الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 50الرجوع إلى "الثقافة"

صور قضائية, فى زمان الامتيازات، للقاضى الفاضل صاحب الامضاء

Share

كنت أيام الصبا وحداثة السن أمر فى بعض طريقى وأنا أسير فى مدينة الاسكندرية بتمثال رجل عجوز عجيب الهيئة يجلس على كرسى وقد تدلى شاربه المنفوش على فمه كما تدلى طربوشه على أذنيه ، فسألت عنه فقيل : هذا نوبار باشار الذى كان رئيسا للحكومة فى عهد إسماعيل . فقلت أناجى نفسى الطفلة :

(( عجيب أمر هذا البلد العجيب ! وكيف يصل رجل أرمنى فيه إلى رياسة الحكومة ؟ ثم أى أرمنى ! ؟ إنه فى حياته لم يكن يجد ولا شك قرشا يكوى به طربوشه ، فجاء تمثاله بين التماثيل بدعة وأضحوكة ، ثم ها هو بعد موته لا يجد ولو حمارا يركبه ، وتلك التماثيل من حوله تقوم على كل فاره وضامر ، ومنها الذى يشير بذراعيه ، والذى يقبض على سيفه ويشمخ برأسه فى السماء . وأما هو فقد قبع فوق كرسيه على سطح الأرض ، لا خيل ولا إناقة لباس ! !

هذا كان فيما مضى منطق الطفولة الجاهلة ، واليوم أريد أن أعتذر لهذا الرجل العظيم عن تلك الخلجات التى كانت تطوف برأسى وأنا أمر أمام تمثاله المتواضع ، فأقدم للقراء صورة واحدة من حياته الحافلة بالصور المشرفة وبجلائل الأعمال ... ...

كانت مصر فى عهد نوبار خاضعة لنظام الامتيازات ،

وكان هذا النظام قد بلغ فى عهد إسماعيل من الشدة والتفاقم أقصى ما قدر له أن يبلغه . فقد كان الأجانب فى ذلك العهد ينتمون إلى سبع عشرة دولة ، لكل دولة قنصلها الذى يطبق قوانينها فيما يمس رعاياها . ولم تكن فى مصر فى ذلك العهد محاكم من الطراز الذى يشهده أبناء الجيل الحاضر ؛ فكان المصرى لا يملك أن يقاضى الأجنبى أمام المحاكم المصرية ؛ وكان هؤلاء الأجانب على تعدد جنسياتهم يربط بينهم تفاهم ضمنى على هضم حقوق الوطنيين ، والتمتع بما هم فيه من حصانة قضائية ؛ فاذا أجر أحد الوطنيين منزله مثلا لايطالى ، فلم يدفع الايطالى ما عليه من الأجرة ، وزين الشيطان للمصرى أن يقاضى مدينه أمام القنصلية الايطالية ، ظل الايطالى ساكنا ساكتا حتى تكتمل الاجراءات الأولى للدعوى ، وحتى يتكبد المصرى دفع رسومها ، وحتى تسير القنصلية فى

نظر الدعوى شوطا بعيدا توشك بعده أن تفصل فى النزاع ، ثم يتنازل عن عقد إيجاره إلى زميل فرنسى مثلا ، فينتقل المنزل إليه ، وتسقط الإجراءات الأولى كلها ، وتضيع على المصرى نقوده ، ويضيع عليه وقته ، ويضطر إلى تجديد الدعوى أمام القنصلية الفرنسية برسوم جديدة وباجراءات جديدة ؛ وفى الوقت المناسب يرى أن الفرنسى قد صنع به مثل ما صنع الايطالى من قبل ، ويرى إلى منزله وقد انتقل إلى يد ألمانى ... وهكذا تدور الدعوى بقدر ما يدور المنزل من يد إلى يد ، وليس ما يمنع أن تتم دورانها سبع عشرة دورة ، يعلم الله ما تستغرقه من زمن وما تستنفده من مال !

هذا مثل واحد يبين مسلك بعض الأجانب نحو مضيفيهم المصريين فى ذلك العهد . ولكن من الخير أن لا ينسى الانسان في هذا المقام أن يسجل أن هؤلاء الأجانب لم يكونوا يؤثرون " الشعب المصرى " وحده بهذه المعاملة . بل لقد كانوا يسوون فيها بين " الشعب" و " الحكومة " نفسها - بل إنهم لم يكونوا يتورعون أن يتخذوا نفس هذا السلوك مع " ولى الأمر " وولى نعمتهم " إسماعيل " . فان حديث دعاوى التعويض التى كان يرفعها الأجانب على الحكومة المصرية فى ذلك العهد حديث طويل عريض لا ينتهى ولا يقيض ؛ حتى لقد قيل فى مقام التمثيل على هذه الحال إن أجنبيا استأجر مكانا على شاطئ البحر فى الاسكندرية ليقيم عليه ( أكشاكا ) للاستحمام ؛ فما كاد ينتهى من عمله حتى هبت على الشاطئ عاصفة هوجاء اقتلعت تلك ( الأ كشاك ) وتركتها حطاما ، فرفع الدعوى على الحكومة يطالبها بتعويض مالى جسيم لأنها لم تنتبهه إلى أن هذا الموقع من الشاطئ عرضة لأمثال تلك العاصفة ! ! .

أما المثل التاريخى الذى يرويه قراء التاريخ - والذين

لم يقرءوه أيضا - فهو ذلك الذى وقع لاسماعيل نفسه ، إذ دخل عليه أحد كبار الأجانب وكان بالقاعة التى استقبله فيها نافذة مفتوحة ، فما كاد المجلس يستقر بالضيف والمضيف حتى ابتدر الخديو أحد أتباعه بقوله : " اقفل بالله عليك تلك النافدة لئلا يصاب جنابه بالبرد فيكلفنا ذلك عشرة آلاف جنيه تعويضا ! "

ومن الحوادث المشهورة (١) الدالة على غطرسة بعض الأجانب وعجرفتهم وعجز الحكومة عن كبح جماحهم أن إحدي الصحف الفرنسية فى سنة ١٨٧٠ دأبت فى الطعن على الحكومة المصرية وعلى القنصلية الفرنسية نفسها . فطلب إسماعيل باشا إلى قنصل فرنسا تعطيل هذه الجريدة ، ولكن القنصل تغافل عن هذا الطلب ، وترك كتاب الجريدة يتمادون فى مسلكهم الشائن . فلما رأى نوبار باشا هذا التقصير من جانب القنصلية وآنس من محررى الجريدة استهتارا بكرامة البلاد أصدر أمرا بتعطيل الجريدة بالقوة ، إلا أن صاحبها لم يطع الأمر وتحداه ، وظل يحرر جريدته ويصدرها ويوزعها فى الطرقات ، على الرغم من أمر نوبار الذى كان قد أصدره إلى رجال البوليس المصرى بمصادرة كل عدد يعرض للبيع . واتفق بعد ذلك أن ضبط أحد رجال البوليس عدة نسخ مع رجل كان يبيعها . فاستنجد البائع برجل فرنسى اسمه ماروفى ، فنهض هذا لنجدته واستل سيف البوليس يريد أن يفتك بمن ضبط تلك النسخ ، إلا أن الشرطى تمكن من القبض عليه وعلى بائع الجرائد واقتادهما - لا إلى المخفر - ولكن إلى القنصلية الفرنسية صاحبة الاختصاص . فما كان من القنصل - بدلا من أن يؤاخذهما بتهمة الاشتراك فى جرائم القذف والطعن والسب

ومخالفة أوامر الحكومة - إلا أن انحاز إلى جانب الفرنسى وأدهى من ذلك أنه لم يكتف بذلك بل طالب الحكومة بتعويض أساسه أن البوليس المصري انتزع بالقوة أعداد جريدة فرنسية من أحد الرعايا الفرنسيين ! وهنا برز له نوبار فرفض سماع الشكوى ، وأصر على معاقبة بائع الجريدة لانه خالف أوامر الحكومة ومعاقبة الفرنسى الذى هم بضرب الشرطى ؛ ولكن القنصل تجاهل هذا الطلب ، وظل على تحديه للحكومة ذلك التحدى الفاضح بأن علق منشورا على باب القنصلية دعا فيه جميع الفرنسيين إلى حمل السلاح لمقاومة رجال البوليس المصرى . . . . . .

عند ذلك أدرك إسماعيل باشا خطورة الحد الذى تطور إليه النزاع ، ولم يطمئن إلى استفحال الخلاف بين الحكومة المصرية والقنصلية الفرنسية على هذه الصورة ، فأشار على نوبار باشا بتخفيف وطأته واصطناع المرونة لتفادى هذا الاصطدام . إلا أن نوبار أخذته العزة وأشار بوجوب انتهاز هذه الفرصة التى برز فيها حق الحكومة بروزا محسوسا ، لتسترد بعض هيبتها وتظهر مقدرتها وسطوتها ، وتضع حدا لهذه الفوضى . ثم دعا جميع القناصل الأجانب ليجتمعوا ويحكموا بينه وبين القنصلية الفرنسية . وكان هو فى خلال ذلك قد هدد بالقبض على كل فرنسى يحمل سلاحا . فاجتمع القناصل وتباحثوا فى الخلاف ثم قضوا بأن قنصل فرنسا مخطئ فى مسلكه وأن نوبار لم يخرج عن حدود القانون . ولكن اعجب بعد ذلك ما شاء لك العجب حين تعلم أن حكومات أولئك القناصل ما كادت تقف على ما كان من أمرهم حتى أمحت عليهم باللائمة على تدخلهم فيما لم يكن ليعنيهم ولا يعنى فردا من رعاياهم . وآخذتهم على أنهم زجوا بأنفسهم فى مشكلة لا تتعلق بحكوماتهم ، بل تتعلق بقنصل دولة أخرى وبأجنبى غير تابع لهم . . . . .

على أن القنصلية الفرنسية ذاتها لم تقتنع بهذا الحكم .

واتصلت بحكومتها لتتدخل بصفة رسمية فى هذا النزاع ؛ وبعد مباحثات دبلوماسية طويلة طلبت الحكومة الفرنسية تحكيم ثلاثة من قناصل الدول الكبرى للفصل فيها إذا كان البوليس المصري يملك مصادرة جريدة أجنبية تباع فى الطرقات العامة أم لا . فاجتمع القناصل الثلاثة - وهم قنصل انجلترا وقنصل ألمانيا وقنصل إيطاليا - وحكموا بالإجماع بأن نوبار باشا كان على حق وأن قنصل فرنسا كان مخطئا . . . .

هذه صورة يطالعها أبناء الجيل الحاضر فيقرءون فيها أنهم يعيشون فى زمان أسعد من زمان آبائهم . ولكن أهم من ذلك أن يقرءوا بين سطورها أن عليهم واجبا مقدسا ، وهو أن يقوموا بدورهم بما يجعل زمان أبنائهم أسعد أيضا من زمانهم .

اشترك في نشرتنا البريدية