الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 228 الرجوع إلى "الثقافة"

صور قضائية :، من خيانات الخدم

Share

كانت جلسة اليوم عجيبة حقا !

دخلت غرفتي في الصباح مبكرا فوجدت ملفات القضايا التى ستنظر اليوم موضوعة على مكتبي . فجلست وأخذت أتصفحها واحدة بعد الاخري ربما يحل موعد افتتاح الجلسة . وكانت دهشتي تزداد كلما فرغت من قضية وتناولت التي بعدها . . تطابق في الوقائع عجيب ، كأنما خرجت هذه الملفات من أحد محلات ( الفوتوماتون ) ولم تخرج من أقسام مدينة القاهرة الأربعة عشر ! . . فكيف اتفق لهذه القضايا أن تجتمع كلها في جلسة واحدة ؟ . كانت الجلسة حوالى خمسين قضية وكانت ثلاثون منها أو تزيد قليلا متشابهة الموضوع . ولكنها متنوعة في

تفصيلاتها ، كأنما أعدتها يد روائي بارع يربأ بعمله أن تفسده المشاهد المتكررة .

وإني أود أن أورد هنا نماذج من الدبياجات التي افتتحت بها هذه المحاضر لعل في إيرادها ما يفتح العيون التي ما تزال تؤثر الإغماض . ولعل فيها ما يثير بعض الشك في نفوس من لم يؤمنوا بعد بأن " سوء الظن عصمة

١ - حضرت للقسم ساعة تاريخه ( ١ ) السيدة وبلغت بأنها بعد خروج أولادها للمدرسة وانصراف زوجها إلي محل عمله في هذا الصباح خرجت لزيارة جارتها . وتركت خادمها الصغير الذي يبلغ من العمر ١١ سنة في المنزل ليقوم بعمله فيه كالمعتاد . وغابت نحو ساعة من الزمان .

ولما رجعت لم تجد الخادم فاشتبهت في الأمر . وتفقدت نقودها التى كانت في " الدولاب " فلم تجدها . وهي تتهم الخادم المذكور بسرقتها - فرأينا سؤالها بالآتي :

س - من أين أحضرتم هذا الغلام ؟ جـ - أحضرته لنا خادم كانت عند جيراننا . س - وكم سنة له في خدمتكم ؟

جـ - له حوالي ثلاث سنوات . س - هل لم تلاحظوا شيئا على سلوكه قبل اليوم ؟ جـ - بالعكس كان أمينا جدا . واعتدنا أن نترك

له ملابسنا ونقودنا . ولم نلاحظ عليه شيئا

س - هل تعرفون مكانه الآن ؟ جـ - لا - الخ - الخ .

٢ - حضر للقسم العسكري - مراسلة " حضرة الصاغ - بالجيش المصري وعرف بأنه يريد التبليغ عن حادثة سرقة وقعت في المنزل . فسألناه بالآتي :

س - كيف حصلت السرقة التي تريد التبليغ عنها ؟

جـ - كان يوجد عندنا في المنزل خادم صغير حضر من الريف منذ شهرين . وفي هذا الصباح سلمه حضرة الصاغ ورقة من ذات المائة قرش لشراء علبة سجاير له .

فذهب الخادم ولم يعد . وكان منذ ثلاثة أيام ذهب إلي السوق ومعه عشرون قرشا لشراء بعض لوازم المنزل فغاب ساعتين ثم عاد وادعي ان المبلغ وقع منه . فصدقه أهل المنزل لأنه ولد بسيط ولم نشك في صحة أقواله . فلما غاب اليوم مررت بنفسي علي البقال الذي نشتري منه السجاير عادة ، فعلمت بأن الغلام حضر عنده في الصباح فعلا ، وكان الجنيه في يده . ولكنه لم يشتر سجاير . وإنما اشتري مقدارا من السكر والصابون والبن . واستعار من المحل " مقطفا " صغيرا ليضع فيه هذه الأشياء على أن يرده

بعد ذلك . ولكنه لم يحضر المنزل ولم يرجع للبقال .

س - وهل تعرفون مكانه الذي ذهب إليه ؟

جـ - هو كان دائما يفكر في أهله ويرغب في الرجوع إلي بلده . ويظهر أنه انتهز فرصة وجود هذا المبلغ معه اليوم . واشتري هذه " الزيارة " لكي لا يعود إلي والديه ويده فارغة . . . الخ .

٣ - في ساعة تاريخه حضر للقسم ا . ع . بك " من ارباب المعاشات وبلغ بأنه اعتاد ان يحفظ نقوده في درج مكتبه . ويحتفظ بالمفتاح في جيبه دائما . ولذلك لم يكن يتحرز من إخراج ما يحتاج إليه من هذه النقود أمام خادمه الصغير المدعو - وهو من ناحية -

ويبلغ من العمر عشر سنوات . اليوم استيقظ من النوم صباحا فلم يجد الخادم ووجد المفتاح في درج الكتب ولم يجد النقود . وكانت عبارة عن واحد وثمانين جنيها وكسور منها خمس ورقات من " فية " العشرة الجنيهات ، وأربع من " فية الخمسة والأوراق الباقية من ذات المائة قرش .

ولا يعرف نمرها وليست عليها توقيعات خاصة ولا علامات مميزة . وقد سألناه بالآتي :

س - ما اسم المخدم الذي احضرت من عنده هذا الخادم ؟

جـ - هو حضر لنا عن طريق البواب . وكنت قد أوصيته أن يبحث لنا عن " بربري " صغير لنقوم بتربيته وتعويده على الخدمة عندنا من صغره .

س - وما اسم هذا البواب ؟

جـ - والله لا أذكر اسمه . وقد خرج من خدمتنا منذ ستة شهور .

س - هل يمكنكم الإرشاد عن مكان هذا البواب أو الخادم ؟

جـ - متأسف جدا . وأظن هذا واجب رجال البوليس !. . الخ . الخ

٤ - حضرت للقسم في تاريخه الست - حرم المرحوم - ومعها خادمها الصغير المدعو - وبلغت بأن أولادها الذين في المدارس ، اخذوا منذ شهر يشتكون من ان كتبهم المدرسية تضيع منهم ، فكانت تنهرهم وتوبخهم وتنسب إليهم الإهمال ، ولما كانوا يؤكدون لها ان هذه الكتب ضاعت من المنزل كانت تنسب ذلك إلي أنهم يريدون التخلص من تبعة إهمالهم ، ولكنها اليوم بحثت عن علبة الكبريت في المطبخ فلم تجدها . ووجدت سترة هذا الخادم معلقة على مسمار بالحائط . فخطر لها أن تبحث فيها . فلم تجدها أيضا . ولكنها وجدت مقدارا من " الملبس " فسألته عن مصدره ، فأجاب أجوبة مضطربة .

ثم اعترف لها أخيرا أنه هو الذي كان يسرق كتب سادته الصغار ويبيعها في مكتبة مجاورة ، ويشتري بثمنها ما تهفو إليه نفسه من أصناف الحلوي . فرأينا سؤالها بالاتي :

س - هل لم يسرق هذا الخادم شيئا آخر خلاف الكتب ؟

جـ - أنا لم أكن أستأمنه على شيء أبدا لكثرة ما سمعت من حوادث سرقات الخدم . فلم أكن أسمح له بمعرفة المكان الذي أحتفظ فيه بنقودى أو مصاغي . ولا بالمكان الذي أضع فيه مفاتيحي . وحتي المحلات التي أتعامل معها مثل البقال والجزار وغيرهما كنت اتعامل معها بواسطة دفاتر أسلمها لهذا الخادم ، فتدون فيها مشترياتنا وأثمانها دون ان يدخل في كف الخادم قرش واحد . وذلك حتى يتمكن من سرقتنا . . ولكن الخ . . الخ

٥ - حضرت للقسم في تاريخه مدام - وبلغت بأنها ذهبت صباح اليوم إلى المطبخ وتركت خادمهتا الصغيرة في

غرفة النوم لتنظيفها كالمعتاد ، ثم سمعت بائع البرتقال في الطريق ، فنادت على خادمهتا لتستوقفه ، وطال نداؤها لها فلما لم تجبها ذهبت إليها فلم تجدها ، ووجدت درج ( الشيفونير ) الذي تحتفظ بمصوغاتها فيه مكسورا . ولم يجد شيئا من هذه المصوغات ، وكانت قيمتها حوالى ١٥٠ جنيها مائة وخمسين جنيها . فسألناها بالآتي .

س - ما اسم هذه الخادم وما أوصافها ؟

جـ - اسمها - وهي في الثالثة عشرة من عمرها نامية الجسم بيضاء اللون سليمة العينين . . الخ

س - هل كانت عندها رخصة ؟

جـ - إن التي أحضرتها لنا هي الغسالة . وقد اعتادت هذه الغسالة أن تحضر إلينا كل يوم جمعة ، وسأسألها عنها عند حضورها .

س - وهل كانت تقبض اجرتها بنفسها ام " كيف ؟

جــ - هذه البنت يتيمة ، وكنت أحتفظ لها بمرتبها عندي ، ولكنها منذ ثلاثة شهور اشترت بمتجمد أجرتها مصاغا أودعته عند امرأة تبيع الحلوى بطرف الشارع ، وكان لهذه المرأة ولد سمعت أنه يرغب الزواج منها ، وقد اعتادت في المدة الأخيرة أن تقبض مرتبها وتسلمه لهذه المرأة - وقد قصدت إليها عقب اكتشاف السرقة وسألتها عن الخادم ، فأنكرت صلتها بها . واستنكرت توجهي إليها بالسؤال عنها . ولم استطع التفاهم معها . فحضرت إلي القسم لضبط الخادم ورد المصوغات وتفتيش هذه المرأة ، ووضعها في الحبس حتي تعترف بالحقيقة . . ! الخ .

٦ - حضر الآن الخواجا - ومعه مدامة الخواجا - وبلغا بأنهما استيقظا أمس حوالى الساعة الواحدة والنصف صباحا على صوت انفجار شديد في مكان قريب من محل سكنهما ، ونظرا لأنهما لم يسمعا " صفارة الإنذار " فإنهما ارادا ان يستأنفا نومهما ، ولكنهما ما لبثا ان سمعا صوت

" الصفارة " وتتابع أصوات الانفجار ، فقاما في حالة انزعاج قاصدين إلي المخبأ . وكانت معهما ضيفة تقيم عندهما منذ ليلتين هي اخت السيدة المبلغة ومنها خادمها الصغيرة المدعوة - وكانت السيدة المبلغة تحتفظ بكافة نقودها ومجوهراتها في حقيبة تضعها تحت سريرها . وكانت حدثت غارة أخذت حقيبتها معها وقصدت إلي المخبأ . وفي نفس الليلة التي حضرت فيها أختها وخادمها كانت حصلت غارة اخرى . وشاهدتها الخادم وهي تأخذ الحقيبة من تحت السرير كما شاهدتها وهي تردها عقب انطلاق " صفارة الأمان " ولكن نظرا للاضطراب الذي حصل في إطلاق الصفارة هذه الليلة ، فإن السيدة لم تأخذ الحقيبة ، وفي الصباح بحثت عنها فلم تجدها ، وهي تتهم الخادم بسرقتها .

فرأينا سؤال المدام بالآتي : من - كيف تمكنت الخادم من السرقة إذا كنتم

قصدتم جميعا إلي المخبأ ؟ جـ - الناس الموجودون في المخبأ بترددون كثيرا على " دورة المياه " وهذه الخادم كانت تصاب بنوبة خوف شديد عند سماع الصفارة ، ولذلك فإنها كانت اكثر الجميع خروجا من المخبإ .

س - ومتى اكتشفت السرقة ؟ جـ - هذا الصباح . س - وأين هذه الخادم الآن ؟

جـ - بعد الغارة عدنا جميعا إلي أماكننا . واستأنفنا نومنا وكانت الخادم معنا ، ولكنا لما استيقظنا في الصباح . لم نجدها فاتجه نظري في الحال إلي الحقيبة . وبحثت عنها فلم أجدها أيضا

س - هل يمكن التأكيد بأن السرقة حصلت وقت الغارة .

جـ - يجوز أن تكون حصلت وقت الغارة . ولكن من الجائز ايضا ان تكون حصلت بعدها . وعلى العموم نحن لم ننتنبه للسرقة إلا بعد طلوع النهار .

س - وأين أختك التي كانت عندها هذه الخادم ؟

جـ - أختي كانت حضرت من بنها عندي للعلاج لان عندها ضعف في القلب ، فلما عرفت ما حصل من خادمها ، حصلت لها نوبة شديدة نقلت بسببها إلى المستشفى وهي الآن هناك . .

هذه ستة نماذج من مجموعة القضايا التي طالعتها هذا الصباح . وهي صور مختلفة لأصل واحد ففي كل حالة منها خادم صغير كان موضع الثقة ومحل الاطمئنان . وفي كل حالة منها ايضا كانت نصاب الأسرة على يدى هذا الخادم الذي كان محل ثقتها واطمئنانها - " ومن مأمنه - دائما - يؤتي الحذر " !

ونحن نكتفي اليوم بهذه النماذج حتي لا يمل القارئ هذا الحديث وموعدنا معه العدد القادم إن شاء الله حيث نأتي على بقيته .

اشترك في نشرتنا البريدية