لا أكاد أدخل النادى وأنظر فى الساعة حتى أرى أننا صرنا فى الثامنة ، وهى الساعة التى فيها كنت أعتزم أن أبدأ عملى ، فأندفع نحو غرفة الطعام ، وأطلب إلى الخدم أن يقوموا باعداد فطورى على عجل ، والصيغة التى استعملها هى : " الفطور حالا " ، لأن الندل معظمهم من الروم أو من البرابرة الذين لهم إلمام يسير باللغة الانجليزية ، والذين يخطئون فى فهم الأوامر ذات التفصيلات والكلام الكثير ، ويؤدى سوء فهمهم لها إلى أغرب " المفارقات " . فقد حدث منذ أيام أن أقبل شيخ من أعضاء النادى المحترمين ، وكان يريد أن يتناول فطوره بسرعة من أى نوع من أنواع الأطعمة التى يسهل تهيئتها فى أقرب وقت . فطلب " بيضا أو أى شىء هناك ! " . فجاءوه بسائل مختلط تغشى لرؤيته النفوس ، تبين فيما بعد أنه " بيض مخفوق فى قدح من الكنياك " ! أما فطورى فقد ظل طيلة السنوات العشر الأخيرة لا يخرج من أن يكون لحما باردا وقرصا من البيض وقدحا من القهوة ؛ ولذلك لم أعد أجد صعوبة فى الحصول عليه .
وتبدو غرفة الطعام فى نادينا كأنها مطعم فى إحدى محطات السكك الحديدية . فالناس لا يزالون يتقاطرون إليها فى طلب الطعام ، والخدم لا يسيرون فيها إلا خببا ، فتراهم ينقضون بين يديك فيلقون إليك الطعام الذى طلبه شخص غيرك ، وينصرفون عنك قبل أن تتهيأ لك الفرصة للاعتراض على ما صنعوا . والضجيج والعجيج فوق ما تطيقه الأعصاب . ولكنها على الرغم من كل ذلك لا تزال المحل الوحيد الذى تستطيع أن تحصل فيه على الطعام المقبول دون أن تدفع عنه مثل الثمن الذى يتقاضونه منك وأنت فى مطاعم مونت كارلو !
وليس نادينا مطعما فحسب . ولكنه فوق ذلك محل عمل - مع الأسف - والموظف القديم منا يجد فيه دارة من دارات العذاب ، لأن الموظفين الجدد يطاردونه أبدا فى كل خطوة من خطواته . . . يلقاك المهذب منهم بقوله : " هل تسمح لى بكلمة عن العمل ؟ " . أما الآخرون فيدخلون رأسا فى الموضوع الذى يريدون الاستعلام عنه ، وعليهم كل علائم السرور بأنهم ظفروا بك ليرهقوك مسألة واستفهاما . ولطالما كنت هدفا لهذه الهجمات أثناء الطعام ، وبعد الطعام ، وفى وقت اطلاعى على الصحف ، بل وفى أثناء لعب " البردج " ، مما يعود على خصمى فى الملعب بأطيب الثمرات ، وإنى لأستحى أن أقول إن أحد هؤلاء " الصيادين " اقتحم على مرة " محل الغسيل " ، وظفر بى وأنا واضع رأسى تحت الصنبور :
وتنتهى بحمد الله وجبة الصباح ، وأقوم إلى مكتب الصراف لأدفع له " حسابى " ، فأجدنى - كالمعتاد - لا أملك من النقود الصغيرة ما يفى بالمطلوب ، فأضطر إلى صرف ورقة من ذات المائة قرش . ومعنى ذلك أنى سأحصل على ما أسميه " نقود النادى الاصطلاحية " ذلك لأن الأعضاء الذين وقع لهم شىء من تلك الزيوف
التى يشتغل باخراجها من لا فن عنده من " أبناء الاكروبول " ، ومن لا حنكة له من " أبناء النيل " يضطرون إلى تقديمها لصراف النادى الذى لا يهتم قط - فيما يظهر - بنوع العملة التى يقبضها . ولا تلبث هذه النقود أن تخرج من عند الصراف لتعود إلى جيوب الأعضاء المحترمين من جديد . وما دام هؤلاء الأعضاء لا يستطيعون التخلص منها إلا إذا تصدقوا بها أو إذا قدموها لصرافا مرة أخرى ، فانها تظل تتداول وتتداول بين هذا الصراف وبين أعضاء النادى ، وتصبح كما أسميها : " نقود النادى الاصطلاحية " !
وأخرج من النادى فأرى أنه لا بد لى من عربة صالحة أذهب بها إلى عملى . فقد أصبحت الساعة الثامنة وخمسا وعشرين دقيقة ، وقد تأخرت عن هذا العمل فعلا حوالى نصف ساعة . وإنى أعتبر الحوذى الذى اعتاد أن " يسوقنى " كل صباح إلى الوزارة بمثابة صديق قديم ، فان عربته نظيفة نوعا ، ويبدو على جواديه أثر النعمة ؛ ولكن طريقته فى القيادة طريقة تلفت النظر ، فانه يثب بعربته قبل أن أتمكن من الجلوس ، فأرتمى فى مقعدى ارتماء مؤلما . ولكنى - ولله الحمد - تعودته . وتدور حول أول ركن فنصادف شيخا كبيرا يتسكع فى عرض الطريق ، وهو لم يخرج من منزله - والله أعلم - إلا وفى نيته أن ينتحر ، ولكنا كنا نفاديه بقدرة الله وعظمته وليس بيننا وبينه إلا قيد شعرات . ويتفجر الحوذى طول الطريق بأعجب الهتافات . فهو لا يفتأ يحذر المارة ممن يعترضون طريقه ، أو ممن يظنهم هو أنهم سوف يعترضونه بقوله :
" يا بويا رجلك ! . . . . رجلك يا خويا ! . . . . يمينك يا حبيبى ! . . . . رايح على فين يا ابن ستين . . . . ! " ولست أرى من الجائز أن أردد هنا عبارات السباب الذى تتدفق شآبيه فى مثل هذا المقام . ولولا أن الله قد
وهب لخيول هذه البلاد حاسة اليقظة التامة لتوفى كل شر فى حينه ، لحدث ما لا يحمد عقباه ؛ فان المشاة لا يسيرون قط إلا فى عرض الطريق ، وأغلب ما يكون ذلك فى الجانب الخطأ . وهم دائما أبدا فى شغل عما يحيط بهم بالتحدث إلى غيرهم . ولا قيمة لصيحات الحوذى وتحذيراته على الرغم من ارتفاع صوته ، فان جميع من فى الطريق من السائقين يصيحون فى نفس واحد !
ولما كانت طريقة السائق فى القيادة أن يرخى المتان فى يسراه ، فانه فى الواقع لا يملك توجيه خيله إلى حيث يريد ، فاذا ما اعتزم أن يغير اتجاهه فانه يجذب أحد المتانين إلى أقصى ما يستطيع . ولكن هذه الحركة تستغرق وقتا ، وهو لا يقوم بحركته هذه إلا فى اللحظة الأخيرة أو ما بعدها ؛ وتكون النتيجة دائما أن العربة تستهدف فى كل دوران إلى الانقلاب . على أننا نصل بفضل الله آخر الأمر سالمين ، وتدخل أبواب الوزارة كما يدخل الجواد العلى فى آخر الشوط الطويل !
أما وزارتنا فهى بنيان لا هو بالجميل ولا هو بالمريح . وهي سراى ترجع ملكيتها أصلا إلى أحد الباشوات من عهد إسماعيل ؛ وتروى الأساطير عن هذا الباشا أنه انتقل فجأة إلى رحمة الله على نحو ما ، فعادت السراى إلى ملكية التاج . والجناح الذى تشغله الآن كان فيما مضى " جناح الحريم " . وأستطيع أن أقرر - وإن كنت غير خبير فى هذه الشئون - أنه تام اللياقة باعتباره مقصورات معدة للحريم . أما على اعتبار كونه ديوانا عاما فإنه ولا شك ينقصه الشىء الكثير ؛ إذ هو عبارة عن مجموعة لا عدد لها من الغرف الصغيرة التى لا ينفذ الضوء إلى معظمها إلا بمقدار ، وتصل بين أطرافها " دهاليز " ضيقة طويلة مما يعرفه الناس باسم " سكة جحا " ! .
ويقوم بنيان القصر - كغيره من مبانى ذلك العصر - على أساس من الخشب والجص . وهو دائم ٧ -
التهديد لمن يحتويه بأنه يريد أن ينقض عليه ؛ ولكنا نظل نرممه سنة بعد سنة على أمل أن نصبح يوما ما من الغنى بحيث نستطيع أن نبنى وزارة جديدة . وزخارف البناء الداخلية لا تمت إلى الفن بصلة ، وأهم مظاهر الزينة فيها تلك السقوف المنقوشة التى تستوى فى وسطها بعض الريات الخرافية ، وتلك الستائر الحمراء ذات الأطر المذهبة ، ثم تلك المرايا الباهتة التى غاب صقالها ، ووشى صفحتها بيض الذباب .
وإذا تقدمت نحو السلم لأصعده أحاط بى اثنان من الحجاب وواحد من رجال البوليس . وعمل الحجاب هو أن يذودوا عن طريقى من يصادفهم من الناس الذين يعترضون طريقى . أما رجل البوليس فمهمته أن يسير أقرب ما يكون من أعقابى دون أن يطأ فوق قدمى . وأعترف أنى لم أوفق قط إلى معرفة ما إذا كان السبب فى ذلك هو الحيلولة بينى وبين من تحدثه نفسه بأن يطمئنى من الخلف ، أو الحيلولة بينى وبين ما تحدثنى نفسى بسرقته وأنا أسير فى طريقى إلى غرفتى .
وأصل إلى مكتبى أخيرا بعد الموعد الذى قدرته لنفسى بنصف ساعة ، فلا أبلغ كرسى حتى أهوى فوقه ، ثم أقلب طرفى فيما أمامى توطئة للبدء فى عملى اليومى . . . . . وأنا - كغيرى من عقلاء الناس - أكره العمل ، وتبعا لذلك أكره " البدء " فى العمل . ولكنى أحس أنى أحتوى فى كيانى عنصرا من عناصر التفاؤل يجعل من المحبب إلى نفسى أن أقوم بفض خطاباتى . وإنى لعلى يقين أنى لن أصيب فيها خيرا ؛ وأعلم كذلك حق العلم أن بعضها قد ينطوى على ما يسوء بل على ما يؤلم ، ولكنى لا أزال أتطلع إلى ذلك اليوم الذى يحمل فيه البريد إلى خطابا يدخل على نفسى شيئا من السرور . وأذكر أنى فى حداثة سنى كنت إذا تلقيت دعوة ترقبتها من قبل ، أو إذا وصلتنى كلمات ثناء من أحد
رؤسائى ، كان يكتسى العالم أمام عينى بلون وردى جميل . أما اليوم فلكى تومض مثل هذه الومضة الوردية فوق دنياى مرة أخرى ، أرى أنه ينبغى أن يكون لى معين لا ينضب من الصحة والثروة والسعادة . ثم يتاح لى أن أظل متقلبا فى هذا النعيم مدة لا تقل عن عشر سنوات . وهذا أنا الآن أرى أن اتجاه تفكيرى نحو هذه الناحية لا يمكن تفسيره إلا على أنه عرض من أعراض اضطراب الكبد . فياليت أنى غالبت نفسى أمس فلم ألعب " أستيكة البروج " الأخيرة التى كبدتنى كل هذه الخسارة من الناحيتين المالية والصحية ! .
ولأعد الآن إلى خطاباتى . . . ويا لمنظرها من منظر لا يدعو إلى الاطمئنان ! [ الخطاب الأول : للكلام صلة ] ح . ج ٥٤

