الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 467الرجوع إلى "الثقافة"

صور قضائية :, عندما يشتم المتهم قاضيه !

Share

أراد صاحب لى ذات يوم أن يمر بى فى المحكمة التى كنت أعمل فيها . وكان من حسن ظنه بعملى أنه أقبل على بعد الظهر بقليل ، وهو يتوقع أن يجدنى فى غرفة استراحتى . فلما دخل ألقانى فى مجلسى لا أزال أرفع قضية لأضع مكانها قضية أخرى . وأصرف متهما لأدعو مكانه متهما آخر . وكانت الجلسة جلسة جدالية ، فجلى لصاحبى أن لا يخطرنى بمقدمه . ودخل إلى القاعة من الباب الذى يدخل منه المتقاضون . فلم أفطن إلى وجوده . ومضيت فى عملى كما كنت .

وشاءت المصادفات أن يقع لى فى ذلك اليوم حادث مع أحد المتهمين بلفت النظر - ذلك أنى كنت أنظر قضية رجل ضرير ، تهمته التى قدم ليحاكم من أجلها : أنه تسول فى الطريق العام .

وكان القانون الجديد الذى وضع فى سنة ١٩٣٣ ، حديث عهد فى المحاكم . ولم يرض عنه المتسولون ، لأن بعض أحكامه كانت تنطوى على قيود ثقيلة على نفوسهم . فمن ذلك مثلا أنه قسم المتسولين إلى قسمين : أصحاء ، وغير

أصحاء . فأما الأصحاء فإنه أوجب على القاضي أن يحكم بحبسهم متى ضبطوا وهم يتسولون فى الأماكن العامة . وأما غير الأصحاء فإن المشرع مهد لتشريعه الجديد بإعداد ملاجئ لهم فى بعض المدن . ثم أوجب على القاضي بعد ذلك أن يحكم بحبس المتسول غير صحيح البنية متى كان التحاقه بهذه الملاجيء ممكنا - كما أوجب عليه أن يقضى بإيداعه الملجأ بعد انقضاء عقوبة الحبس . وكانت هذه العقوبة التبعية - عقوبة الإيداع في الملجأ - مثار الامتعاض والتذمر فى أوساط المتسولين غير الأصحاء ، لأنها كانت فى نظرهم بمثابة حبس (مؤبد) . وبينما كان الشارع يرجو من وراء إيداعهم فى الملاجيء أن يكفل لهم رزقا ميسرا ، ومأوي كريما ، يغنيهم عن التسول - رأى المتسولون فى هذا التشريع تعرضا لحرياتهم الشخصية . وحجرا على تصرفاتهم ، وحرمانا لهم مما يتمتع به سائر الكائنات ، من حرية الانتقال ، والسكنى ، والاتصال بالناس ، ومصادرة لهم فى حقهم المشروع فى اختيار . . مهنتهم !

والمتسولين - ولا سيما ذوي العاهات منهم - دوائر اختصاص ومناطق نفوذ يحتلها كل واحد منهم ، بتفاهم ضمنى بينه وبين زملائه . وليس يجوز فى عرفهم أن يعتدى أحدهم على " حرم " زميل له - أعنى على منطقته التى يتلقى الصدقات من أهلها - كما أن لهم ندوات يسمرون فيها ، وخلوات يستتمتعون فيها بما قد يعز على عبادالله المتصدقين ! فكل هذه الحريات ، وكل هذه المتع ، تصبح حراما عليهم إذا هم أكرهوا على العيش فى الملاجئ حيث الأكل المنظم فى مواعيده ، المحدد فى مقاديره ، الذى يجرى عليهم فى رقابة ونظام مطرد ممقوت ، والذى تسعى به إليهم أيدى خدم الملجأ وهم فى العادة قوم أغلظ قلوبا من ممرضى المستشفيات العامة !

فكان إذا وقع فى يد المحكمة - يوما - واحد من

هؤلاء المتسولين (غير الأصحاء) إنصرف دفاعه كله . لا إلى نفى " التهمة " ، ولكن إلى نفي " العاهة " التى تجعله فى حكم القانون غير قادر على الكسب . والتي يتعين بسببها أن يدخل الملجأ بعد أن يقضى فى السجون عقوبة الحبس . ولم تكن عقوبة الحبس فى ذاتها مكروهة عندهم مهما طالت مدته ، لأنها على أية حال صائرة إلى زوال . ولأن الحرية ستأتى من بعدها . وستحمل إليهم على أجنحتها الشفافة ما تشتهى أنفسهم من متع الحياة الصغيرة كالتدخين ، وأكل الحلوى ، والاختلاط بالجنس الآخر . وهذه كلها أمور محرمة فى معيشة الملاجئ .

من أجل ذلك كنت ترى المتسول (المقعد) مثلا - إذا قدم المحاكمة - لا يهتم بنفى تهمة التسول عن نفسه بقدر ما يهتم بنفى تهمة القعود . لأن " التسول " عقوبته الحبس إلى أجل قصير . أما " القعود " فقد أصبحت عقوبته " الملجأ المؤبد " وما يتتبعه من صنوف الحرمان الشديد !

ففي ذلك اليوم الذي جاء فيه صاحبى . تقدم إلى هذا المتسول الكفيف . ولم تكن له حيلة فى نفى عاهته ، لأنها ظاهرة لا تحتمل المماحكة ، ولذلك لجأ فى دفاعه إلى نظرية أخرى ، مؤداها أنه وإن كان كفيفا إلا انه قادر على كسب عيشه ، فينبغى أن تكون عقوبته قاصرة على الحبس دون هذا الملجأ اللعين البغيض . وحاولت أن أقف منه على تلك الأساليب التى يدعى أنه يقدر عن طريقها على كسب عيشه بطريقة مشروعة . فجعل يروغ منى ويزعم المزاعم المختلفة التى لم يقو على إثبات صحتها . وأخيرا زعم أنه يحفظ القرآن . وانه يتبرك بقراءته . وأن الناس يتصدقون عليه لهذا السبب . فسألته عن بعض قصار السور فلم يحسن تلاوتها . فلم أر بدا من تطبيق القانون عليه كما أراده مشرعه . وبينما كنت أتلو عليه منطوق

الحكم الذي يقضى بحبسه وإيداعه بعد ذلك فى الملجأ كان هو - فى قبض من فصاحة المتسولين - يتوسل إلى بالله وبرسله وبأوليائه أن لا أبعث به إلى الملجأ - ولما رأى أن الحكم انتهى صدوره . وأنى أمرت بنداء القضية الثالثة . وأنه أصبح لا مفر له من تنفيذ هذا الحكم ، استل من فمه لسان الاستعطاف - ولا أدرى بأى شئ حشا فاه بعد ذلك . فإن سيلا من الشتائم البذيئة المقذعة انهالت على فجأة - وانقلب هذا المتسول المتوسل عربيدا سليط اللسان لم يترك لى أرومة إلا تناولها بأشنع الأوصاف . وتصدى لى ولمن أجلسنى فى مجلسى . وعلت بلسانه فينا جميعا - كل ذلك والحراس من حوله يحاولون أن يضعوا أيديهم الكثيرة على فمه الواحد ، فلا يكادون يصلون إليه وهو يتلوى بين أذرعهم ، ولا يمكنهم من نفسه ، حتى حملوه آخر الأمر حملا ، وخرجوا به من القاعة . .

ووجم الناس الذين كانوا فى قاعة الجلسة ، وبدا عليهم . روح الاشمئزاز من ثورة هذا الكفيف . ولاحت عليهم سيما الاستنكار ، مع التشوق إلى معرفة العقوبة التى ستنزلها به " المحكمة " . وقد نص القانون على أنها قد تكون الحبس الذى يرتفع إلى سنة كاملة أو الغرامة التى يمكن أن تبلغ خمسين جنيها .

وكنت أنا مذ لاحت ثورة هذا التعس قد نكست رأسي ولبثت أنتظر الفرج يأتي بعد خروجه هو من القاعة . وتحويل " فوهته " إلي فناء الدار . وإنقاذ " المنصة " ومن عليها من ذلك الوابل القذر الذى كان يرمى به . فلما اطمأنت إلى خروجه ، وهذا المكان من بعده ، لبثت قليلا على إطراقى وصمتى . . . وأخيرا عاد إلى بعض الحراس يسألنى جهرة أمام الحاضرين عما آمر به فى شأن هذا المتهم . واشرأبت الأعناق . وأرهقت المسامع لاستجلاء الوسيلة التى سأرد بها على هذا السباب . فهذا هو القانون وهذه هى الجريمة . . . وأخيرا هذه هى المحكمة . . .

وتدبرت الأمر فى خطفة كلمح البصر . . . وكان على أن أبت فيه بهذه السرعة الخاطفة . ولم أجد فى نفسى ميلا إلى الانتقام ، فإنى لم اشعر انى أوذيت ، وكانت نظرات الناس أمامى ناطقة بمعنى واحد واضح . وهو أن الوحل الذى خرج من فم ذلك البائس إما سقط تحت أقدامه هو بعد أن لوث وجهه وصدره ولم يصل منه شئ إلى أبعد من ذلك . والعقوبة فى مثل هذا المقام إما شرعت الردع والمحافظة على الهيبة والكرامة . فإن كانت الكرامة باقية ، والهيبة مصونة ، والردع غير مطلوب لأنه لا محل له . فالأمر بعد ذلك متروك لصاحب الشأن ، إن شاء عفا وإن شاء قمع .

وأومضت هذه الخواطر فى ذهنى كما يومض البرق . فرفعت رأسى وقلت للحارس :

قل للحاجب ينادى على القضية التالية !

وانتهت الجلسة - وانسحبت إلى غرفتي - ودخل على صاحبى الذى ظل طول الوقت فى مقاعد النظارة بغير علمي . فرحبت به مهللا متهللا . ولكنه حدق فى متراجعا إلى الوراء وهو يقول :

- ماذا أنت ؟ ! أفبعد كل ما كان بينك وبين هذا المعتوه فى الجلسة تريد أن تتظاهر أمامى بأنه لم يكن بينكما شئ . وأنك فى حالتك العادية - تريد أن تسمر وأن تضحك مع أصحابك ؟ إنى لو كنت فى مكانك لطلبت النقل من هذه المحكمة فورا حتى لا أواجه فيها الناس الذين شهدوا كل هذا الاعتداء المهين وهو يقع على رأسي وانا فى كامل أهبتى فوق دستى العالى ! ؟

قلت : يا صاحبى ! ليست هذه هى الأولى . ولا أظنها تكون الأخيرة !

قال : ما شاء الله ! وتقولها أيضا بفمك ولا تستحى ؟ قلت : لا ينبغي للإنسان أن يستحى إلا من المنكر الذى يأتيه . اما المنكر الذي يأتيه الناس فإن واجبه أن يستغفر لهم الله من أجله !

اشترك في نشرتنا البريدية