الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 153الرجوع إلى "الثقافة"

صور قضائية :، إلهام . . .

Share

من الصناعات ما لا يحتاج فيه صاحبه لغير الأدوات المادية التى يباشر بها عمله ، ومنها ما لا بد فيها إلى جانب هذه الأدوات المادية من أداة روحية قد لا يصلح العمل إطلاقا بغيرها ؛ وهذه الأداة الأخيرة هى " الإلهام " .

فالحلاق مثلا لا يحتاج فى تزيين الرأس الذى يقع بين يديه إلا لمشطه ومقصه وما إلى ذلك . ويصعب على المرء أن يتصور بعد ذلك كيف يمكن أن يكون للالهام أى دخل فى العمل الذى يجريه مثل هذا (الصانع) على (سلعته) .

والبناء الذى يستلم " تصميم " الدار من المهندس ليتولى إقامتها لا يحتاج فى عمله إلا إلى الحجر والمدر والجير والرمل وما إلى ذلك . ومن الصعب أن يتصور الانسان أن هذا البناء قد يستلهم فى عمله أية قوة أخرى خلاف هذه القوى المادية المحدودة .

أما الفنان الذى يتولى وضع النماذج المختلفة لتصفيف شعر السيدات مثلا ، فانه يستطيع بقلمه وأوراقه أن يملأ الدنيا من هذه النماذج . ولكنه لا يكون فنانا ممتازا إلا إذا اهتدى فى عمله - عن طريق الالهام - إلى نماذج جذابة تسر الأنظار وتـستهوى الأفئدة .

وكذلك المهندس الذى يشتغل بعمل (التصميمات) ، فان حاجته إلى الالهام فى عمله أشد منها إلى زواياه ومساطره وباقى أدواته الهندسية .

بل لقد يقع أحيانا أن يحرم الرجل من كل ما يحتاج إليه فى صناعته من المؤهلات الفنية . ومع ذلك فانه يبرز

فى هذه الصناعة ، ويطير صبته بفضل ما أوتى من قوة الالهام .

وبين زعماء النهضات القومية أناس قد بدءوا حياتهم السياسية وهم من حيث مؤهلاتهم العلمية أميون لا يعرفون القراءة ولا الكتابة ، ومن حيث مؤهلاتهم الفنية لعل بعضهم كان تاجرا ، ولعل بعضهم لم يكن شيئا مذكورا لا فى التجارة ولا فى غيرها ، ومع ذلك فقد اعتبروا بحق من واضعى أسس النهضات فى بلادهم ؛ وذلك بفضل ما أوتوا من قوة الالهام ؛ تلك القوة التى تجعل صاحبها يرى من حقائق الحاضر ما لا يراه غيره ، ويدرك من أسرار المستقبل ما لا يستطيع أن يدركه سواه ، فيضع خطط الاصلاح يستلهمها من وحيه الخاص ، ثم يقوم على تنفيذها بطريقته الخاصة أيضا . فلا يكون نصيبها على يديه إلا النجاح والتوفيق .

وليس الالهام من مواهب الساسة والفنانين وحدهم ، فان ذوى الصناعات العادية لا يصيبون عادة فى عملهم من التوفيق إلا بقدر ما يحبوهم به الله من هذه القوة - قوة الالهام - ولعل رجال الطب يأتون فى مقدمة أصحاب هذه الصناعات . . .

فان الظاهرة الواحدة تبدو على المريض قد تكون عرضا مشتركا بين عدد من الأمراض يحدثه كل واحد منها ؛ ولا يستطيع أن يحزم رجل الطب أى هذه الأمراض هو الذى يواجهه . فلو أنه دعى إلى علاج مريض فرأى عليه هذه الظاهرة ولم يسعفه إلهامه بحقيقة المرض آمال يتخبط مع مريضه بين صنوف العلاج المختلفة ، وقد يكون فى ذلك هلاك المريض ، بدل أن يكون فيه شفاؤه .

ولست أستطيع أن أخوض فى هذا الحديث دون أن

تطفو على ذاكرتى صورة حادث طريف وقع لى منذ أمد بعيد ، ولكنه ما يزال حيا فى رأسى كما لو كان قد وقع بالأمس . . .

ذلك أنى عندما رزقت طفلى الأول كنت كثير المكلف به - شأن معظم الآباء - ولكنى مهما بالغت فى تصوير حالى معه ، فانه لا يمكن أن يقاس فى شىء إلى جانب ما كانت تبديه أمه نحوه من الاهتمام ، فقد بلغ من اشتغالها بأمره أنها كانت هى التى تباشر بشخصها كافة شئونه ، ولا تكاد تترك لخادمه إلا أن تجلس إزاءه إذا هو نام . . . أما طعامه فهى التى تهيئه له بيديها ، وأما لباسه فهى التى تنزعه عنه ، وهى التى تضعه عليه ، وأما حمامه فهى التى تعده ، وهى التى تقوم به ؛ فاذا لم يكن يشغلها من أمره شىء من هذا القبيل جعلته بين يديها ثم راحت تتأمل ملامحه ، وتفحص أذنيه ، وتقلب جفنيه ، وتخرج لسانه ، وتدلك بطنه ، ولا تترك فى جسمه صغيرة ولا كبيرة إلا أحاطت بها ، وقارنتها بما كانت عليه فى أمسه ، وترقبت ماذا ستئول إليه فى غده .

وحدث أن عدت من عملى ذات يوم فى موعدى للغداء ، فرأيتها وحدها وعيناها تنمان عن قرب عهدهما بالبكاء ، ووجدت طفلنا فى مهده يغط فى نومه تجاهها ؛ فوقع فى روعى أن الطفل أصيب بكارثه ، فأسرعت إليه ، ولكنها أشارت إلى أن دعه ، فاستفسرتها الأمر ، فمدت يدها إلى غطائه وكشفت عن فخذه ، وأشارت إلى حيث تلتقى فخذه ببطنه ، فنظرت فلم أر شيئا ، فأخذت إصبعى ووضعتها على شىء أحسست به كالعقدة الصغيرة فى مكان أعرف عنه أنه يمتلئ عادة بأمثال هذه العقد ؛ فسألتها : وماذا فى وجود مثل هذه العقدة بهذا المكان ؟ فقالت : إن هذه العقدة لم يكن لها وجود بالأمس ، وإنها طارئة ، وإنها قد تكون لهذا السبب شيئا زائدا فى الجسم يدعو إلى الاستئصال . . .

ولم تكد تصل فى شرحها إلى هذا الحد حتى أجهشت بالبكاء ، وعادت إلى ما كانت فيه قبل وصولى إشفاقا على هذا اللحم الغريض والاهاب الرقيق أن يتناوله ميضع الجراح ، وأقول الحق - لقد كادت تسرى عدواها إلى فأحسست بالدموع تتجمع فى عينى ثم توشك أن تسيل ويفلت زمامها من جفنى . ولكنى تصنعت الثبات وعبأت أناتى وجلدى ، وبلعت ما تجمع فى مآقى من الدمع ؛ وأقبلت عليها أطمئنها وأستأنيها ريثما نزور أحد الأطباء ، لنبكى معا إذا دعت الحال ، أو لنضحك معا من هذا الوهم الذى لا أساس له .

ولم يكن لنا علم سابق بأى شىء عن المرض أو عن الأطباء ، فقد كانت صحتنا والحمد لله بمنجاة من هذه المحن . ولم نكن بعد قد اضطرتنا الظروف إلى حفظ أرقام تلفوناتهم جميعا - على اختلاف اختصاصاتهم - كما نفعل الآن . ولذلك حرنا إلى من نذهب بالغلام . وأخيرا قلت نذهب به إلى أشهر طبيب فى مصر ما دام المريض أعز مريض علينا فى العالم ، وكان هذا الطبيب جراحا ، ومع ذيوع صيته فأننا لم نكن نعلم أين مكان (عيادته) ، فجعلنا نبعث الرسل إلى الجيران وأصحاب المحلات القريبة من منزلنا حتى اهتدينا إلى مكانه ، فجئنا بعربة وركبناها ، وطلبنا إلى السائق أن يذهب بنا إلى (عيادة) ذلك الطبيب ، وكان هذا وحده يغنينا عن سؤال الجيران ، لو كنا نعقل ولم يذهب فكرنا بددا إزاء هذا " الحادث الخطير " .

ودخلنا العيادة والطبيب يوشك أن يغادرها ، فتوسلنا إليه أن يبقى دقائق أخرى كى " يكشف " على طفلنا ، لأن الحالة تستدعى السرعة ولا تحتمل التريث ، وكان الرجل كريما ، فاستجاب لتوسلاتنا ، وقبض جعله الباهظ ، ثم بدأ يفحص الصبى ويتحسسه بأصابعه ، ويثنى ساقه

ويبسطها ، وأخيرا طلب إلينا أن نجعل الغلام يبكى لينظر كيف تتأثر العقدة بهذا البكاء . . . . وأنزل الله سكينته على قلب الصبى ، فلم تسهل علينا إثارته ؛ وكان يبكيه أن يشير إليه الانسان بأصبعه محذرا ، فلم يبكه فى هذا الموقف أن أرفع فى وجهه كلتا يدى مهددا ؛ وكان يبكيه أن أرفع صوتى فى مخاطبته ، فلم يبكه الآن أن أتطاول عليه بالشتم والسب . . . وأخيرا لم أجد بدا من أن أفقأ عينى بيدى فأضربه لغير سبب ، إلا أن أيسر على هذا الطبيب عمله ، فبكى الطفل وعلا صياحه ، وانتهز الطبيب الفرصة وأوسعه تحسيسا وفحصا وتمحيصا . ولكن الله لم يفتح عليه بشىء فى أمر المرض ، فتخلص منا بقوله : إن هذه الحالة لا يمكن " تشخيصها " اليوم ، ولذلك يستحسن أن نمر بعيادته بعد خمسة عشر يوما ، لعل المرض يكون قد تطور إلى صورة أخرى يمكن الاستدلال بها عليه ؛ وخرجنا نجرر أذيال الكآبة ، وأمامنا ظلال سحابة طولها خمسة عشر يوما ، قضى علينا ذلك الطبيب العبقرى أن نمضى ساعاتها فى فلق وجزع وانتظار . . .

وقضينا ليلتنا فعلا فى هم مقيم ، ونحن من غموض الحالة نسبح فى بحار واسعة من أقبح الاحتمالات التى خلفها فكرنا المحموم ؛ وما إن طلع علينا النهار حتى عاودنا السؤال عمن يمكن أن تقصد إليه بفتانا من الأطباء الآخرين ، فلم نجد لنا مرشدا . وكان لى قريب طبيب ، قلت لعل الخير فى أن نقصد إليه عسى الله أن يفتح عليه بما لم يفتح به على صاحبنا الأول . ولم يتقدم النهار ساعات حتى كنا فى قاعة انتظار هذا الطبيب الغريب ، وكان من رجال " المسالك البولية " ، فاستبشرت خيرا ، وقلت لعل فى قرب تلك العقدة من مسالك ولدى ما يقرب أمر مرضه إلى ذهن هذا الطبيب . وقام أخونا وقعد ، واعتدل وانحنى ، وفحص بيديه وأصابعه وأذنيه ، ثم

استوى فى مقعده ، واضطجع وهو يقول إنه يشتبه فى أن تكون الحالة حالة " فتق مختنق " ولم أكن أنا أدرى ما هو الفتق على سبيل الدقة ، وبالتبعية لم أكن أدرى كيف يتنفس أو لماذا يختنق ، ولا كنت أدرى ما العمل لاسعافه فى نوبة اختناقه . ولذلك أدهشنى أن أرى زوجتى تبادر بالبكاء ، كأنما كانت تعلم هى من قبل ما أخبرنا به الطبيب فيما بعد من أن الفتق المختنق يقتضى إجراء عملية جراحية يشق فيها البطن ، وقد تقطع بعض الأمعاء ، وما إلى ذلك مما لا شأن لنا الآن بالخوض فيه .

وخرجنا من عند هذا الطبيب نحتضن ولدنا ونحوطه بأذرعنا ، كما لو كنا نخشى أن يراه معنا رجال البوليس فى الطريق فيأخذوه منا قسرا ليقطعوا له (فتقه المختنق) كأنما هذا الفتق شىء يمس سلامة الناس ، أو هو شىء يخالف النظام العام !

وبلغنا منزلنا وعلينا من الكآبة والانقباض أعباء ثقال ، وصادفنا صاحب هذا المنزل لدى الباب وكان رجلا مسنا نعامله كأنه والدلنا ، ويرعانا كأننا أبناء له ! فهاله ما رآنا عليه من الكمد والحزن ، وسألنا عن شأننا ، فأفضينا إليه به ، فأشار علينا بالذهاب إلى طبيب ثالث ، أسماه لنا ، وقال إنه يثق فى نفاذ بصيرته ، وإنه من الأطباء (الملهمين) الذين يحالفهم التوفيق فى نظرهم إلى الأمور .

فلم نبطئ فى اتباع مشورته ، وعدنا أدراجنا إلى الطريق ، وقصدنا من فورنا إلى هذا الطبيب الجديد ، وعرضنا عليه فتانا ، وقصصنا عليه قصتنا ؛ فأخذ يسخر منا ومن تلك الصور التى صورها لنا وهمنا ، وأمرنا ان نرجع بطفلنا إلى منزلنا من غير دواء ولا علاج ، وأن لا نعود فنشغل أنفسنا به إلى هذا الحد الذى أخرج الأمور عن طبيعتها . فلم أتمالك نفسى أن أعرض عليه فى حنق مكظوم :

- وهل من طبيعة الأمور أن تظهر على أجسام الأصحاء من الأطفال أمثال هذه العقد حتى تريد منا أن نترك الأمور تسير فى مجراها الطبيعى دون أن نهتم لها ؟!

فقال : إن هذا المعنى بالذات هو الذى قصدت إليه !     فنظرت إليه مشدوها ولم أتكلم .     ولكنه هو استمر فى حديثه قائلا :     - إن هذا الذى تسمونه عقدة لا هو بالعقدة ولا

هو بالفتق ، ولكنه (خصية) معلقة ما تزال فى طريقها إلى مقرها الأخير فى (الصفن)  ومن الأطفال من يولد وخصيتاه فى صفنهما . ومنهم من يولد وخصيتاه معلقتان فى أسفل البطن ، ثم تسقطان إلى مكانهما مع الزمن . ومنهم ولد كما هذا الذى سقطت إحدى خصيته وبقيت الأخرى معلقة فى بطنه . ثم ها هى الآن فى طريقها إلى مكانها الطبيعى . فدعوا المقادير تجرى فى أعنها ، ولا تكثروا من التفكير فى شان طفلكما فتروه وقد أحاطته أوهامكما بالعقد من كل جانب .

وغلب علينا الفرح إزاء هذا البيان ، فطغى على ما كان يخالجنا من الخجل ، وعلى ما أبدينا من جهل وتسرع . وخرجنا تلمع أعيننا ببريق الابتهاج ، وتجب قلوبنا وجيب الغبطة والانشراح

وقد كان ما توقعه الطبيب . واستقرت (الأمور) فى مواضعها الطبيعية بعد ذلك بأيام . وهكذا أنار الالهام طريقا طال تخبطنا فى ظلماته ، نحن الذين لم نتعلم الطب ، وغيرنا أيضا من الذين تعلموه ونبغوا فيه .

وأخيرا . . .      فإن من المهن التى لا بد لصاحبها من شىء من هذا الالهام مهنة القضاء . وإنه لمن العبث أن يعتمد القاضى فى عمله على مجرد علمه الواسع وإلمامه بأصول القوانين

وضوابط تطبيقها . وفى القضاة اليوم رجال يعرفهم أصحابهم أنهم فى الطليعة من حيث علمهم وسعة اطلاعهم ، وأنهم إذا جلسوا للبحث فى مبدأ من المبادئ القانونية قاضوا وتهدروا ، واستعرضوا ما قاله الأئمة وما قضت به المحاكم العليا ، حتى إذا ما وقعت لهم قضية غامضة يتطلب بحثها شيئا من هذا النور السماوى الذى يكشف عن الخفايا ، وينير الطريق أمام الباحثين ، أنبهم عليهم الأمر واستعصى البحث ، وتشعب بهم الرأى ، ولم يجدهم علمهم وسعة اطلاعهم شيئا . ولعل هذا العلم والاطلاع الواسع بالذات كان سببا فى بلبلة أفكارهم ، وباعثا على اضطرابهم وتخبطهم فى استنتاجاتهم واستقراآتهم .

ومن القضايا التى يكاد يقتصر فيها عمل القاضى على استنزال الوحى من السماء ، واستجداء الالهام من ملائكة الرحمة ، تلك القضايا التى يجد نفسه فيها مضطرا إلى تحقيقها بسماع شهود الطرفين : شهود المدعى الذين يؤيدون دعواه ، وشهود المدعى عليه الذين ينكرونها . فإنى لا أذكر أن أكثر من قضية واحدة فى كل عشر قضايا أفاد فيها هذا التحقيق ، ورجحت فيها أقوال شهود أحد الطرفين على أقوال شهود الطرف الآخر ؛ أما فى سائر القضايا فان النزاع يكون مثلا على زراعة قائمة فى أحد الحقول . فيأتى مدعى ملكية هذه الزراعة بشهود يشهدون على أنه هو الزارع لها والباذر لحبها ، ويأتى فى نفس الوقت شهود المدعى عليه ، فيقسمون بالله أيضا أنهم سيشهدون بالحق ؛ ثم يقولون إن هذا المدعى عليه وحده هو الذى زرعها ، واستأجر حقلها ، وروى أرضها وتعهد نبتها . . . ويكون العمدة وبعض أعيان القرية فى جانب . . ويكون دلال المساحة وبعض شيوخ البلد فى الجانب الآخر . . وفى مثل هذه المواقف لا تنفع قوانين الدنيا كلها مجتمعة فى كشف الحقيقة ، ولا يجدى كل ما حصلته الصدور من العلم بقدر ما تجدى ومضة من

الالهام يستطيع القاضى على هداها أن يميز الخبيث من الطيب ، وأن يفرق بين الحق والباطل .

وهذه الحال - مع الأسف الشديد - هى من المآسى الخلقية فى هذه البلاد . فان الأيمان فقدت عند معظم الناس حرمتها . والصدق ضاعت عند أكثر الناس قداسته . واكتسبت النفوس ضراوة عجيبة على الكذب ؛ وبلغ الأمر ببعض الناس أن احترفوه احترافا ، فكانت صناعتهم التى يلتمسون خبزهم من ورائها هى شهادة الزور فى دور القضاء وافتراء الأكاذيب على أصحاب الحقوق .

وليس الالهام من الأدوات التى يحتاج إليها القاضى وحده . فان وكيل النيابة يشترك مع القاضى فى حاجته إلى هذا القبس الالهى الذى يضىء له الطريق ويكشف له ما يكون بين يديه من الممعيات . وأكثر ما يتجلى ذلك عند قيام وكلاء النيابة بعمل المعاينات . و" المعاينة " - فى اصطلاحهم - هى انتقال وكيل النيابة الذى يقوم بتحقيق الحوادث الجنائية إلى المكان الذى وقعت فيه الجريمة ، وإثبات ما يرى فائدة فى إثباته : أولا من حيث أشخاص المصابين والجناة ، وما على ملابسهم وأجسادهم من الآثار التى لها مساس بالجريمة ، كأن يثبت المحقق فى " جناية القتل " مثلا ما بجسم القتيل من الاصابات ، وما قد يكون باديا على جسم القاتل من آثار المقاومة أثناء مقارفة جريمته ونحو ذلك ، وأن يثبت أيضا ما يوجد بملابس القتيل والقاتل من هذه الآثار ، بعد أن يصف هذه الملابس إجمالا قطعة قطعة ، ومدى تأثر كل قطعة منها بالجريمة موضوع التحقيق ، ثم ينتقل من ذلك ثانيا إلى وصف مكان وقوع الجريمة ، والاشارة إلى كل ما فى ذلك المكان مما له مساس بالجريمة ؛ فان كان هذا المكان غرفة قام بوصف ما فيها من الأثاث إجمالا ، وموضع الجثة من

هذا الأثاث . وإن كان المكان حقلا أشار إلى قرب موضع الجريمة أو بعده عن الطريق العام ، وإلى ما يشتمل عليه المكان من آثار الأقدام أو غيرها ، ونحو ذلك مما قد يرغب القاضى فى المستقبل أن يعرفه ، ومما قد يبدو عند القيام بعمل المعاينة أمرا عاديا لا حاجة بالمحقق إلى إثباته أو الاهتمام به . وهنا ميدان الالهام ومجاله ؛ فان ما يبدو تافها أمام النظر العادى قد يرى فيه المحقق الملهم ضالته المنشودة ؛ والهنة الصغيرة التى لا يحفل بها عامة الناس قد تكون فى ذاتها مفتاح القضية إذا ما فطن إليها المحقق الموفق .

ولعل فى المثل التالى الذى أسوقه بين يدى القارئ ما يوضح هذا المعنى .

فقد حدث منذ سنوات أن وقعت فى صحراء الهرم جناية قتل لم يصل إلى علم البوليس من أمرها إلا أن هناك جثة لشاب فى حوالى العشرين من عمره ملقاة فى عرض الصحراء ، وليس بالجثة آثار ظاهرة تدل على سبب الوفاة . فانتقل رجال البوليس إلى مكان الجثة وأخطرت النيابة بالحادث ، فأسرع إلى مكانه أيضا وكيل النيابة المسئول عن ضبط وقائع تلك المنطقة ، ووقف الطرفان مبهوتين لحظة إزاء هذا اللغز المطروح بين أيديهم . فقد جرت العادة فى أمثال هذا المقام أن يبدأ المحققون عملهم بسؤال الأشخاص المجاورين لمحل الحادث ، ويظلون يجمعون كلمة من هنا وكلمة من هناك ، إلى أن يفتح الله عليهم بما يهديهم فى طريقهم ، أو بما يوحى إليهم بالاتجاه السليم فى تحقيقهم . ولكن محل هذا الحادث كان قاعا صفصفا لا زرع فيه ولا ضرع ، ولا حابل فيه ولا نابل . فالجثة ملقاة فوق حصباء المكان كأنها حجر من تلك الحجارة الكبيرة الكثيرة المنتشرة فى جوانبه ، وليس

يحيط بها غير ذلك إلا عود جاف مما تقذف به الريح فى يوم عاصف . أو زجاجة فارغة عز على حاملها أن تظل فى حقيبته بعد أن نهل ماءها أو احتسى شرابها ، أو علبة فارغة من صفيح ، أو خرقة بالية من قماش ، أو وريقة من جريدة حال لونها بفعل الشمس والهواء . أو نحو ذلك مما يعرفه كل من يرتاد مثل هذه الأما كن ؛ فما جدوى بعض هذه الأشياء - أو ما جدواها كلها فى كشف أسرار تلك الجثة التى استلقت بينها تنافس أبا الهول فى ربضته الأزلية وصمته العميق ؟

وقد يكون من الممكن أن تكون الجثة لشاب تردى مثلا فى حفرة لم يقطن إليها ، فيكون موته بالقضاء والقدر . ولا يكون محل لبحث البوليس ولا لتحقيق النيابة ، أو تكون لشاب وافاه الأجل المحتوم فى هذا المكان المنفرد بسبب هبوط فى قلبه أو (نقطة) فى مخه ، أو نحو ذلك من أسباب الموت المفاجىء الذى لا ينطوى على جريمة ولا يستدعى اهتمام رجال الأمن ؛ ولكن الذى حدث أن وكيل النيابة تبين فى وجه القتيل آثارا لا تخطئ فى أن الوفاة كانت نتيجة الخنق وكتم النفس ؛ فانتفى كل أمل فى نجدة القضاء والقدر ، وبرز وجه الجريمة سافرا واضحا ، ولم يبق بد من مداومة البحث لمعرفة القتيل أولا ثم لمعرفة الجانى الذى قتله ثانيا .

ونبش رجال البوليس جيوب القتيل ، وقلبوا جلد طربوشه ، وخلعوا حذاءه وجوربه ، لعلهم يعثرون على ما يكشف عن شخصيته ، وذهبت محاولاتهم أدراج الرياح . وقاسوا المسافات التى تفصل بين الجثة وبين مواطن العمران فى الأماكن التى تحيط بها ، ولكن الأرقام لم تكشف لهم عن سر ولم تنته بهم إلى رأى . وعادوا إلى الجثة يفحصون آثار الخنق على عنقها وحول فمها . وآثار المقاومة فى راحتيها وعلى معصميها ، فلم يزدهم ذلك علما بشىء جديد عن صاحب هذه الآثار .

وكان وكيل النيابة فى خلال ذلك يحوم حول الجثة ويرمى ببصره فى كل ما يحيط بها ، إلى أن لمح قصاصة صغيرة من الورق الأصفر يعبث بها هواء المكان ، فهى تارة قريبة وتارة بعيدة ، طورا تخفق بجوار نعل أحد رجال البوليس ، وطورا تصفق فوق صخرة من صخور المكان ، فمال عليها والتقطها فاذا هى من نوع ذلك الورق الذى يستعمله البدالون عادة فى لف بضائعهم الرخيصة ، وإذا عليها أرقام وبعض كلمات باللغة الرومية لم يفهمها وكيل النيابة فى حينها ؛ ولكن قبسا من ذلك الالهام السماوى أضاء فى نفسه ، فقصد من توه إلى فم القتيل وشمه فإذا رائحة الخمر تنبعث منه . فأبرقت أساريره وأحس كأنما انفتحت فى وجهه الأبواب المغلقة . وانجابت عن عينيه الغشاوات القاتمة ، وطلب أن يأتيه البوليس بجميع البدالين الأروام الذين فى تلك الجهة . فلما أقبلوا عرض عليهم تلك الوريقة ، فعرفها أحدهم وقال إنه هو الذى كتبها وإنها تشتمل على حساب بضاعة اشتراها منه ثلاثة شبان فى ضحى ذلك اليوم ، وأنه كان من بين ما اشتروه زجاجة من الخمر لفها البدال صدفة فى ورقة الحساب  ولما عرض عليه القتيل عرفه وقال إنه واحد منهم ، وقد استطاع هذا الرومى أن يعطى أوصافا دقيقة لزميلى القتيل ، فكان من شأن ذلك أن وضع رجال البوليس يدهم على الحلقة الأولى من سلسلة تحرياتهم التى انتهت بكشف غوامض تلك الجناية والقبض فيها على الجانين . .

وكان مفتاح كل هذا التوفيق تلك الوريقة الصغيرة التى (ألهم) وكيل النيابة (إلهاما) أن يلتقطها لعلها تدل على شىء والتى لم يكن من الممكن أن يدور فى خلد أى إنسان عادى أنها فى وسط ركام الحصى والصفيح والزجاج الذى يحيط بها تمتاز بأنها وثيقة الحادث ودليل الاتهام .                                              ح . ج

اشترك في نشرتنا البريدية