تقدم إلى فى جلسة الجنح المـــاضية متهم - وكانت تهمته أن رجال البوليس الملـــكي فى المدينة وجدوه ينام ليلا فى مصلى على حافة الترعة . فأيقظوه إذ رأوه - على حد تعبيرهم - من " الأغراب " . وسألوه : من أين أقبل ، وإلى أين يريد أن يمضى ؟ فقال : إنه من بلدة ز ، وأنه ضاقت به سبل العيش هناك ، فخرج يضرب فى الأرض ، ويسعى في منا كبها ، لعله يوفق إلى عمل يعيش منه ، وأنه دخل المدينة مع الليل ، فلم يجد ما يأوى إليه ، فاعتزم أن يقضى ليلته فى " بيت الله " حتى إذا طلع عليه النهار عاود سعيه فى طلب الرزق . .
وقد لا يعلم القارئ أن تعليمات البوليس تقضى بوجوب " التحرى " عن أمثال هذا " الغريب " ، لعله مجرم هارب فر من جريمة ارتكبها ، أو مجرم مقبل على جريمة اعتزم ارتكابها . ولذلك فإن رجال البوليس استاقوا هذا الرجل إلى المخفر حيث أودع السجن ريثما تنتهى عملية " التحرى " وأخذت بصمات يديه وأرسلت إلى قلم تحقيق الشخصية . وجاء الرد بالبرق يفيد أن صاحب هذه البصمات سبق أن أنذره البوليس بوصف كونه متشردا ليست له صناعة أووسيلة مشروعة للتعيش . ولما كان هذا الإنذار يقتضى أن يتخذ المنذر لنفسه عملا يرتزق منه فى مدى عشرين يوما من تاريخ توجيه الإنذار إليه ، وإلا حق عليه العقاب باعتباره " عاد إلى حالة التشرد رغم إنذاره " فقد رأى رجال البوليس
أن الحالة التى بين أيديهم تستوجب المحاكمة . . . وقيدت الواقعة " جنحة عود للتشرد " - وقدمت للجلسة . . .
ومما يجدر ذكره فى هذا المقام أن العقوبة التى يجب على القاضى أن يحكم بها فى مثل هذه التهمة هى عقوبة مركبة ، يقضى فيها بالحبس ، ثم يقضى أيضا بوضع المتهم - بعد انقضاء الحبس - تحت مراقبة البوليس لمدة معينة .
ومعنى وضع المتهم تحت مراقبة البوليس أنه يجب عليه أن يعود إلى مسكنه عند غروب الشمس ، وألا يبرحه قبل طلوع النهار . ومن مقتضيات ذلك أن يمر به جنود البوليس ليلا مرة واثنتين وثلاثا ، فيوقظوه ويتأكدوا من وجوده ، ثم يتركوه ليعاودوا إيقاظه " والتتميم " عليه بعد قليل ، وهكذا . . . .
وأنت ترى من ذلك أن العقوبة قاسية نوعا ما ، لأنها تفترض أن العمل ميسر لـــكل من يطلبه . وأن من لا يتخذ لنفسه عملا يكون قد فعل ذلك عامدا ليبقى عاطلا ، وليعيش طفيليا على أرزاق الناس وكسبهم الحلال ؛ فى حين أن الواقع غير ذلك ، وأن الرجل قد يسعى إلى أن يفتعل الدم فى البحث عن الرزق ، ويعود وليس معه إلا الحسرة والحرمان ! . . . .
وعرضت القضية . فسألت الرجل :
- هل كنت خاليا من العمـــل وقت أن ضبطك البوليس ؟ - نعم ! - وهل طالت مدة خلوك من العمل قبل ذلك ؟ - نعم ! - وهل لم تجد عملا فى هذه المدينة ؟ - لم يمهلونى أبحث فأجد ، لأنى أودعت السجن ليلة دخلتها ! - ولمــــاذا تركت البلدة التى كنت فيها ؟ - كنت أعمل فى مقهى ساءت حال صاحبه فأغلقه فتعطلت ، فقصدت إلى غيره وعرضت نفسى على أصحابه ، ورضيت أن يكون أجرى ما يكفيني لطعام يومى ، فلم أجد من يستخدمنى حتى بهذا الأجر .
وضاعت منى فى سبيل هذا البحث أيام ، حتى جعت وساءت حالى ، فقصدت إلى محطة السكة الحديد ، وقلت أحمل حقيبة أحد المسافرين أو سلة إحدى المسافرات فتتقدنى أجرا آكل به . واستقام أمرى على هذه الحال أياما ؛ ولـــكن فاجأنى رجل البوليس ذات يوم وأنا فى عملى ،فاستاقنى إلى المخفر لانى"أشتغل حمالا بغير رخصة" ، وحكم على القاضى بغرامة جسيمة لم أجدها معى فحبسونى أياما عديدة (بواقع) يوم واحد عن كل عشرة قروش . . .
وخرجت بعد ذلك أعاود البحث عن أى عمل فــلم أجد ، وأدركني الجوع ، فبسطت يدى إلى الناس أستطعمهم حتى يبعث الله بالفرج . فضبطنى الجندى " متلبسا بجريمة التسول فى الطريق العام " ، وبعثوا بى مرة أخرى إلى القاضى . فأمر فى هذه المرة بحبسى خمسة عشر يوما . .
وخرجت من السجن أعاود البحث عن العمل ، فعطف على تاجر من تجار البصل . سلمنى غرارة مملوءة ، وسلمني عربة صغيرة أضع عليها بضاعتى ، وأخذت أجوب
الطرقات ببضاعتى وأنا شامخ مرفوع الرأس لأنى لا أجد لأحد على من سبيل . غير أن البوليس لا حقنى وسألنى عن " رخصتى " فأفضيت إليه بحقيقة حالى ، فلم يستمع إلى وقادنى إلى المخفر مرة أخرى حيث قدمت إلى المحـــــكمة بتهمة أنى " بائع متجول بغير رخصة " ، وحكم على القاضى هذه المرة بغرامة تحولت كالمعتاد إلى حبس . فضقت ذرعا ببلدى وبرجال البوليس فيهــــا ، وقلت أبحث عن رزقى فى غيرها فجاءوا بى إليك . . .
استمعت إلى قصة الرجل ، وأنا لا أجد فى كلامه ما يصح أن يؤاخذ عليه . ولست أدرى كيف وثب إلى ذهنى هذا الخاطر :
" ترى لو كان الحاضرون فى قاعة الجلسة كلهم من " " ذوي الأعمال ، ثم تعطلوا جميعا كما تعطل هذا المتهم . " " ثم وجه البوليس إلى كل واحــــد منهم إنذارا بالبحث " " عن عمل فى مدى عشرين يوما . . . . ترى كم منهم " " كانوا يعودون إلى هذه القاعة وهم فى قفص الاتهام ؟ ! "
ألا إن كثيرا من القوانين ليحتاج إلى القاضى الذى يعرف أحيانا كيف يتفادى تطبيقها !

