الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 124الرجوع إلى "الثقافة"

صور قضائية :، عندما ترمى الأقدار، ويحاسب الانسان

Share

( يونيه سنة ١٩٣٥ ) من الأمور المحرجة التى تصادف القاضى فى عمله ، أن يجد نفسه أمام حالة يتعين عليه فيها محاسبة المتهم عن عمل بدأه هذا المتهم حقا ، ولكنه لم يقصد أن ينتهى منه إلى النهاية التى أرادتها الأقدار بحال من الأحوال . ومن ذلك ما وقع لى فى الأسبوع الماضى . . .

فقد تقدم إلى غلام لا يكاد يبلغ السادسة عشرة من عمره ، وتهمته أنه فقأ عين غلام آخر فى نحو الرابعة عشرة . أما الغلام الأول - المتهم - فهو خادم فى منزل يجاور منزل الغلام الثانى .

وأما هذا الغلام الثانى - المجنى عليه - فهو تلميذ فى إحدى المدارس الثانوية .

وأما الواقعة فهى أن هذا التلميذ كان بلعب الكرة مع بعض زملائه فى الطريق . وكان الخادم يقف إلى جانب الطريق يشاهد اللعب مع المشاهدين . ولكنه كان إذا جاءت الكرة على مقربة منه ضربها بقدمه فأفسد بذلك مجرى اللعب على اللاعبين ؛ فنبهه التلميذ إلى وجوب الكف عن ضرب الكرة ؛ ولكنه لم يأبه له ولم يستمع

لقوله ، وعاد إلى ما كان يصنع كلما اقتربت الكرة منه . فأغلظ له التلميذ فى القول ، وحذره تحذيرا خشنا . وكانت فى يد الخادم عصا قصيرة من الخيزران المرن . فخطر بباله أن يهدد بها التلميذ . ولكنه لم يجرؤ على أن يضربه بها مباشرة . وكل الذى استباحه لنفسه أنه ألقاها

عليه فلم تصبه ، ويا للأسف -كما يقول صديقنا الدكتور محمد عوض - والأسف هنا على كونها لم تقع مباشرة على جسم التلميذ ، لأن الإصابة التى كانت تحدثها العصا فى مثل هذه الحالة لم تكن تعدو أن تكون كدما خفيفا هينا ، لا يمكن أن يترتب عليه أى أثر من الآثار ؛ هذا فضلا عن أنه كان من المكن فى مثل هذا الوضع أيضا أن ينحرف الفتى بجسمه عن مرمى العصا ، فلا تصيبه إطلاقا . ولكن الذى حدث هو أن العصا وقعت على الأرض تحت أقدام التلميذ ، فأصابت حجرا ، فارتدت إلى أعلى بسبب مرونتها ، فأصاب طرفها عينه ، فأدماها . . . فأفرغها . . .

والنكبة فى شأن التلميذ نكبة هائلة ، فانه لم يصب فى عينه فحسب ، ولكنه أصيب فى مستقبله كذلك . وليست عاهة العين من العاهات الخفية التى تنتهى آلامها بانتهاء علاجها ، ولكنها من العاهات الظاهرة التى يتألم لها صاحبها عند وقع كل نظرة عليه . فلو أن القاضى أراد أن يقيس العقوبة بهذا المقياس لنكل بالمتهم تنكيلا . ولكن نظرة أخرى إلى هذا المتهم تقلب الأمور رأسا على عقب , إذ من الواضح أن النتيجة التى انتهى إليها الحادث لم تكن تخطر له ببال . بل إنه لم يكن ليفكر فى إلحاق أى أذى صغيرا كان أو كبيرا بهذا الفتى المسكين ، ولم يكن كل ما وقع بينه وبينه ليثير فى نفسه أى معنى من معانى الانتقام ، بل إنه ليحس فى أعماق نفسه أنه كان مخطئا حين لم ينزل على حكمه إذ نهاه عن لمس الكرة . وإنه ليحس إحساسا مضاعفا بالأسف على أنه رفع عصاه فى وجه شاب إن لم تكن تربطه به صلة مباشرة ، فإنه ما زال فى حكم سيده . فكيف يمكن بعد ذلك أن يسأل هذا المنكود عن أمر لم يقصده ، وعن نتيجة لم يفكر فيها ؟ وهل من العدل فى شئ أن يسوى بينه وبين من أقبل على غريمه عامدا متعمدا يريد أن يوقع به ويشوه

وجهه ويعكر عليه صفو أيامه ، وبنكبه فى مستقبله ، فيضربه ضربا يفضى إلى مثل هذه النتيجة النكراء ؟ القانون يقول نعم ! لأن الضارب فى الحالتين تعمد

الضرب . وكل من ضرب وهو عامد وجب عليه أن يتحمل مسئولية عمله . و" البواعث" لا ينظر إليها القانون عند " تكييف " التهمة ، ولكنه ينظر إليها فقط عند " تقدير " العقوبة . ***

ولقد أثار هذا الحادث فى ذهنى ذكرى حادث آخر مماثل له . ولكنه كان أبعد آثارا وأغرب ظروفا ، وكان له فى حينه دوى فى دوائر الطب ودوائر القضاء معا . لأن المتهم كان طبيبا مشهورا ، ولأن الحادث انتهى بوفاة المجنى عليه .

وتفصيلات هذا الحادث تتلخص فى أن شابا فى مقتبل العمر قصد مع والده إلى أحد أطباء الأسنان لأن الفتى كان يشكو ألما فى بعض أضراسه . ولكنه كان فتى عصبيا هلوعا جزوعا ، فهو على الرغم من ألم ضرسه لم يكن يطيق فكرة أن يخلعه له الطبيب أو أن تمسه يد . ولذلك صحبه والده على كره منه وقصد به إلى ذلك الطبيب ، لعله يبلغ فى إقناعه ما لم يوفق هو إلى بلوغه .

وأجلسه الطبيب على مقعده الوثير ، وجعل يتلطف إليه بالكلام اللين ، ويوحى إليه الثقة فى خفة يده وسهولة عمله . ولكن الحالة العصبية التى كان عليها صاحبنا أغلقت آذانه دون كل نداء ، وزادته إصرارا على إصراره أن لا يمس أسنانه أحد . . .

وبدأ يحس الطبيب أن وقته يضيع سدى ، وان فى مرضاه المنتظرين من قد يكون أحوج إلى عنايته من هذا المريض العنيد ، فغير مسلكة معه وجرب شيئا من الشدة فى الحديث ، لعله يبلغ العنف ما لم يبلغه باللين . فبدا على الشاب كأنه أخذ فى الاستسلام تحث تأثير هذا الضغط ،

فتشجع الطبيب واسترسل فى خطته وانتقل من الكلام الشديد إلى الحركة العنيفة . وهم بفم الشاب يريد ان يدفع فيه آلاته الصغيرة , فعاد الشاب إلى المقاومة . وخيل إلى الطبيب أنه لو خطا خطوة أخرى فى سياسة القوة فلعله أن يفلح فى كسب المعركة ، فلطم الشاب لطمة خفيفة على أسفل وجهه وهو يدعوه إلى ضرورة السكون والتزام الهدوء .

وكأنما نجحت دعوته هذه المرة فان الفتى أسبل عينيه وأرخى يديه . و كف عن كل مقاومة . ولكن الانقلاب كان سريعا مريبا ، فاقترب الطبيب من مريضه يقلبه . . فإذا هو بين يديه جثة هامدة .

وقامت قيامة الوالد . وجاء البوليس . وانتقلت النيابة وفحص الطبيب الشرعى جثة الشاب . وانتهى إلى القول بأن الوفاة جاءت نتيجة للصدمة العصبية التى أصابت الفتى عقب اللطمة التى لطمه الطبيب إياها . . . فلم يكن للنيابة بد من تقديم الطبيب للمحاكمة بتهمة أنه ضرب الفتى ضربا أفضى إلى موته .

ولم يترك الدفاع بابا من أبواب التشكيك فى سبب الوفاة إلا عالجه . فقال المحامون : وما شأن الطبيب إذا كان المصاب إنسانا شهد الناس جميعا بأنه كان فى حالة عصبية شاذة ؟ وما شأنه أيضا إذا مست المصاب هذه الصدمة

المصبية وهى من تكوين جسمه لا من صنع الطبيب ؟ وقالوا : ومن يدرينا ؟ لعل المصاب قد انتهى أجله مصادفة فى تلك اللحظة التى لطمه فيها الطبيب ؟

وأين هى آثار تلك الصدمة العصبية وقد ثبت من تشريح الجثة أنها سليمة ليس بها أى أثر لأية إصابة ؟ ولولا اعتراف الطبيب نفسه بأمر تلك اللطمة الخفيفة لما قام على حصولها أى دليل آخر ؟

وجئ بالطبيب الشرعى ليدلى أمام المحكمة وعلى مسمع من الدفاع بحججه العلمية على صحة ما انتهى إليه فى

تقريره . وأسفرت مناقشته عن الحقائق الآتية : وهى أن " الموت الفجائى " يحدث فى حالات محدودة معينة ترجع إلى خلل يطرأ على : (1) جهاز الجسم الدموى ، أو (2) جهاز التنفس ، أو (3) الجهاز البولى ، أو (4) الجهاز العصبى .

فمن آثار الحمى مثلا فى بعض الأحيان ما يصيب القلب - وهو مركز الجهاز الدموى - فيجعله عرضة للهبوط الفجائى عند بذل أى مجهود شاق ، وتكون النتيجة " الموت الفجائى " .

وقد يحدث إدمان الشراب التهابا شعبيا فى الرئتين - وهما مركز جهاز التنفس - فيكون ذلك سببا فى مثل هذا الهبوط . وينتهى الأمر أيضا " بالموت الفجائى " .

وقد تقصر الكليتان - وهما مركز الجهاز البولى - لسبب ما فى إفراز مادة " البولينا " . فتبقى فى الدم وتتراكم فيه حتى إذا بلغت حدها القاتل أصيب المريض بغيبوبة مفاجئة تعقبها الوفاة .

وأخيرا توجد فى الجسم مجموعة من الأعصاب اسمها " المجموعة السمبثاوية " تنتشر أعصابها الدقيقة على الأحشاء ذات العضلات غير الارادية . ومهمتها تنبيه هذه الأحشاء للتحرك كى تقوم بعملها العادى . فالمعدة والأمعاء مثلا من بين هذه الأعضاء الحشوية التى تنقبض وتنبسط وتتقلص ؛ ولا شأن للارادة بتحريك عضلاتها ، لأن الذى يحركها هو هذا الجهاز السمبتاوى ، وأعصاب هذا الجهاز حساسة بحيث أن أية صدية لها قد تحدث تنبيها منعكسا للمراكر العصبية الأخرى المتصلة بها . فتنتهى بوقوف القلب أو التنفس ، ثم بالوفاة ؛ وفى مثل هذه الحالات لا يمكن للتشريح أن يكشف عن وجود أى أثر فى الجسم إذا كانت الإصابة خفيفة .

ومن المناطق الأكثر حساسية فى جسم الانسان لأمثال هذه الصدمات ، منطقة المعدة ، ومنطقة القلب ،

والخصية ، والعنق ، والقفا ، وأسفل الوجه . فأيما إصابة خفيفة تقع على واحدة من هذه الجهات عند من تكون له حساسية خاصة فى " جهازه السمبتاوى " تحدث له الوفاة المفاجئة .

ولم يبق أمام الدفاع بعد هذا البيان مجال لإنكار التهمة ، وصدر الحكم فعلا على الطبيب بالادانة . وكانت رمية أخرى عبثت بها يد الأقدار . فأصابت القاتل والقتيل فى آن واحد .

ومما يتصل بهذا المعنى ما حدث أيضا فى العام الماضى باحدى القرى القريبة من مدينة الزقازيق . فقد ذهب أحد تجار الحبوب مع أمه إلى السوق لشراء ما يتسنى لهما شراؤه من الغلال ؛ وسنحت للرجل صفقة رابحة مارس فيها ، فإذا بتاجر آخر يريد أن يغلبه عليها أو يشاركه فيها ، فأبى عليه ذلك ، وصرفه بالحسنى فلم ينصرف ، ووقعت المشاحنة التى لابد أن تقع فى مثل هذا المقام . وأقبلت الأم من أقصى السوق تجرى نحو ابنها وهى تصيح وتستغيث ليدخل الناس بين المتشاحنين ، ويدفعوا عن بعضهما أذى بعض ؛ وهمت هى بالتاجر الدخيل تريد أن يحول بينه وبين ابنها ؛ فبسط الرجل إليها قدمه يريد أن يركلها ، فنالت أطراف قدمه أسفل بطنها ، فكأنما صعقتها الكهرباء ! وخرت على الأرض فاقدة الحراك ؛ وحاول الموجودون عبثا أن يعملوا على إسعافها ففركوها ، ونثروا الماء على وجهها ، وروحوا لها ؛ ولكنها كانت قد فارقت الحياة منذ لمستها قدم ذلك التعس الذى أصبح بين طرفة عين وانتباهتها " قاتلا " موسوما فى نظر الناس والقانون بأنه . . . . . . . " أزهق روحا " .

ولعل أعجب حالة وقعت لى من أمثال هذه الحالات تلك التى راح ضحيتها رجل صالح قصد إلى المسجد ليؤدى فريضة العشاء على عادته كل ليلة . وكان من عجيب أمر

صاحبنا هذا أنه لا يرضى إذا ذهب إلى المسجد إلا أن يجلس فى الصف الأول خلف الامام ، كأنما ينثر الله سبحانه شآنيب رضاه على المصلين بقدر قربهم أو بعدهم من هذا الامام . ولذلك روى الشهود عن هذا المسكين أنه كان يترك حانوته المجاور المسجد قبل حلول موعد الصلاة بزمن طويل يكفل له الحصول على مقعده المنشود . . . فذهب فى تلك الليلة على عادته ، واتخذ مجلسه فى المكان الذى ارتضاه لنفسه ، وجلس يسبح حتى قام المؤذن فأذن للعشاء ، وأوشك الامام أن يقيم الصلاة ، وكان المسجد قد احتشد بالمصلين ، وعند ذلك فوجئ بحركة من خلفه ، يريد بها صاحبها أن يفسح له الرجل مكانا إلى جواره ، فلم يأبه لهذه الحركة ، وتجاهل صاحبها . ولكن أخانا هذا اندفع يدس نفسه دسا بين الرجل وبين جاره ، وهنا خان الرجل صبره ، وهاجته سماجة هذا الدخيل ، فنسى المسجد وحرمته ، والامام وهيبته . وانبرى له يرذله ويشرح له حاله ، وأنه يترك عمله ويذر البيع والشراء ، ويقصد إلى المسجد قبل غيره من الناس ليصيب المكان الذى يشاء ، وليستمتع بجلسة مريحة وبصلاة خاشعة ؛ فليس يجوز بعد ذلك أن يأتى فى اللحظة الأخيرة من يزحمه فى مجلسه فيحرجه ، ويتسبب فى تشتيت ذهنه ، ويقلب صلاته من عبادة ونجوى ، يود لو تدوم أبدا ، إلى حركات ثقيلة عسيرة يتمنى لو انتهت وشيكا ، كى يتحرر من عنتها وضيقها . . .

ودهش صاحبنا لهذه الثورة التى لم يهيئه فهمه لإدراك حقيقتها . ومضى فيما كان يسيله من تهيئة مجلسه إلى جوار الشيخ الأول وهو يقول فى هدوء : " نحن هنا فى بيت الله - والمسلمون يسع بعضهم بعضا ! "

ولكن الشيخ لم يمكنه من ذلك ، ونهض من مجلسه محنقا ، وفهم الرجل أن الشيخ قد يهم بضربه ؛ فبادر إلى تلابيبه يريد أن يمسك بها ، ولكنه ما كاد يضع يده على

ثيابه ، وبشد عليها حتى سقط الرجل بين يديه ، وقد فاضت روحه ؛ فلم ينفع فيه هو الآخر إسعاف ولا علاج ، وتبين أن السبب فى وفاته كان تلك الصدمة العصبية التى أصابته فى حالة هياجه ، من ضغط الرجل على عنقه ، ذلك الضغط الخفيف الذى لم يكن ليؤثر فى الظروف العادية أدنى تأثير على أشد الناس ضعفا ، وأهزلهم بنية ؛ وهكذا انتظمت فى سلك " القتلة " ضحية جديدة ، وفسدت حياة كاملة بسبب رعونة لحظة واحدة !

فإلى إخواننا العصبيين أسوق هذا الحديث ليتعظ به منهم من يشاء . والذى أراه أن من كمال أخلاق المرء أن يغل يده عن أذى الناس مهما يكن سلطانه عليهم . . . ويقول بعض الخبراء فى هذا الشأن : إن النظرة الشزراء عند من يعرف كيف يلقيها تفعل فى النفس ما لا يفعله الصفع واللكم ؛ فان صح هذا كان لدينا سلاح فعال وأنيق فى وقت واحد . ثم هو فوق ذلك لا يحتاج إلى " رخصة " ولا يعاقب القانون على حمله ولا على استعماله . ومن الخير أن نعود أنفسنا على نفاده وأن نروض أعيننا على إحكام الرماية به عند الاقتضاء ، لنأمن عواقب اللطمة الهوجاء ، ونسلم من شرور الركلة العشواء !

اشترك في نشرتنا البريدية