الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2 الرجوع إلى "الثقافة"

صور من التاريخ الاسلامى:، زياد بن أبى سفيان

Share

إذا عد رجال الدولة العربية من أهل السياسة ، كان زياد بن أبي سفيان من غير شك علما من أعلامهم وقطبا من اقطابهم ، بل لعل زيادا الرجل الوحيد الذي أخذ عن عمر بن الخطاب مبدأ القوة في غير عنف ، واللين في غير ضعف ، وحاول العمل به بقدر ما وسعت ذلك الظروف القاسية التي عاش فيها . وإذا عد رجال الإدارة الذين نقلوا الدولة العربية من حال السذاجة الإدارية التي كانت عليها زمن الخلفاء الأربعة ، وأعطوها طابع الدولة المستقرة المنظمة ، فزياد لا يكاد يلحق به رجل آخر في ذلك المضمار

ولد زياد بالطائف في السنة الأولى للهجرة من آب قرشى هو أبو سفيان على المشهور التعارف ، ومن ام فارسية الأصل تسعى سمية كانت مولاة الحارث بن كلدة المعروف بطبيب العرب ، وتعلم في كتاب من كتاتيب الطائف القراءة والكتابة والحساب ، فنشأ قارئا كاتبا حاسيا ، ثم اعتنق الإسلام في اغلب الظن عندما اسلمت ثقيف برمتها في سنة تسع للهجرة ، وإن كان بعض الروايات يجعل إسلامه سابقا على ذلك فلما كانت سنة ١٤ للهجرة ووجه عمر عتبة بن غزوان إلى والابلة وجنوبى العراق ليكون ردا، لسعد بن ابى وقاص ، كان الفتى زياد فيمن انتدب للخروج معه ، وكان هو الذي يقسم لهم الغنائم ، وأجروا عليه كل يوم درهمين .

ثم ولي لسعد ديوانه فكان هو الذي يكتب الناس ويدونهم . فلما فتحت جلولاء، سنة ١٦ بعث سعد بأخماس الغنائم إلي عمر وبعث بالحساب مع زياد وكلفه استئذان الخليفة في الانسياح في أرض فارس . فلما قدم الوفد المدينة كلم زياد عمر فيما جاءاعجب الخليفة الكبير بذكاء الفتى الناشئ وفصاحة لسانه ، وقوة جناته ، وأحب أن يستزيد من اختياره فسأله هل تستطيع أن تقوم في الناس بمثل الذي كلمتني به ؟ فأجاب الفتى : والله ما علي وجه الأرض رجل أهيب في صدري منك ، فكيف لا أقوي علي هذا مع غيرك ! فلما كان الغد قام في الناس فتكلم بما أصابوا من الغنائم وبما صنعوا وبما يستأذنون فيه من الأنسياح في بلاد فارس ، فازداد عمر إعجابا به وقال : هذا الخطيب المصقع . ولم يكن الإعجاب قاصرا على عمر ، بل لقد أعجب بزياد من سمعه يومئذ من أكابر الصحابة ، فقال عمرو بن العاص : لو كان هذا الفتى من قريش لساق العرب بعصاه ! فيقال إن أبا سفيان همس في أذنه بقوله إنه هو أبوه الذي ولده حقا . ثم عاد زياد بعقب ذلك إلي العراق . فلما مصرت البصرة سنة ١٦ ه نزلها زياد فيمن نزلها من ثقيف واتخذها مقرا مدي حياته بوجه عام . ولما ولي عمر المغيرة بن شعبة على البصرة سنة ١٦ ه وري المغيرة بمارمي به ، وهم عمر برجمه ، لم يتجه من الهلاك إلا شهادة شهدها زياد ولم يقطع فيها ، فكانت تلك الشهادة سببا في درء الحد عنه . وقد حفظ المغيرة لزياد تلك اليد مدى حياته ، وانعقدت بينهما من ذلك الوقت أواصر المودة والصداقة

ولما طعن أهل البصرة على أميرهم ، أبي موسي الأشعري سنة ٢٣ ، كان مما احتجوا عليه عند عمر أنه فوض امر البصرة إلي زياد وهو يعد فتى حدث ، ليست له سن ولا تجربة ، يريدون زيادا ، فرد أبو موسي عليهم بقوله : إن وجدت له نبلا ورايا ، فاسندت إليه عملي. وقد قبل عمر قول أبي موسي متأثرا لاشك بالصورة التى كانت

لزياد في ذهنه ، ولكنه أحب أن يتحقق بنفسه إلام صار أمر ذلك الشاب في مدى سبع سنوات ، فأمر أبا موسى أن يشخص إليه زيادا . وقدم زياد على عمر قدمته الثانية وقام بباب عمر . فلما خرج عمر وجد شابا حسن الهيئة ، له ذؤابة ، وعليه ثياب بيض من كتان ، فابتدره بقوله : ما هذه الثياب ؟ فأخبره زياد . فقال : كم ثمنها ؟ فأخبره زياد بشيء يسير ، وصدقه عمر . ثم قال له : كم عطاؤك ؟ قال : ألفان . قال ما صنعت في أول عطاء خرج لك ؟ قال : اشتريت والدتي فأعتقتها ، واشتريت بالثاني رببي عبيدا فأعتقه . قال الخليفة : وفقت ! ثم اختبر عمر قدرته على الكتابة فأمره أن يكتب في معنى واحد ثلاثة كتب مختلفة العبارة ، فكتب زياد ثلاثة كتب بليغة أعجب بها عمر ، ثم سأله عن الفرائض والسنن والقرآن فوجده فقيها ، فرده إلي البصرة وأمر أمراءها أن يسيروا برأيه . وكذلك لم تخب فراسة عمر في ذلك الشاب مذرآه عند قدومه عليه لسبع سنوات خلت بأخماس جلولاء ، ولم ترده الأيام إلا ثقة به واطمئننانا إليه ، كما أن هاتين القدمتين غرست لذلك الخليفة في قلب زياد إكبارا وتجلة جعلته يري فيه مثله الأعلي الذي يتأثره ويقتدي به .

ولما شخص عبد الله بن عامر عامل البصرة من قبل عثمان إلي خراسان غازيا سنة ٣١ ه استخلف على البصرة زيادآ فقام بأمرها في غيبته خير قيام على صعوبة حكم ذلك المصرفي في تلك الأيام.

فلما اضطربت أمور الدولة الإسلامية بالفتنة التي انتهت بقتل عنمان ، واستخلف علي بن ابي طالب ، وخرج عليه أهل البصرة مع عائشة وطلحة والزبير ، ثم يحرك زياد في تلك الفتن ساكنا ، ولم يخص فيها مع الخائضين ، ولا ألقي في نارها حطبا ، بل اعتزل الفريقين كما فعل كثير غيره ، واقام مستخفيا في بعض دور البصرة ينتظر عم تنجلي

الأمور . ولم يكن أمر زياد خافيا على علي ، فإنه بعد أن ظفر بخصومه في وقعة الجمل سنة ٣٦ وجاءه عبد الرحمن بن أبي بكرة ، وهو ابن اخي زياد لأمه ، مستأمنا مبايعا ، قال له على : وابن عمك المتربص المتقاعد بي ؟ . فقال : والله يا امير المؤمنين إنه لك لواد ، وإنه على مسرتك لحريص ، ولكن بلغني انه يشتكي ، أفاعلم لك علمه ثم آتيك ؟ وكتم عليا مكانه حتى استأمر زيادا فأمره أن يعلمه بمكانه فأعلمه . فقال علي : إمش أمامي فاهدني إليه ! ففعل . فلما دخل عليه قال : تقاعدت عني وتربصت ؛ ووضع يده على صدره وقال : هذا وجع بين : فاعتذر إليه زياد ، فقيل عذره . ثم استشاره على واراده على إمرة البصرة ، فامتنع زياد من قبولها وقال : بل رجل من أهل بيتك يسكن إليه الناس . . وسأكفيكة وأشير عليه . وافترقا على عبد الله بن عباس . إلا أن عليا ولي زيادا خراج البصرة وبيت مالها ، وأمي ابن عباس أن يسمع منه .

من ذلك الوقت أصبح زياد من أشد عمال على إخلاصا له ، وقد لبث على إخلاصه وولائه له إلى ان انتهت حياة على نفسه . ويتضح هذا الإخلاص في حادثين وقعا في ذلك الوقت في أهم النواحي التابعة لعلي ، في البصرة وفارس ، وهما يبينان مقدرة زياد ودهاءه، وسعة حيلته . أما حادث البصرة فذلك أنه لما قتل محمد بن أبي بكر بمصر سنة ٣٩ ه واضطرب الأمر على علي خرج إليه بالكوفة عبد الله ابن عباس بعد أن استخلف زيادا علي البصرة . ودهم زيادا غداة رحيل ابن عباس امر عظيم ، فان معاوية انفذ إلى البصرة عبد الله بن الحضرمي ناعيا مقتل عثمان ومحركا لأهل البصرة على علي . ونظر زياد فوجد نفسه في قلة وان امر البصرة يوشك أن يذهب من يده . فأعمل الرأي والحيلة ولما كان ابن الحضرمي قد نزل في بني تميم فان زيادا اسرع

فنزل ومعه الأموال في قبيلة الأزد المعادية هي وحليفتها بكر بن وائل لتميم . وكان لنزوله في الآزد معني التحرم بالجوار المقدس عند العرب ، فقد تكفك الأزد بالذود عنه كائنا ما كان الأمر . وكتب زياد إلي علي يخبره بالحال ويستمده . فصوب على رأيه وأنقذ إليه مددا مع جارية بن قدامة السعدي التميمي . وقد استطاع جارية أن يرد قومه عن متابعة ابن الحضرمي ثم سار إلي ابن الحضرمي فقضي عليه وعلى اصحابه ، ورجع زياد إلي دار الإمارة موفور النفس والمال

أما الحادث الآخر خلاصته أنه عند ما اضطرب الأمر على على طمع الفرس في استعارة استقلالهم ، فمنموا الخراج واضطرمت فارس نارا . فأشار ابن عباس على أن يولي . زيادا علي فارس وكرمان فلعل . قال الطبري : " ولما قدم زياد فارس بعث إلي رؤسائها فوعد من نصر ، ومناء ، وخوف قوما ونوعدهم ، وضرب بعضهم ببعض ، ودل بعضهم على عورة بعض ، وهربت طائفة ، واقامت طائفة فقتل بعضهم بعضا ، وصفت له فارس ، فلم يلق فيها جمعا ولا حربا . وفعل مثل ذلك بكرمان . ثم رجع إلي فارس فسار في كورها ومناهم فسكن الناس إلي ذلك فاستقامت له البلاد ، واني اصطخر فنزلها وحصن قلعة بها . . فكانت تسمي قلعة زياد ، فحمل إليها الأموال سنة ٤٠ ه " .

ولقد اثني عليه الفرس إذ ذاك فقالوا : ما راينا سيرة اشبه بسيرة كسري انوشروان من سيرة هذا العربي في اللين والمداراة والعلم بما يأتي .

والظاهر أن زيادا لم يحصن قلعة اصطخر ويحمل إليها الأموال لمجرد التحصن فيها من العجم إذا ساوروه مرة اخرى ، بل كان يري فوق ذلك إلي غرض آخر . لقد رأياقب ذهنه وبعيد نظره ان الصراع العنيف الناشب بين على ومعاوية أمنته لا عالة بغلبة معاوية ، ورأي في الوقت

نفسه أنه قد سار أمدا بعيدا في إحفاظ معاوية بأخذه جانب على ، هذا إلي مضاضة كان يحسها في قرارة نفسه تجعله لا يسارع إلي معااوية إذا ثم الأمر له . فأولي له أن يحتاط لنفسه إذا ما وقع المحذور ، فيتحصن في مكانه الحريز وبين أظهر الفرس الذين غدوا معجبين به ابما إعجاب ، ثم يفاوض معاوية وهو في حصنه ويساؤه مساومة الند للند ولا ينزل إليه إلا على شروط عليها هو عليه .

وقد صدقت فراسة زياد ، ولكن علي نحو ما كان يخطر له ببال ، ففي عام ٤٠ قتل أمير المؤمنين على بن أبي طالب ، وأصبح زياد ومعاوية في حقيقة الأمر وجها لوجه . وهنا تجد رجلين متعاديين عداء غريبا ، كلاهما لم يتعمد جناية على الآخر ، ومع ذلك فمسافة الخلف بينهما شديدة البعد . كلاهما بعيد النظر واسع الحيلة عظيم الدهاء ، إلا أن معاوية من غير شك أعظم الرجلين دهاء وأوسمهما حيلة . وكان معاوية بالطبع هو الباديء بفتح باب المفاوضة والمراوضة ، فقد كتب بعد مقتل علي إلي زياد يتهدده ويتوعده ، ويعرض في الوقت نفسه بولادة أبي سفيان له . فلم يسع زيادا إلا أن يكشف له القناع ويصرح له بحقيقة موقفه منه ، فقام في الناس خطيبا فقال : العجب من ابن اكلة الاكباد وكهف النفاق ورئيس الأحزاب كتب إلي يتهددني وبيني وبينه ابنا عم رسول الله في تسعين الفا وأضعى سيوفهم على عواتقهم لا يتثنون ، لئن خلص إلي الأمر ليجدني أحمر ضرابا بالسيف ؛ وكذلك أعرض زياد ونأي بجانبه ، معللا نفسه بأنه لايزال بينه وبين معاوية الحسن بن على وعبد الله ابن عباس . واتبع وعيده بأن انتقل إلي القلعة ومعه الأموال وامتنع بها ، وذلك سنة ٤١ ه

ولكن فراسة زياد لم تصدق هذه المرة ، فسرعان ما نزل الحسن عن حقه في الخلافة لمعاوية ، وقدم معاوية الكوفة لينهي امر العراق والشرق جميعا ، وخلا ما بين

زياد ومعاوية مرة أخري . وعاد معاوية يجاذب زيادا الحبل ولكن في غير تهديد ولا وعيد ، فكتب إلي زياد يستقدمه ليحاسبه على ما في ذمته من مال الدولة ، وجعل له الخيار بعد ذلك في أن يقيم عدده أو يعود إلي مكانه . ولكن زيادا اصم صححه عن تلك الدعوة الخلاية . فلم يسع معاوية عند ذلك إلا أن يلجأ إلي العنف حين لم يحد الين والرفق ، فامر بسر بن ابى أرطاة عامله على البصرة بأخذ الاكابر من أولاد زياد وحبسهم ، كما امر المغيرة بن شعبة ، عامله على الكوفة ، بالشخوص إلي البصرة واستصفاء أموال زياد التي كانت في يد عبد الرحمن بن ابي بكرة ، وتعديب عبد الرحمن إن امتنع من أدائها . ولكن زيادا ثم تلن قنانه إزاء هذا الجد من معاوية في أمره . وهم بسر بأن يقتل أبناء زياد فعلا لولا أن تدخل في الأمر أخوه لأمه أبو بكرة ، على ما بينه وبين زياد من جفاء قديم يرجع إلي الشهادة التي شهدها زياد في حادث المغيرة . فقد شفع في أبناء زياد لدي معاوية فشفعه فيهم ، وكتب إلي يسر بأن يحلي سبيلهم .

واهتم معاوية لامر زياد وضاق به ذرعا . وبينا الحال كذلك إذا برجل بثق بة معاوية ولزياد عنده بد مشكورة ، ومنة مذكورة ، بتطوع للسفارة بين الرجلين ، ويصل ما انقطع بينهما . ذلك الرجل بطبيعة الحال هو المغيرة بن شعبة ، قالوا إنه دخل يوما على معاوية وهو بالكوفة فقال معاوية حين وقع نظره عليه :

إنما موضع سر المرء إن            باح بالسر أخوه المنتصح

فإذا بحث بسر فإلي                ناصح بكتمه أو لا تبح

فقال : يا أمير المؤمنين ؛ إن نستودعى تستودع ناصحا شفيفا ، ورعا وثيقا ، فما ذاك ؟ قال : قد ذكرت زادا واعتصامة بأرض فارس وامتناعه بها ، فلم أتهم ليلتى فأراد المغيرة ان يهون من شأن زياد فقال ؛ ما زياد هناك فقال معاوية : داهبة العرب ، معه الأموال ، متحصن

بقلاع فارس ، يدير ويربص الحيل . ما يؤمنى أن يبابيع لرجل من أهل هذا البيت ، فإذا هو قد أعاد علي الحرب جذعة ؟ قال المغيرة : اتأذن لي يا امير المؤمنين في (إتيانه ؟ . قال : نعم ! فأنه وتلطف له ) . فأتى المغيرة زيادا وأعلمه بنزول الحسن عن الأمر ، وان الأولى له ان يصل حبله بحبل معاوية . وما زال به حتى جنح زياد إلي السلم ، وأخبره بأنه شاخص إلي معاوية

قدم زياد على معاوية بدمشق في سنة ٤٣ ، ورفع إليه حساب فارس ، فأحسن معاوية لقاءه وصدق كل ما قال ، ثم أنزله الكوفة كما طلب . إلا أنه لم يركن إليه كل الركون ، فقد كتب إلي المغيرة يأمره بأخذ زياد ورءوس اصحاب علي بالكوفة ، كحجر بن عدي الكندي وعمرو بن الحمق بحضور صلاة الجماعة ، فكانوا يصلونها معه .

بيد أن معاوية كان أدهي من أن يقف في أمر زياد عند هذا الحد لقد أراد أن يستخلصه ويحتذبه إلي جانبه جملة ، وبذلك يتيسر له الانتفاع بكفايته ومواهبه العظيمة ، ورأي أن هذا الأمر لا يتم إلا إذا محا من نفس زياد ما كان يحس من المضاضة ، بأن يعلن على رؤوس الأشهاد صحة ما كان يتهامس به الناس من نسبة زياد إلي أبي سفيان . وتفصيل ذلك أن زيادا كان حتى ذلك الوقت لا يعرف له أب على التعيين ، فبعضهم كان يقسه إلي عبيد ، وهو عبد روعي كان للحارث بن كلدة ، وبعضهم ينسبه إلي أبي سفيان ، وبعضهم بنسبه إلي أمه فيقول زياد بن سمية ، وبعضهم يسميه زياد بن أبيه أبا كان ذلك الأب . إلا أن ذلك الغموض في النسب لم يلحق زيادا منه سبة ولا عار ، فقد بلغ أسنى المراتب كما رأينا ، وهذا مما يدل على سماحة الرأي العام ونبله في ذلك الزمان . فما كان من معاوية إلا أن أخذ بإقرار أبي سفيان الذي سبقت الإشارة إليه ، وبشهادة شهود شهدوا ببنوة زياد لأبي سفيان ، وأعلن في الآفاق أن زيادا أخوه لأبيه .

ولقد أثار معاوية بعمله هذا دهشة الرأي العام ، وامتعاض بني أمية ، وسخط بعض رجال الفقه والحديث ، أمثال ابن عمر وسعيد بن المسبب ، فقد نظروا إلي المسألة نظرة ضيقة ، وراوا فيها مخالفة لقضاء رسول الله الذي قضى بأن الولد للفراش وللعاهر الحجر . وغاب عنهم جميعا ان معاوية إنما طرد في هذه المسألة التى وقعت وقائعها الأصلية قبل إسلام ابى سفيان ، حكم الاسلام بصحة انساب الجاهلية الصادرة عن نظمهم في الزواج ، وإن لم يقر هذه النظم وعدها سفاحا . فكان لمعاوية في الأمر نظر أوسع من نظرهم وتقدير أبلغ من تقديرهم . أضفت إلي ذلك أنه سياسي يتوخي الصالح العام ، وكان الصالح العام يقضي

باصطناع تلك الشخصية الفذة والانتفاع بها في إدارة الدولة . ولقد كان معاوية مرتاح الفكر والضمير إلي ما عمل ، فعند ما فتت القالة ، واشتد الكبير عليه ، قام في الناس فقال : أما والله لقد علمت العرب أبي كنت أعزها في الجاهلية ، وأن الإسلام لم يزدني إلا عزا ، وإنى لم اتكثر يزياد من ذلة ، ولكن عرفت حقا فوضعته موضعه ألا إن يكن معاوية قد أظهر في هذه المسألة شيئا ، فقد أظهر شجاعة ادبية نادرة المثال ، وسعة فكر لا يقاس بها ضيق فكر الخليفة المهدي العباسي الذي أمر في سنة ١٦٠ بإخراج آل زياد من ديوان قريش وردهم إلي ثقيف ( تكملة الموضوع في العدد القادم )

اشترك في نشرتنا البريدية