أشخاص القضية : (1)
الحاج سالم : فلاح - عمره ٦٠ سنة - يقيم مع أسرته في قرية من قرى الوجه البحري .
الحاجة خديجه : زوجة الخاج سالم أحمد : أكبر أولاد الحاج سالم عمرة ٣٠ سنة يشتغل في ) ماكينة طحين يمتلكها أحد أعيان القرية .
عبد الله : الابن الأصغر عمره 22 سنة يشتغل بالزراعة مع والده . حليمة ؛ بنت الحاج سالم - عمرها ١٨ سنة تساعد أمها في عمل البيت ،
جاد الرب : رجل من أهل الصعيد - نزح على عادة قومه إلي الوجه البحري التماسا للمرزق وانتهي المطاف إلى قرية الحاج سالم فأشتغل في ماكينة الطحين التي يعل فيها أحمد . وقد توثقت الصلة بين الزميلين إلى حد جعل أحمد يدعوة إلي الاقامة معه في منزل أسرته حيث ياأكل ويشرب وينام الماء لقاء 500قرشا يدفعها كل شهر . واستمر الحال علي ذلك نحو ثلاثة أشهر قبل أن يقع الحادث التالي .
الحادث
خرج جاد الرب بعد الغروب فاصدا إلي الماكينة ) لينقش ( حجرها كما اعتاد ان يفعل من حين إلى حين ولما عرف أحمد وجهته خرج معه ووصل الاثنان إلي الماكينة . وركب جاد الرب حجر الطاحون ، وأخذ في عمله . وجلس أحمد على مقربة منه ، وكان الحجر يواجه باب الماكينة ، ولا يبعد عنه أكثر من ستة أمتار ، بحيث أن من يقف بهذا الباب يجد الحجر أمامه مباشرة . ولم يكد يمضي علي جاء الرب في مجلسه ذاك أكثر من نصف ساعة حتى فوجئ بطلق ناري اصابه ورماه من فوق
الحجر . ولكن تبين أن الطلق كان محشوا بالرش فقط وان ما اصاب الرجل من هذا الرش لم يصبه في مقتل . ولذلك تمكن المحقق من استجوابه فورا ، وسؤاله عمن يتهم في هذا الحادث لأن البحث لم يكشف عمن اطلق هذا العيار ، ولم يسفر عن الاعتداء إلى اي اثر من آثاره .
أقوال جاد الرب :
وبدأ المصاب كلامه بقوله : إنه غريب في تلك القرية ، وإنه حديث عهد بها وباهلها ، وإنه لا يعرف لنفسه عدوا فيها .
ولكنه لم يلبث أن عدل عن هذه الأقوال جملة واحدة ، وقال إنه يتهم الحاج سالم وولديه أحمد وعبد الله بأطلاق هذا العيار . وكان هذا الاتهام مثار الدهشة عند الجميع ، نظرا لما يعرفه الخاصة والعامة من عطف هذه الأسرة عليه وإيوائهم له ، وتكفلهم بشئون معاشه
على أن المحقق لم يفته أن يفطن إلي أن أحمد كان معه في الماكينة وقت انطلاق العيار من جهة الباب . فلما واجهه بهذه الحقيقة قال إنه يقصر اتهامه على الحاج سالم وولده عبد الله . ولم يشأ ان يزيد على ذلك شيئا . فاضطر المحقق إلي ضبط الحاج سالم وولده وتوجيه التهمة إليهما لينظر كيف يقولان فيها .
أقوال الحاج سالم :
وقال الحاج سالم : إنه لم يبرح منزله منذ الغروب . وإن جاد الرب نفسه بشهد بأنه تركه هو وزوجته وبقي أفراد أسرته يتناولون طعام العشاء . وإنه ما كاد يفرغ من طعامه حتى دخل عليه الخفير يدعوه إلي الذهاب معه إلي حيث يقوم التحقيق . ولما فرغ المحقق من إثبات هذا الدفاع واجهه بالمصاب . فصدقه هذا فيما قال . وأعلن أنه يتنازل عن اتهامه ، وانه يحصر التهمة في ابنه الأصغر عبد الله .
أقوال عبد الله :
لم يكن عبد الله في منزله حين ذهب الخفير يستدعيه للمثول أمام المحقق . فلما استفسر من الحاجة خديجة عن مكانه قالت إنها علمت منه وهو يخرج انه بقصد إلى الحلاق ) ليأخذ له الشمس ( لأنه كان يشكو ألما في رأسه أصابه بسبب تعرضه للشمس أثناء العمل طول ذلك اليوم . فتوجه الخفير إلي الحلاق وهناك وجد عبد الله
فأخذه من يد الحلاق ، ووضعه بين يدي المحقق. فلما سئل عن التهمة التي يوجهها له المصاب أنكرها وقال إن المصاب ضيفه . وإنه لا يوجد بينهما ما يدعو إلي إطلاق النار عليه . وإنه لو اراد به سوءا لما اعجزه ذلك وهو قائم أو نائم إلي جانبه في منزله - ولم ير المحقق إزاء هذا الغموض إلا أن يلجأ إلي العمدة لعل عنده ما يلقي بعض الضوء على هذا الحادث المغلق
أقوال العمدة
وقال العمدة إن اشاعة تطن في آذان أهل القرية مؤداها أن جاد الرب ريد أن يقترن بحليمة ابنة الحاج سالم وان حليمة وأمها توافقان على عقد هذا القران . ولكن الحاج سالم وولديه لا يرغبون في إتمامه . وإن سبب اعتراضهم هو أن الزوج رجل غريب ليس له موطن مستقر ولا مال له يدفع منه صداق الزوجة . وإن الحاجة خديجة حين رأت أن تدبير هذا الصداق هو الذي يحول
دون إتمام الزواج جمعت خمسة جنيهات من مالها الخاص وسلمتها إلي جاد الرب ليقدمها إلي الحاج سالم حتى تتحل العقدة ويتم العقد . فدفع جاد الرب المبلغ إلي الحاج سالم وتم الاتفاق على ان يكتب العقد في اليوم التالي ، ولكن وقع الحادث في نفس المساء الذي دفع فيه الصداق .
وكان من الجسلي أن رواية العمدة ينقصها شئ من الصراحة ، إذ لماذا يكره الرجل واولاده ان يزوجوا ابنتهم
من هذا العامل الذي قبلوه في دارهم كانه واحد منهم . وذلك على الرغم من تنافر هذا العمل مع تقاليد ريفنا وأهله ؟ ثم لماذا تتكبد الأم صداق ابنتها فتدبره من مالها الخاص ليتم زواج لا يرغب زوجها وأبناؤها فى إتمامه ؟
ولذلك عاد المحقق ليستفسر العمدة من كل ما عنده من التفصيلات . فلم ير العمدة مفرا من الافضاء بكل ما في حسبته . وقال : إن المرجفين يزيدون على الاشاعة السابقة ان جاد الرب اتصل بحليمة قبل ان يخطبها إلى أهلها . وأن أسرتها علمت بأمر هذه الصلة فاختلف رأيها فيما ينبغي عمله وكانت خطة الام ان يتم الزواج ولو دفعت هي ثمنه . وكانت خطة الأب وولديه أن لا يتم هذا الزواج بأي ثمن . ولكن الزوجة ما زالت بزوجها حتي أقنعته بأن خطتها هي المثلي وأن إتمام العقد احجى وأكرم .
فمال الرجل إلي جانبها ، وبقي الولدان في صف وحدهما لا يستطيعان أن يسيغا هذا الحل . فإذا ما أصاب جاد الرب أي سوء فلن يكون ذلك إلا بيد أحمد وعبد الله . وما دام أن أحمد كان مع المصاب وقت الحادث فلا بد أن يكون عبد الله هو الذي أطلق النار عليه .
اعتراف عبد الله :
وجيء بعبد الله مرة اخري ، وطرحت أمامه كل هذه الظروف . فقال : نعم انا الذي اطلقت عليه النار لأغسل عار اسرتي بدمه . فان كان لم يمت فأن حسابي معه يكون ما زال في حاجة إلي تصفية . وقال إنه مذ علم بأن أبويه قد اعتزما عقد قران ) المجني عليه ( على اخته وهو يتربص به الفرص ، حتى إذا راه يخرج في المساء مع اخيه تأبط
سلاحه وخرج خلفه ، ولم يستطع أن يضربه في الطريق خشية ان يخطئه ويصيب أخاه فلما رآه يجلس على حجر الطاحون كما يستقر الطير على الغصن سنحت له فرصة اصطياده فرماه فأصابه وعاد أبراجه يجري فألقي " الغدارة " في زراعة قمح في الطريق وقصد إلي الحلاق ليقصده .
ضبط السلاح :
وقام المحقق إلي زراعة القمح التي سماها عبد الله وبث انها الخفراء ليبحثوا عن الغدارة ، فما لبث ان اقبل بها شيخ الخفراء في يده وهو يقول إنه وجدها في وسط الزراعة ، فشم المحقق فوعتها واثبت في محضره انه وجد رائحة البارو ما تزال تنبعث بقوة . وكان المتهم قذ وصفها بأنها غدارة يبلغ طولها نحو نصف متر ذات يد من الخشب
حمراء اللون . وقد رأي المحقق ان هذه الأوصاف تتفق مع أوصاف الغدارة المضبوطة ، فأثبت ذلك أيضا في المحضر - وقرر القبض على عبد الله بوصف كونه هو الذي أطلق النار وشرع عامدا في قتل جاد الرب .
مفاجأة
ورأي المحقق أن يختم محضره بتلك المواجهة التقليدية التي تجمع فيها بين المتهم والمجني عليه ليسمع كل منهما قول الآخر فيه . فما راعه إلا أن يري المتهم وهو يعدل عدولا تماما عن كل ما اعترف به . ثم يعود إلي إنكار الحادث وعلمه به . فلما باقته المحقق في تفصيلات اعتراف قال : إن العمدة هو الذي حرضه على الإدلاء بهذا الاعتراف ليخلى
نفسه من تبعة قيام الجناية في قريته دون أن يهتدي فيها إلي ضبط الجاني . ولما سئل عن الغدارة وأوصافها ومكان ضبطها قال إنه لم تكن عنده غدارات وإن شيخ الخفقراء هو الذي أوعز إليه بما قاله في شأنها . وكان ذلك بناء على اتفاق سابق بينه وبين العمدة
وكان ادعي إلي الدهشة أن يقرر المصاب نفسه بعد أن سار التحقيق كل هذا الشوط الطويل أنه يعدل عن اتهام عبد الله . ويري ان الحادث لابد أن يكون قد وقع من يد غير يده .
قرينة لها مغزاها
ورأي المحقق أن مصباح ديوجين عاد يضطرب في يده .
فلم يريدا من الالتجاء إلي تدبير فيه شئ من القسوة ، ولكنه قد يؤدي إلي شئ من الهداية . فأمر باحالة حليمة على الطبيب الشرعي لتوقيع الكشف عليها وبيان حالها . فقرر الطبيب انها مفضاة وانها حامل في شهرها الثالث .
وقرينة أخري :
وإزاء هذه النتيجة اطمأن المحقق إلي قضيته وقدمها إلي قاضي الاحالة ، فأحالها على محكمة الجنايات . وكانت الغدارة قد ارسلت أيضا إلي الطبيب الشرعي لفحصها وتقديم تقرير عنها ، فجاء تقريره يقول إنه أخذ " مسحات " من فوهة الغدارة وحلها فلم يسفر تحليلها عن وجود اي أثر للبارود . وكان هذا التقرير من أقوي الدعامات التي استند إليها الدفاع عن المتهم في طلب البراءة ، لأنه يناقض ما اثبته المحقق في محضره من انه شم بأنفه رائحة البارود في الغدارة عند ضبطها . واتخذ الدفاع من هذه الظاهرة وسيلة للتشكيك في صحة البيانات التي اقام المحقق عليها هيكل الانهام
أمام المحكمة
وحل يوم المحاكمة ونودي على المتهم فحضر وانكر التهمة ، واعاد ما سبق له ان قاله أثناء التحقيق من ان اعترافه الذي أثبت على لسانه لم يحصل إلا تحت تحريض العمدة وشيخ الخفراء وكان يحضر عن المتهم أمام المحكمة محاميان ، فتقاسما الدفاع عنه ، وتكلم الأول على أساس أن الاعتراف المنسوب إلي المتهم اعتراف مشوب غير سليم . ثم تكلم الثاني على أساس التسليم بصحة هذا الاعتراف .
وقال الأول : إن المتهم - عبد الله - لم يقم عليه اي دليل يقطع بادانته ، قبل ان يدلي هو بذلك الاعتراف المفصل . فلم يشهد أحد بأنه راه يطلق النار ، ولم يقل أحد بأنه صادفه في طريقه إلي الماكينة قبل وقوع الحادث ، أو في أثناء عودته منها بعد وقوعه . ولم يثبت
في حقه انه هو المالك للغدارة المضبوطة ، وقد جيء بهذه الغدارة وقت نظر القضية أمام احمكنة فتبين أن يدها ليست حمراء اللون ، ولكنها أميل إلي اللون الأصفر
وسواء أ كانت اليد صفراء أم حمراء ، فقد قرر الطبيب الشرعي ان التحليل اسفر عن عدم وجود أي أثر للبارود فيها ، وهذا قاطع في فساد الاعتراف ، لان اساسه ان المتهم يقول إن هذه الغدارة هي التي اطلق منها النار على المجني عليه ، فمتى ثبت انها خلو من كل أثر البارود ، يكون من المقطوع به أنها لم تنطلق ويكون المصاب قد أصيب من غير هذه الغدارة ، ومن غير يد المتهم .
واستهل المحامي الثاني دفاعه بقوله للقضاة : إن القدر قد حكم على هذا المتهم حكما اقسى من كل ما تستطيعون أن تحكموا به عليه - فيما لو رأيتم إدانته - إنه حكم عليه بالعار والذل وتنكيس الرأس بين أهل بلده مدى الحياة إن العدالة كما رسمتها قوانيننا هي التي جاءت بالمتهم فأدخلته هذا القفص ولكن هناك عدالة أخري هي التي يفهمها المتهم وامثاله من اهل الريف ، وهي تقضي بأن يخلى هذا القفص ليقف فيه المجني عليه . إن هذا الرجل هو المجرم الحقيقي الذي يستحق القصاص
والمحا كمة إنه ذلك الضيف الغريب الشريد الذي أواه المتهم في بيته ، فكانت طريقته في الاعتراف بهذا الجميل أن يعتدي على كرامة مضيفه - أن ينهش عرضه ويسلب عفاف اخته ، ويترك في جنينه وصمة هذا العار الأبدى ، يعيش بها منكس الرأس ما بقي له من أيام الحياة . لقد دفعت الام ثمن هذه الجريمة من مالها لتستر عرضها ، وكانت هذه طريقتها في علاج الموقف . ولكن بقيت طريقة المتهم الشاب الذي يرد أن يغسل عار أخته اذكروا أننا نحن أبناء من قالوا :
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذي
حتى يراق على جوانبه الدم
واحكموا علينا حكما نفهمه ، حكما يتفق مع فطرتنا ومع تراثنا الذي خلفه لنا آباؤنا عن مقاييس الأخلاق ومعايير الشرف والعرض . .
وظل يضرب المحامي علي هذه النغمة حتى استنقد كل ما فيها من المعاني ، ثم انتهي إلي القول بأنه لو قدر له يوما ما - وهو الرجل المثقف الذي درس القانون - أن ينكب بمثل ما نكب به المتهم لما صنع أقل مما صنعه المتهم ولفعل ذلك واثقا من انه لا يرتكب جريمة ، وإنما يصحح خطأ ، ويمحو أثار عمل ذميم ، ويسترد اعتبار عرضه بين مواطنية .
الحكم :
وخلت المحكمة للحداولة ، ثم أصدرت حكمها ، فإذا هو يقضي . . بالبراءة فهل كان ذلك استجابة لدفاع المحامى الاول تمشيا مع نظرية المحامي الثاني ؟ ومن من الاثنين ياتري يستطيع أن يقول إنه هو الذي كسب الدعوي ؟ نترك ذلك لتفكير القارئ ولأسباب الحكم .

