الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 50الرجوع إلى "الثقافة"

صور من التاريخ الاسلامى, عبد الله بن على العباسى، هو السفاح ، لا أمير المؤمنين أبو العباس

Share

أخى الأستاذ أحمد أمين : أشكر لك ثناءك الطيب على مقالى عن أمير المؤمنين أبى العباس . إلا أنك يا أخى ذكرت أن ذلك المقال ترك فى نفسك شيئا رأيت أن تعرضه على استجلاء للحقيقة ؛ فاسمح لى أن أتقدم لمناقشة اعتراضاتك فى شىء من الإيجاز ، لأنتقل بعد إلى تفصيل ما أجملت فى مقالى السابق ، وإيراد رأيى الأخير فى موضوع " السفاح " .

١ - قلت إن أبا العباس قال عن نفسه فى خطبته المعروفة : " أنا الثائر المبير " . وسألت : هل كنا نحن أعرف منه بنفسه ؟ وأنت تعلم يا أخى أن طلب الثأر صفة يتمدح بها العرب ، وكان واجبا على ولى الدم فى الجاهلية ، ثم جاء الاسلام فجعله حقا له . والمراد بالعبارة أنه شديد الوطأة على أعدائه ومن له قبلهم ثأر . وماذا تنتظر يا أخى من رئيس دولة أن يقول عن أعدائه ؟ على أن العبارة ليست بأكثر من عبارة خطابية يراد بها الإرهاب والإخافة ، والمقام - كما تعلم - مقام ترغيب وترهيب .

٢ - وقلت إنك وجدت فى كتاب الدينورى هذا العنوان " ظهور أبى العباس السفاح وبيعته " ، تريد بذلك نقض ما قلت من أن لفظ " السفاح " لم يرد فى الكتاب المذكور . فأخبرك يا أخى أنى اعتمدت على الطبعة الأوربية للكتاب المذكور ، فى حين أنك رجعت إلى الطبعة المصرية ، والكلام فى الطبعة الأوربية مثله فى الأصل الذى أخذت عنه ، مرسل من أول الكتاب إلى آخره إرسالا وغير مقسم أبوابا أو فصولا . فالعنوان

الذى ذكرته هو من عند ناشر الكتاب المصرى ، الذى تبرع بتقسيمه فصولا على ما يظهر .

وذكرت أنك رأيت اليعقوبى المؤرخ الذى هو أسبق من الطبرى ( وفاة لا عصرا ) يسمى أبا العباس بالسفاح ، فيعنون له فصلا بقوله : " أيام أبى العباس السفاح " ، ثم قلت : فإن قيل إن العنوان قد يكون من الناسخ ؛ فقد وردت الكلمة فى ص ٣٨٦ من الجزء الثانى ، إذ يقول : " وعبد الله الأصغر وهو السفاح " ، وأجيب يا أخى على اعتراضك هذا بأن لفظ السفاح المذكور فى العنوان هو لا محالة زيادة من بعض النساخ ، بدليل أنه لم يذكر أبو العباس مقرونا بلقب السفاح فى غير هذا الموضع من الكتاب . وأما لفظ السفاح الذى ورد أثناء الحديث فهو وصف لشخص آخر غير أبى العباس بالمرة ، وسأحدثك عن عبد الله الأصغر هذا بعد الفراغ من مناقشة اعتراضاتك .

٣ - وقلت إنى استشهدت بقول المسعودى فى أبى العباس : " إنه كان طروبا محبا للعلم " , وهو القائل كما لاحظت أنت : " أما أبو العباس السفاح فكان سريعا إلى سفك الدماء واتبعه عماله فى الشرق والغرب فى فعله " ، وكل الذى أجيب به على هذا الاعتراض هو أن المسعودى أورد دعوى لم يقم على صحتها دليلا من الوقائع الثابتة .

فان قلت : فلم أخذت من كلام المسعودى بعضه وتركت بعضه ؟ أجبت بأنى إنما أخذت ما تؤيده الرواية القديمة والوقائع الثابتة وتركت ما يتعارض وذلك .

٤ - وقلت إنك وجدت فى كتاب "الولاة والقضاة"

للكندى أن رجلا من بنى مروان فر مع بنيه الثلاثة إلى فقط ؛ فأمنهم صالح بن على والى مصر ، وكتب فيهم إلى أبى العباس فكتب إليه فى إشخاصهم إليه ، فلما صاروا بفلسطين قتلوا بها . وسألتنى أ كان قتلهم عن أمر أبى العباس أو بغير أمره ؟ وأجيب بأنى لم أجد فيما تحت يدى من المراجع ما يفيد أن أبا العباس أمر بقتلهم ، ولكنى أكاد أجزم بأن عبد الله بن على ألحقهم بقتلى نهر أبى فطرس ، وقتلهم فيمن قتل من بنى أمية بالشام .

على أنى يا أخى لم أقم بحثى فى السفاح على مجرد الأقوال ، سواء أكانت مما قاله أبو العباس فى نفسه ، أم مما قاله فيه غيره ؛ بل أقمته على الوقائع التى هى مادة المؤرخ الأساسية ؛ فبينت أن الرواية القديمة المعتمدة لا تكاد تنسب إلى أبى العباس نفسه من حوادث القتل والمثلة التى وقعت فى زمنه إلا حادثين أو ثلاثة يمكن تأول بعضها والاعتذار عن بعضها الآخر . وأنها تنتسب عظم تلك الحوادث إلى غيره : إلى أبى مسلم بالشرق ، وأعمامه عبد الله بن على بالشام ، وداود بن على بالحجاز ، وسليمان ابن على بالبصرة . وكانوا طغاة وحكاما بأمرهم . ثم وجدتنى أمام رواية أخرى هى رواية ابن قتيبة والمسعودى تلقيه صراحة بالسفاح ، فاضطرنى ذلك إلى أن ألحظ فى هذا اللقب معناه اللغوى الدال على الكرم والسخاء ، ولا سيما أن الروايات كلها مجمعة على أنه كان أسخى الناس .

على أننى أعلن اليوم أنى لا أتمسك بهذا التفسير للفظ السفاح لأسباب سأذكرها ؛ وأقرر ثلاثة أمور أختم بها هذا البحث الطريف .

أولا - أن أبا العباس ، وإن كان قد قال عن نفسه أنه السفاح المبيح والثأئر المبير ، لم يلقب أصلا بهذا اللقب لا على معناه الحسن ولا معناه السئ ؛ والدليل على ذلك أن أقدم الروايات التاريخية التى تصعد إلى عصر أبى العباس نفسه ، والتى نهج أصحابها فيها نهج رواة الحديث من

حيث الدقة فى الاسناد وتحرى الصدق فى الأخبار ، والتى نجدها مضمنة إلى حد بعيد فى تواريخ ابن عبد الحكم ، والبلاذرى ، والدينورى ، واليعقوبى ، والطبرى ، والكندى ؛ أقول إن هذه الروايات كلها لم تذكر أبا العباس مقرونا بلقب " السفاح " قط .

ثانيا - أن لقب " السفاح " إنما أطلق أصلا على عبد الله ابن على الوالى على الشام لعمه أبى العباس ؛ وقد استحق هذا اللقب باسرافه فى قتل الأحياء من بنى أمية ، وبنبشه قبور موتاهم ، وتحريقه جثثهم وتذريتها فى الهواء ، وبقوله بعد ذلك كله مخاطبا صرعاه من الأمويين :

بنى أمية قد أفنيت جمعكم

              فكيف لى منكم بالأول الماضى

يطيب النفس أن النار تجمعكم

              عوضتم من لظاها شر ممتاض

منيتم لا أقال الله عثرتكم

               بليث غاب إلى الأعداء نهاض

إن كان غيظى لقوت منكم فلقد

               منيت منكم بما ربى به راض

هذا هو السفاح حقا ! وإذا شاء القارئ دليلا على صحة هذه الدعوى ، فاليه أكثر من دليل :

١ جاء فى الجزء الثانى من تاريخ اليعقوبى (ص ٣٨٦) فى تعداد أولاد على بن عبد الله بن عباس :

" ... ... وعبد الله الأصغر وهو السفاح " .

فإذا سأل سائل : من عبد الله الأصغر هذا ؟

قلت : جاء فى كتاب " أنساب الأشراف " للبلاذرى (ج ٣ ص ٥٧٦) : " وأما عبد الله بن على الأصغر فيكنى أبا محمد ، ولاء أبو العباس محاربة مروان بن محمد " ، ثم يمضى فى الكلام على ولايته الشام وفعله ما فعل ببنى أمية . فقد بان إذا أن عبد الله الأصغر هو عبد الله بن على ، وأنه هو السفاح بنص اليعقوبى ، وليس المراد به عبد الله بن محمد ابن على الخليفة كما ظن أخى الأستاذ أحمد أمين .

ولا بأس أن أشبع بالحجة والبرهان هذا الموضع الذى هو صميم بحثنا فأقول : جاء فى كتاب " أخبار مجموعة فى قيام دولة بنى أمية بالإندلس " وهو لمؤلف أندلسى مجهول من أهل القرن الرابع ، جاء فيه فى ص ٤٦ تحت عنوان " ذكر دخول عبد الرحمن بن معاوية الأندلس " . ما يأتى : " لما كان من أمر مروان بن محمد رحمه الله ما كان وانصرم أمر بنى أمية بالمشرق ، وتغلب على ملكهم بنو العباس ، وقتل مروان سنة اثنتين وثلاثين ، سير برأسه إلى السفاح ، ثم سير به إلى أبى العباس ببغداد (كذا !) ، وهو معسكر بها ، وتتبع السفاح بنى أمية حيث كانوا يقتل ويمثل " ، وجاء فيه (ص ٤٨) : " فلما اجتمع بنو أمية عند السفاح قعد لهم وأدخلهم على نفسه فى سرادق له ليرسلهم بزعمه إلى أمير المؤمنين " ، وظاهر هنا إطلاق لفظ " السفاح " على عبد الله بن على .

وجاء فى ص ٣٣٦ من كتاب " الإمامة والسياسة " المنسوب إلى ابن قتيبة والآخذ بطرف من التاريخ والقصص : " وذكروا أن أبا العباس ولى عمه عبد الله بن على الذى يقال له السفاح الشام ، وأمره أن يسكن فلسطين ... فقدم السفاح فلسطين ... وأن السفاح بعث إلى بنى أمية ، وأظهر للناس أن أمير المؤمنين وصاه بهم " ، وجاء فى (ص ٣٣٨) ... " فقال أبو العباس رحم الله عبد الواحد ...

ولولا أن السفاح عمى ، وذمامه ورعاية حقه على واجب لأقدت منه ولكن الله طالبه ... ثم كتب إلى عمه السفاح ألا يقتل أحدا من بنى أمية حتى يعلم به أمير المؤمنين ، فكان هذا أول ما نقم أبو العباس على عمه السفاح " . وجاء فى ص ٣٣٩ : " وذكروا أن الهيثم بن عدى أخبرهم قال لما ولى السفاح الشام واستصفى أموال بنى أمية " الخ . فالروايات التاريخية وشبه التاريخية متظاهرة فى الدلالة على أن لفظ "السفاح" إنما هو لقب عبد الله بن على العباسى .

والأمر الثالث الذى أريد تقريره والذى هو سبب عدم تمسكى بما فسرت به لفظ "السفاح" هو أن لفظ "السفاح"

نقل خطأ من حامله الأصلى عبد الله بن على إلى أمير المؤمنين أبى العباس الذى لم يكن يستحقه كما بينا . وتعليل ذلك ظهور طبقة من المؤرخين من أواخر القرن الثالث إلى منتصف القرن الرابع لم تبلغ شأو ابن عبد الحكم والبلاذرى والطبرى ، فى التحقيق والتدقيق والاستمداد من المصادر الأولى ، طبقة جعلت من قصدها فى كتابة التاريخ إمتاع القارئ وتفكهته ، أو الاستعانة به على تحقيق أغراض تعليمية أو أخلاقية ؛ فكانت تقتضب الرواية اقتضابا أو تنتخبها انتخابا ، غير متحاشية أن تضعها ما شاهده رجالها فى أسفارهم من العجائب وما سمعوه من الغرائب ، من هذه الطبقة المؤرخة الجديدة ، ابن قتيبة ، والمسعودى ، وأبو الفرج الأصفهانى . سمع هؤلاء المؤرخون الجدد الرواة يذكرون عبد الله السفاح فخيل إليهم أن المراد عبد الله بن محمد بن على أبى العباس الخليفة ، لا عمه عبد الله بن على واليه على الشام ؛ فتشابه الاسمين كان علة هذا اللبس . وزادهم لبسا ورود لفظ " السفاح " فى خطبة أبى العباس ، فراحوا يقصون على قرائهم فى كتبهم كيف قتل أبو العباس السفاح بنى أمية ، وينسبون إليه ما هو منه برىء . وقد تبعهم فى هذا التخليط من جاء بعدهم من المؤرخين حتى يومنا هذا ؛ ونسيت الرواية القديمة الصحيحة إلى أن أراد الله لهذا الضعيف أن يرجع إليها ويتخذها هاديا له فى هذا التحقيق .

وبعد ، فهل يرى أخى الأستاذ أحمد أمين أنى أفلحت فى مناقشة اعتراضاته ؟   وهل يرى أنى وفقت فى إنصاف رجل أسس دولة من أعظم دول التاريخ ، بعد ظلم حاق باسمه ولزمه أكثر من ألف عام ؟ وهل يرانى قبل كل شئ وبعد كل شئ أرضيت الحقيقة التاريخية ؟ لقد كنت يا أخى زمنا ما مؤرخا إسلاميا ، وكنت زمنا ما قاضيا تقضى فى المنازعات وتفصل فى الخصومات ، فأنت لعمرى بهاتين الصفتين على أقل تقدير حقيق بأن تقول حكمك فى هذه القضية بعد الذى أدلى إليك به من الحجة والبرهان ، لقد أصبحت الكلمة لك ، والسلام .

اشترك في نشرتنا البريدية