بعيد بعض المجرمين في هذه الديار ؛ هدتهم إليه نظرتهم الإجرامية السلمية ! فقد روت الصحف المصرية منذ عهد قريب أنه حوكم أمام محكمة جنايات مصر صياد من السويس كانت له اخت ساء سلوكها . وترامى إلى سمعه شئ من أخبارها ، فحاول أن يثأر لشرفه بقتلها . ولكنه لم يوفق في محاولته ، ولم تتهيأ له الفرص المواتية لتنفيذها . وكان لأخته هذه طفل صغير . فعمد إليه يوما وأدخله الحمام ثم ذبحه ذبحا . واطمأنت نفسه إلى أنه قام بالواجب عليه ، وأن شرفه قد تطهر بدماء هذا الطفل البريء

وأنت ترى في الطريقتين أن الآثم الحقيقي يبقى بمنجاة من الانتقام ، وأن الشر إنما يقع على أرواح بريئة أخرى لا ناقة لها في الأمر ولا جمل !

وقد أذكرتني حادثة هذا الصياد ، صيادا آخر من أهل السويس أيضا كانت له قصة شبيهة بهذه القصة ، من ناحية أن الجاني في كل منهما قد انحرف به ميله إلى الانتقام فأصاب بجنايته شخصا آخر غير الذي هو أحق بانتقامه .

وخلاصة قصة هذا الصياد الثاني أنه كانت له جارة منذ الصبا ، فوقع بينه وبينها ما يقع عادة بين كل ( بول) وكل(فرجيني) توقعها الظروف في دائرة نفوذه الغرامي . وتعاهد الصبيان كالمعتاد . واقسم بعضهما لبعض بالصفا والوفا وباقي تلك الأيمان الشعرية غير المغلظة بأنهما سيحفظان الود ويقيمان على العهد . . ثم تقدمت بهما الأيام . ونشأ الفتي صيادا كبقية أهله . وبلغ السن التي عندها ترى أمهات هذه البلاد ان الفرصة قد سنحت لشئ من الطبل والزمر ، فيتخذن من نمو أبنائهن مناسبة لهذا الهرج المنشود ، ويسعين إلى تزويجهن . فيقع هنا الحدث الأعظم لا لسبب إلا لإدخال السرور أسبوعا أو بعض أسبوع - وفي معظم الحالات يوما أو بعض يوم - على نفس أم عجوز أو إخوة محرومات وهكذا تم زواج صاحبنا الصياد . .

ولكن لم تكن عروسه ( فرجينا ) فلقد كانت هذه ابنة الجارة التي لا تحبها أمه ، والتي كثيرا ما تشاحنت معها إخوته ، ولذلك لم يكن من الممكن أن تقبلها الأسرة لتقيم بينهم وتكون فردا من أفرادهم

وإنما كانت عروسه ابنة عمه التي اختارها له أبوه ، واشتركت في الرضاء بها أمه . وأقام الفتى مع زوجته المفروضة عليه بضعة أعوام ، كان البحر والصيد أكبر مموان له على حمل همومها ، وغسل أوضارها . وكان من عادة زوجته بين الفينة والفينة أن تقصد إلى منزل أهلها فتقضي بينهم سحابة يوم من تلك الأيام الكثيرة التي اعتاد

زوجها أن يقضيها في البحر . فخرجت على عادتها في اليوم الموعود ، وتركت طفلتها في البيت لأنها لم تكن تعتزم أن تغيب إلا سويعات ، وتصادف أن عاد الزوج بعد خروجها فلم يجدها ، وعرف من ابنته أنها سيطول غيابها وقتا ما فحدثته نفسه بدعوة جارته لقضاء ساعة معه . ولم يحفل بالطفلة لأنها كانت دون سن التمييز - أو هكذا قدر هو في نفسه - ولم تبخل عليه جارته بهذه الزيارة ، وهي التى ظلت السنين الطوال تصوره لنفسها على أنه هو رجلها المرتجى وانقضت الساعة التى طالما حسب الفتيان أنها ستكون عشرة الدهر وزمالة العمر . وانصرف الشاب لشأنه وعادت الضيفة إلى دارها . وبقيت الطفلة في لهوها وعبثها حتى عادت أمها

ولكن رائحة الغربة التي دخلت الدار ، كانت ما تزال عالقة بجدرانها . وللنساء حاسة شم في مثل هذا المقام هي من منح الطبيعة التى زودت الهرة بأنفها لتعيش ، وزودت العنزة بقرنيها لتدفع عن نفسها ما قد يلم بها من الاذى . وراب الزوجة أن بعض محتويات الدار لم تكن في الموضع الذي خلفتها فيه ، وأن شيئا يشعرها بأن يدا غريبة عبثت ببعض حاجاتها ، وأن قدما أجنبية قد خطت فوق أرض قاعتها . .

فأخذت طفلتها على ركبتها ، ولا طفتها وقبلتها ، وسألتها عن أبيها فعلمت منها أنه عاد بعد خروجها . ثم جعلت تحادث الصغيرة وتستدرجها ، حتى انكشف لها ما لم يكن قدر له أن ينكشف . ووقعت الزوجة على تفصيلات الزيارة . ولمحت في حديث طفلتها شبح الجارة ؟ فما زالت بها من سؤال إلى سؤال ، ومن بيان إل بيان ، حتى أصبح ظنها يقينا ، وحتي ثبت عندها أن زوجها خانها مع جارتها .

فرصدته وانتظرت مقدمه . وهاجمته من حيث لم

يحتسب ، فسقط في يده ، ولم يعرف كيف يعتذر . ورأى نفسه صريع ضربة قاضية منذ بداية الجولة الأولى . فبادر إلى إعلان توبته وإنابته  . وكان اعترافه الصريح نكبة على نفسه وعلى زوجته ، فإن الزوجة ليأكلها الشك ولكنها مع ذلك ترجو أن يكذبها الواقع ، وتنهشها الغيرة ولكنها مع ذلك تلتمس النجاة في المكابرة . .

ولم يجد في الموقف ما كان ينفع في مثله من تلاوم الزوجين . . أو تشاتمهما . . أو تضاربهما أيضا لو أن في الضرب شفاء من الظنون ؟

وتنفشت الزوجة ، وأقسمت لا تقيم مع زوجها . . وانكمش الفتى وأقسم ليقدمن لزوجته كفارة ترضيها وتنسيها هذه الزلة . . وكأنما الصدمة التي أصابت الزوجة تربعت في صوان أذنيها فلم تعد تستمع لاستغفار زوجها . ولم تفهم شيئا من وعوده ، وأصرت على الفرقة ، فكان لها ما أرادت . وكانت الفضيحة التي حاول الفتى أن يتقيها بكل ما أوتي من جهد وفكر . فذهبت جهوده في ذلك أدراج الرياح

ودارت الأيام دورتها فإذا الفتى يرى جارته وقد طارت من دنياه إلى الأبد بعد الذي لوث به سمعتها ، وإذا هو يرى زوجته - وابنة عمه - وقد باتت هي وأهلها عدوا له بعد إذ كانت له ظهرا ووقاء - كل ذلك بسبب تلك الطفلة الخبيثة التي خيبت ظنه ، وهتكت سره وفضحت أمره . وشوهت حياته . . فأبغضها . . ولم يطق بعد ذلك اليوم أن يراها .

وعاش الفتى أياما سوداء انطوى فيها على نفسه . وظللته كآبة قاتلة ، وضاقت الدنيا في وجهه . فإن المصيبة لتلم بالإنسان فيفزع منها إلى أهله أو إلى أهل بيته . فما بالك ممن ألمت به النازلة فأصابته في أهله وأهل بيته .

وتركته فريدا شريدا يحقد عليه من كان يرجوه عنده العطف إذا حاق به مثل هذا البلاء

واقبل يوما في طريقه إلى البحر . وهو يرجو أن يجد فيه شفاء من هذه الحياة التي نقلت أعباؤها عليه حتى خيل إليه أنه لم يعد يطيقها . ولكن الأقدار الساخرة هيأت له أن يصادف طفلته في هذا الطريق ، فانتشت نفسه لرؤيتها وأحس كأن يداً من السماء مسحت على ما جثم فوق صدره من الأحزان فمحته وطهرته . وأخذ بيد الطفلة وداعبها ولاعبها . ثم احتملها علي ذراعه وسار وهو يحادثها ويستمع إليها ، ويسألها عما لا عهد لمن في مثل سنها بعلمه . فكان يدهشه منها دقة فهمها وحسن جوابها . وكان يعض على شفتيه من الندم لما فرط في كشف كل هذه المواهب من قبل . وأخيرا وجد أنه قد أوغل في سيره وأنه أصبح على مسيرة ساعات من البلدة . وأنه ليس في ذلك المكان الذي بلغه إلا (صندل) بعيد مما تشد إليه زوارق الصيادين قبيل خروجهم إلى البحر أو عند عودتهم منه . وكان الوقت ظهرا . ولم يكن عند الصندل أحد ، فقصد إليه وجلس علي حافته . ثم أخذ ابنته بين يديه فدلاها في البحر ، ودفعها براحتيه فوق رأسها لتغوص . . ولكن لم تمض لحظات حتى رأى الصغيرة تطفو على سطح الماء وهي تشهق وتضرب الماء بيديها . وعيناها إلى عينيه تلتمس منه النجدة وتبسط له ذراعيها القصيرتين . فمد إليها راحتيه مرة أخرى وجذبها نحو الصندل " حتى إذا ما اقتربت منه وملكتها يداه دفعها بقوة مثل تلك الدفعة الأولى فتوارت تحت صفحة الماء . وما زال بها كلما طالعته بوجهها ردها إلى قرار اليم حتى ذهبت ولم تعد . .

ثم قام من مجلسه راضيا لا يبالي بعد ذلك إن كان المجتمع سيأخذه بدم ابنته مادام قد فجع امها فيها ، وكواها

بنارها ، وتركها تعاني حسرات فقدها كما خلفته هذه الأم ليعاني حسرات دهر طويل في هفوة لحظة ، وطيش ساعة !

والسؤال الذي لا يزال يرف في رأس الإنسان كلما اعترضه جريمة من هذا النوع هو :

هل من الممكن أن يكون الجاني متمتعا بقواه العقلية العادية وهو يقارف مثل هذه الجريمة أم أنه لابد أن يكون قد وقع تحت تأثير خاطر جنوني سلبه سلامة تفكيره ، وركز عقله في فكرة واحدة طغت قوتها على كل ما عداها من نواحي التفكير ، فأصبح لا يحيا إلا في جوها ، ولا يعيش إلا لها ، ولا يعمل إلا على تحقيقها ؟

وهل في مثل هذه الحالة يصح أن يسأل المرء عن عمله كما يسأل العقلاء ، ام أن جزاء هذه الطبقة من المجرمين يحتاج إلى نظر جديد ؟

اللهم ألهم المصلحين صواب الرأي !

اشترك في نشرتنا البريدية