بينا في كلمة سابقة ما يعانيه القاضي من عنت القانون ونصوصه . وضربنا لذلك الأمثال ، وقد خطر لنا أثناء البحث أن القانون ليس وحده " بيت الداء " في عمل القاضي ، فإن أخلاق الخصوم هي محنة أخري مما يبتلى به القاضي . وبخاصة ما يكون من تصرفات بعضهم مع بعض أثناء قيام الخصومة . فإن الصادق ينسي صدقه ويعمد إلي الكذب ، والصريح يغفل صراحته ويعمد إلى المراوغة .
وهكذا تنقلب الفضائل في قاعة الجلسة إلي نقائضها . ولا يبقي بين يدي القاضي من طبائع الناس إلا منتكسها وممسوخها ، ويزداد بذلك عمله تعقيدا فوق تعقيد . فإن الخصومة نزاع على حق ، والتقاضى أساسه أن كل خصم يدعي هذا الحق لنفسه . وعملية القاضي هي أن يبحث أين يضع هذا الحق من الخصمين اللذين يتجاذبانه . وإلى هنا قد لا يجد القاضي ما يشكو منه ، أو هو خليق ان لا يجد فيه ما يدعو إلي الشكوي . فإن القاضي الذي يشكو من قيام هذا الصراع بين الناس إنما يشكو طبيعة عمله .
ولو أن الناس أنصفوا لتعطلت مهنة القضاء . وقديما قالوا : لو أنصف الناس استراح القاضي - ولكن الذي يحق للقاضى ان يشكوه هو ان ينتقل هذا المسخ الذي يطرأ على اخلاق المتقاضين فيصيب اخلاق أعوانه الذين يتعاونون معه في البحث عن الحقيقة ، وأكثر ما يتجلي ذلك في الجانب الجنائي من عمل القاضي . فإن النزاع المدني يتولاه الخصوم أنفسهم من بدايته إلى نهايته . أما العمل الجنائى فانه يبدأ عادة في يد العمدة ثم ينتقل إلى " جاويش " النقطة ثم يصل إلى المأمور ، وبعد ذلك يبلغ الأمر إلي النيابة ، وليس من النادر ان تتطور الحقيقة وهي تنتقل في هذه
المراحل واحدة بعد واحدة ، فلا تصل إلى القاضي إلا بعد أن تكون قد خلقت خلقا جديدا ، وتكون اليرقة القذرة قد استحالت إلي فراشة جميلة تبهر بحسن ألوانها الأبصار .
وقد يعجب الإنسان لأول وهلة ، ويتساءل لماذا يفكر العمدة مثلا في تغيير الحقيقة وهو يحرر " بلاغه " عن الحادث . او لماذا يتجة رجال المباحث ورجال البوليس عموما اتجاها قد لا يتفق مع الواقع والجواب يحتاج إلي شئ من التفصيل . فإنه إذا وقعت جناية قتل مثلا في قرية من القري تقدم أهل القتيل إلي العمدة فبلغوه ما حدث وليس كل العمد عندنا - مع الأسف - من ذوي الاستعداد الإداري الكافي . فإن منهم من لا يزال في حاجة كبيرة إلي ما يؤهلة للقيام بأعبائه الإدارية على الوجه المرضى . وذلك بسبب جهلهم أحيانا ، وبسبب عدم تقديرهم لحقائق الأمور أحيانا أخري .
ونحن إذا افترضنا حسن النية في العمدة فإنه قد يحرر بلاغه في عبارة مبهمة غامضة بسبب ثقافته المحدودة - أو المعدومة - فيكون هذا الغموض سببا في إهمال البلاغ في كثير من الأحيان - وهو قد يسهو عن ذكر بعض البيانات الجوهرية التي أدلي بها إليه أهل القتيل فيجيء بلاغه عن الحادث قاصرا قصورا معيبا يؤثر في حسن سير التحقيق . وقد حدث مرة ان قتل خفير إحدي العرب فحرر العمدة " بلاغه " عن الحادث وقال فيه : " إن خفير العزبة مصاب بعيار نارى في رأسه ، وفهم البوليس على ان الحادث حصل خطأ ، إذ لو كان القتل عن عمد لما وجب أن يخلو " البلاغ " من ذكر ذلك مع توجيه الإتهام إلى من تنحصر فيه الشبهة . وفي جناية اخري تبين أن زوجة القتيل أبلغت العمدة أنها رأت الجناة الذين قتلوا زوجها . ولكن " بلاغ " العمدة جاء خلوا من هذا البيان . فلما سئل في ذلك اعتذر بأنه ظل ثلاث ساعات يبحث عمن
يكتب له " البلاغ " لأنه لا يعرف القراءة ولا الكتابة . فسها عن ذكر هذه التفصيلات .
على أن مثل هذا السهو أو الخطأ قد لا يقترن دائما بحسن النية . وهنا الطامة الصغري ) ١ ( ، فهناك إحصائيات حافلة بما يستطيع أن يفعله العمدة في التبليغ عن الحوادث إذا ساءت نيته وفسد ضميره ، وقد حدث في إحدي القضايا أن وجد القضاة في ملف الدعاوي " بلاغين " متناقضين ، يحمل كل واحد منهما توقيع العمدة . وكانت التهمة جناية وضع النار عمدا في أحد المنازل المسكونة
وكان أحد البلاغين يتضمن حصول الحريق بمنزل المجني عليها عمدا ، ويحدد الإتهام وأسبابه . ويثبت حصول العثور على كرة من القماش مغموسة بالبترول وهي ملقاة في وسط المكان الذي اشتعلت فيه النار . بينما يتضمن البلاغ الثاني أن الحريق حصل قضاء وقدرا . وان سببه في الغالب يرجع إلي ترك عود من الثقاب سهوا بجوار الأحطاب . وقد أسفر التحقيق في أمر وجود هذين البلاغين عن اعتراف " عامل التليفون " بأنه حرر البلاغ الثاني بحضور العمدة وشيخ الخفراء بعد أن تم الصلح بين المجني عليها والمتهم . ولما نوقشت المجني عليها في ذلك أنكرت حصول هذا الصلح ، وبينت أن العمدة كانت له مصلحة في العدول عن بلاغه الأول !
ولعل المثل النموذجى يبين ما يستطيع ان يفعله العمدة عند تحرير " بلاغه " ذلك الذي رواه محمد بك البابلي في كتابه " الاجرام في مصر " وهو يتحدث عن عيوب أعمال الضبط والأبحاث الجنائية إذ قال : إنه حدثت جناية قتل فيها شقي كبير أثناء وجوده في غيطه ، وكان رئيس النقطة غائبا في إجازة قصيرة . فلما عاد وجد ان البحث يسير سيرا حثيثا في ناحية اتهام شخص معين ، وان
التحقيق قد انتهى بالفعل على أساس ترجيح هذا الاتهام وأمرت النيابة بحبس المتهم ، غير ان الضابط وصلت إليه في ذلك الوقت معلومات جديدة تتضمن ان الجاني الحقيقي شخص آخر غير المقبوض عليه ، وان عمدة البلدة اراد انتهاز فرصة حدوث الجناية للتخلص من بعض خصومه ،
فتمكن بمساعدة شيخ الخفراء من اقناع أهل القتيل بأن يعدلوا عن اتهام الجاني ويتهموا احد خصوم العمدة ، وقد تم للعمدة ما أراد . فما كان من الضابط إلا ان جد في البحث وهو يتخذ هذا الاتجاه المضاد إلي ان حصل على الأدلة الكافية ، وقد شاء الله أن يكلل جهوده بالنجاح ،
فضبطت البندقية التى استعملت في القتل مدفونة في المزارع واعترف أحد الجناة على نفسه وعلى الباقين من زملائه . وبذلك ظهرت براءة المتهم ناصعة ، وقبضت النيابة على العمدة والشيخ وأحيل الجميع للمحاكمة !
فهذه هي الطامة الصغري - على حد تعبيرنا السابق - أما " الطامة الكبرى " فهي حين يحلو لبعض رجال البوليس أنفسهم أن يقف من التحقيقات مثل موقف هؤلاء العمد ، والعيب ليس دائما عيب رجل البوليس نفسه بقدر ما هو عيب النظام الذي يعمل رجل البوليس مقيدا بتقاليده . ولعل أكبر العار عند رجال البوليس عندنا أن تقع الجناية في دائرة اختصاص أحدهم ثم يعجز عن الاهتداء إلي الجاني والقبض عليه ، وهو في سبيل تفادي هذا العار يأتي بالمدهشات . فقد وقعت مرة جناية قتل عثر فيها على جثة القتيل ملقاة على جانب الطريق الزراعي . وكان يرأسها إصابة تبدو كأنها من عيار ناري نظرا لعمق غورها واسوداد حوافها . فما كان من رجل المباحث - وكان من رتبة أمباشي - إلا أن قدم في نهاية اليوم تقريرا ذكر فيه أنه توصل إلي اكتشاف الجانى بواسطة ) شاهدة رؤية ( ، كانت في محل الحادث وقت ارتكابه . وهي صبية صغيرة قررت أنها شاهدت القاتل
يطلق النار على القتيل ويفر هاربا . وانها اعترضت طريق هروبه ، فهددها ببندقيته . غير أنه تبين بعد ذلك من " الصفة التشريحية " أن القتل إنما حدث من آلة حادة كالبلطة ، وانه لا أثر في الجثة لعيار نارى على الإطلاق . فلما ووجهت الشاهدة بهذا الدليل ، اضطرت للعدول عن شهادتها ، وقررت أن أمباشي المباحث هو الذي لقنها هذه الشهادة !
على أن الباعث الشريف الذي من أجله يركب بعض رجال البوليس كل هذا الشطط ، قد يخفف نوعا ما من تبعة عملهم . ولكن الذي يؤسف له ان الباعث الذي ينحرف بهم احيانا عن طريق الحق ، والقيام بالواجب على أحسن الوجوه ، لا يمت دائما إلي مثل هذه الاعتبارات فهناك خرافة إدارية ما يزال يعتنقها بعض مأموري المراكز مؤداها أن قلة وقوع الحوادث الجنائية في مركز من المراكز هي الدلالة القاطعة على حسن الإدارة وقوة الهيئة وهم في سبيل الحصول على هذه النتيجة السطحية لا يبالون أي طريق يسلكون لإخفاء معالم الجرائم ، والطمس على آثارها ، أو لزحزحتها عن دائرة اختصاصهم والإلقاء بها علي عاتق الأقاليم المجاورة لتتخذ بشأنها من الإجراءات ما تشاء
ومن المضحكات المبكيات تلك القصص التي يرويها الرواة عن ذلك الخفير الذي عثر على جثة قتيل على مقربة من حدود بلدته فتعاون مع زميل له على نقلها عبر الحدود لتحسب على المركز المجاور . أو ذلك " الجاويش " الذي تقوم نقطته على ترعة من ترع الصعيد حيث ألف الجناة أن يقتلوا ضحاياهم ثم يلقوا بجثتهم في الترعة مكبلة بالحديد والأحجار . فكانت هذه الجثث إذا انتفخت طفت على سطح الماء وحملها التيار حتى تصطدم بعيون القنطرة التى يعمل صاحبنا بجوارها . فكان كل مهمته
حين يصل إليه مثل هذا " الإيراد " ان يفتح له العيون بالاتفاق مع خفير القنطرة ليحمله التيار مرة اخري ويعيد توزيعه بالقسط على ما يمر به من بلاد الله الفسيحة في الجهة البحرية من القنطرة
ولعل أروع ما وقع لنا من الأمثلة التي تبرز هذا المعنى في أجلى صورة ذلك المثل الذي يروي عن احد مأموري المراكز من أنه عقد اجتماعا لعمد بلاد مركزه ونبه عليهم فيه ان لا يتعجلوا في إثبات ما يرد إليهم من بلاغات عن حوادث جنائية في " دفاتر الأحوال " إلا بعد الاتصال به تليفونيا " لتكييف البلاغ وإعطائه الوصف القانوني الصحيح ) وذلك بحجة أن العمدة قد يستعصي عليه فهم ظروف البلاغ أو تطبيق نصوص القانون عليه ،
فيخطئ في وصفه . وكان مقصده الحقيقي ان يحتفظ لنفسه بحرية التصرف في هذه البلاغات فيمحو منها ما يشاء - ويثبت - وعنده " دفاتر الأحوال " ! -
وإمعانا منه في التحفظ والاحتياط أصدر تعليمات تقضي على عمال التلفون بالمركز ونقط البوليس بأن لا يسجلوا البلاغات التى تعطى لهم من عمال تلفون البلاد قبل ان يتصلوا به شخصيا للتحقق من ان البلاغ قد أعطي الوصف الدقيق !
وقد حدث على إثر ذلك أن رجلا يتجر بالعسل كان سائرا في طريق عمومى يحمل معه بضاعته ونقوده . فهاجمه لصوص في رابعة النهار وسلبوه ما كان معه من النقود بعد أن أوسعوه ضربا وفروا هاربين . ذهب الرجل إلي عمدة أقرب بلدة وأبلغه ما حدث . فأثبت العمدة بلاغه عن هذه الواقعة - التي تعتبر من أخطر أنواع الجنايات - في دفتر أحوال البلدة . مخالفا بذلك تعليمات المأمور . ثم أبلغ الإشارة إلي نقطة البوليس ، فتلقاها عامل التلفون واضطر إلي إثباتها في دفتر قيد الإشارات الواردة ، ثم ابلغها بدوره
إلي عامل تلفون المركز . فرفض هذا أن يثبتها واتصل بالمأمور في منزله وأبلغه الأمر شفويا .
فلما علم المأمور بأن كلا من عامل تلفون النقطة والبلدة قد أثبتا البلاغ بالفعل أمر كلا منهما بأن ينتزع البلاغ من الدفتر نزعا ويمزقه
ثم قام المأمور على الفور إلي البلدة حيث حاول تارة بالضرب وطورا بالوعيد ان يحمل المجنى عليه على العدول عن ادعاء السرقة زاعما أنه كاذب مبالغ وانه لا يعقل ان يحمل تاجر صغير مثله المبلغ المدعي بسرقته
فلما وجد من الرجل إصرارا علي بلاغه اضطر أخيرا لإثبات البلاغ من جديد وإخطار النيابة وكان قد مضي على الحادث حوالى ست ساعات وضاع الوقت الذي كان يجدي في مطاردة الجناة وضبطهم . كما أخر زورا ساعة
حصول التبليغ محاولا إخفاء فعلته . إلا ان التحقيق الذي أجرته النيابة بعد ذلك كشف كل هذه التصرفات وأحيل المأمور للمحاكمة
هذا طرف من الأمثلة التي بها توضيح معني الدعاء الذي جعلناه عنوانا لهذه الكلمة فإن " العمدة " ورجل البوليس " هما خير اصدقاء القاضي متى صلح حالهما . وليس لنا تعليق على ما جاء في هذه الأمثلة إلا ان ندعوا الله مرة أخرى أن يأخذ بيد النهضة الإدارية الحديثة في بلادنا لكي لا تروي تلك الأقاصيص التي اشرنا إليها هنا إلا على أنها من آثار عهد انقضي . وإلا علي أنها من أساطير الأولين
