كانت دعوة معاوية زيادا في سنة ٤٤ ، وسرعان ما عرضت الظروف التي رأي معاوية ان ينتفع فيها بكفاية أخيه الجديد ومواهبه . ذلك بأن البصرة قد اختلت أمورها اختلالا كبيرا ، فكتر في نواحيها عبث الخوارج ، والتلصص وقطع الطرق ، وفشت في البلد نفسه الافات التي تلحق الجماعة البدوية متي انتقلت طفرة إلي الحضارة والترف ، فكثر الفسق وشاع الفجور . وزاد الطين بلة تعصب القبائل بعضها على بعض ، مما جعل البلد يحيا حياة جاهلية إلي حد بعيد . ولقد عجز من ولاهم معاوية أمر البصرة عن إصلاح تلك الحال ، واصبحت الحاجة ماسة إلي رجل مازم عليم بالسياسة والإدارة بضع الأمور في مواضعها ، ويرد فساد ذلك العصر إلى صلاح ، ولم ير معاوية اقدر على الاضطلاع بذلك العبء الجسم من زياد ، فولاه في سنة ٤٥ على البصرة وخراسان وسجستان ، ثم جمع له الهند والبحرين وعمان ، والمراد بالهند هنا ثغر الإبلة وما إليها
رأي زياد ان الحال تقتضي حزما وعزما وشدة في بعض المواطن وصرامة ، ولكنه جهد في ان يعمل بالسياسة العمرية القديمة ، سياسة الشدة في غير عنف والذين في غير ضعف ، وإن يكن قد طبقها تطبيقا حرفيا دقيقا في حالات معدودة قصد الإرهاب وإلقاء الرعب في نفوس المفسدين ، وقد وضع لسياسته برنامجا اعلنه في خطبته البتراء التي خطبها
الناس بالمسجد الجامع لأول دخوله البصرة . فقد أعلن عزمه على هدم المواخير ومجال الفساد ، فقال : " ما هذه المواخير المنصوبة والضعيفة المسلوبة في النهار المبصر والعدد غير قليل ؟ حرام على الطعام والشراب حتي أسويها بالأرض عندما وإحراة " . وتهي عن دلج الليل نهيا بانا ضربا علي أيدي المتلصصة وقطاع الطرق من الأعراب وذلك في قوله : " وإياي ودلج الليل فإني لا أوتي بمدلج إلا سفكت دمه " ونهي عن دعوي الجاهلية منعا لتعصب القبائل بعضها على بعض : " وإياي ودعوي الجاهلية ، فاني لا أجد أحدا دعا بها إلا قطعت لسانه " وأعلن تضامن الناس في حفظ النظام : " وإني أقسم بالله لآخذن الولي بالولي ، والمقيم بالطاعن والمقبل بالمدبر ، والصحيح منكم بالسقيم . . أو تستقيم لي قنائكم " . إلا أن زيادا وإن كان قد شد الوطأة علي أصحاب الريب والفساد فإنه سكن خواطر الصلحاء وجهد في استمالة المنحرفين عنه : " فمن كان محسنا فليزدد إحسانا ، ومن كان مسيئا فلينزع عن إساءته ثم بين لهم حرصه علي مصلحتهم : " واعلموا اني مهما قصرت عنه فاني لا أقصر عن ثلاث : لست محتجبا عن طالب حاجة منكم ولو أناني طارة بليل ، ولا حابسا رزقا ولا عطاء عن إياه ، ولا محمرا لكم بعثا . أيها الناس . عليكم السمع والطاعة فما أحبنا ، ولكم علينا العدل فيما ولينا "
وكان زياد عند قوله ، ثم تعلق عليه احد بكذبة ، ولقد انقذ وعيده هذا في حالات تعد على اصابع اليد الواحدة ، يقصد الارهاب ، لا حبا في سفك الدماء ، فاستقامت امور البصرة ، ولما ثم له ذلك تكلف ضبط الامر في نواحيها . فاستكفي كل قبيلة من فيها من الخوارج ، فكسر بذلك شرة تلك الفرقة العاتية ، وهم الأمن اطراف البصرة ونواحيها حتى قال زياد : " لو فقد حبل بيني وبين خراسان لعرفت من اخده "
ولقد بلغ من ضبط زياد البصرة وأعمالها انه لما توفي المغيرة بن شعبة في سنة ٥٠ لم يتردد معاوية في ضم إمارة الكوفة وأعمالها إلي زياد
كان الخطر بالكوفة آتيا لا من قبل أهل الريب والفساد والخوارج وتعتصب القبائل كما كانت الحال بالبصرة . ولكن من قبل الشيعة الذين كانوا لا يعترفون بسلطان معاوية والذين وجدوا في لعن على منابرهم فرصة لاعلان معارضتهم وسخطهم ، فكانوا يقابلون ذلك بلعن معاوية وعماله والترحم على أبي تراب ، ولقد رأي معاوية فيهم خطرا جوهريا على حكمه فأمر المغيرة بن شعبة بمراقبتهم
وكان المغيرة بن شعبة في اخريات حياته رجل رفق ولين وإيثار للعافية ، فكان يكتفى من الشيعة بالأخلاد إلي السكون وعدم مخالفة الجماعة ويدعهم بعد ذلك يقولون ما شاءوا . فلما اسنت ولاية الكوفة إلي زياد قدمها وشد الوطأة على رؤساء الشيعة حجر بن عدي وأصحابه ، وطوي ما بينه وبينهم من صداقة قديمة ، إيثارا منه على عادته لأداء واجبه نحو الحكومة التى يخدمها . ولما احس منهم المقاومة لسلطانه والمجاهرة بلعن معاوية وعماله والترحم على علي قبض على حجر بن عدي وبضعة عشر رجلا كانوا زعماءهم . واستشهد ناسا من وجوه أهل الكوفة على أن حجرا واصحابه قد خالفوا الجماعة وشقوا عصا الطاعة ، ثم بعث بهم وبالشهادة عليهم إلي معاوية . وهنا يتورط هذا السياسي المحنك في الأمر ويضيق بهؤلاء النفر حلمه المشهور ، فيامر بقتل ستة منهم فيهم حجر بن عدي ، قتلوا صبرا بمرج عذراء بظاهر دمشق سنة ٥١ ه
وهدات احوال الكوفة على أثر ذلك إلي حد ان استطاع زياد ان يكتب إلي معاوية يقول : إني قد ضبطت العراق بشمالي ويميني فارغة ؛ يعرض برغبته في ان تضم إليه اليمامة ، لا الحجاز كما ورد في بعض الروايات . فضم إليه معاوية اليمامة وما إليها
ولم تطل حياة زياد بعد هذا الحادث فقد أصابه الفالج وتوفى في رمضان عام ٥٣ ه ودفن بانتوية بظاهر الكوفة
ذلك تصوير عام لحياة زياد السياسية . ومنه نري ان زيادا كان سياسيا حازما يعرف مواضع الشدة ومواضع اللين ، ويلبس لكل حال لبوسها ويداوي كل داء بدوائه ، وقد أخذ ذلك عن الخليفة الثاني ، وكان يتأثره ويحب سماع الحديث عنه ويعمل بسنته ويقضي بقضائه
وأيا ما كانت الحال فقد جعل رائده أداء الواجب والإخلاص للمصلحة العامة ، ولا ادل على ذلك من موقفه من معاوية عندما أراد اخذ البيعة ولاية العهد لابنه يزيد ، فقد رأي زياد أن الأمر جد خطير ، وان واجبه نحو الإسلام والمسلمين يحتم عليه إلا يعين معاوية على ما يريد ، فكتب إلي كتابا مؤديا ينصح له فيه بالتريث وعدم العجلة ، وحسب زياد فخرا ان معاوية لم يخط الخطوة الأخيرة في هذا الأمر إلا بعد موت زياد
ذلك وجه الحق في امر ذلك السياسي الذي عاش في أيام فتن واضطراب ونقلة من عصر النبوة والخلافة إلي عصر الملك والسياسة : اخذ بالحزم ، وأداء للواجب ، ونصح لولي الأمر . ومع ذلك فثم روايات تصور زيادا طائش السيف سفاكا للدماء بغير حق ، فتزعم أنه قتل الأبرياء بالبصرة ، وانه قطع ايدى ثمانين أو ثلاثين رجلا حصبوه وهو على المنبر بالكوفة ، وانه دفن رجلا من اصحاب حجر حيا . إن هذه الروايات وامثالها متهمة لانها صادرة عن رواة الشيعة المنحرفين عن بني امية ومؤرخي بني العباس الذين قضوا علي الدولة الاموية وإلا فكيف يتصور أن ينال زياد بأجماع الأخبار رضا الائمة المهديين عمر وعثمان وعلي ، وثقة عمالهم سعد وأبي موسي وابن عامر وابن عباس ، وإعجاب الفرس وولاءهم ، ثم ينقلب بمجرد وضعه يده في يد معاوية سفاكا سفاحا ؟ إلا إن
سبب الوضع والانتحال او المبالغة على اقل تقدير واضح في تلك الروايات من غير مراء
وكما كان زياد سياسيا حازما ، فقد كان إداريا بارعا ، لا يكاد يلحق به في ذلك الميدان من رجال الصدر الأول إلا قليل . والظاهر أنه لقف صناعة الادارة أثناء عمله بفارس للأمام علي وذلك بمعاشرته الدهافين وسماعه اخبار الاكاسرة الاولين . عني بعمارة فارس والعراق . فأما فارس فقد بلغه ان الساسانيين كانوا يضعون عن الناس كل عشر سنوات خراج سنة فاقتدي بهم في ذلك فعمرت فارس عمارة عظيمة ، وأما العراق فعرف من أول الأمر أهمية الري بالنسبة له ، فخفر عدة انهار ، منها نهر معقل ونهر الابلة ونهر ديبس ، واكثر من الأقطاع وإحياء الموات . قال المدائني : " وكان يقطع الرجل القطيعة ويدعه سنتين فان عمرها وإلا أخذها منه "
وقد عمر العراق لعهده عمارة عظيمة . روي البلاذري ان جباية كور البصرة على عهد زياد بلغت ستين ألف الف درهم ، كان يرسل منها إلي معاوية اربعة آلاف ألف فقط ، وينفق الباقي في اعطيات الجند وعامة ضروب الإصلاح . وبلغت جبابة كور الكوفة على عهده أربعين ألف ألف درهم كان يرسل منها إلي معاوية ثلثي ما يرسل إليه من جبابة البصرة ، وينفق ما تبقى في مختلف شئون الكوفة
وعنى بأمر الاسواق ، فكان يراقب الاسعار مراقبة دقيقة متوخيا مصلحة الجمهور في ذلك . قال المدائني : " غلا الطعام على عهد زياد ، فدفع إلي التجار مالا فابتاعوا به طعاما وقال زيدوا ربعا ربعا ، فلما رخص الطعام ارتجع ماله " وربما تنكر ونزل إلي السوق واختبر الموازين والمكاييل بنفسه ، وكان يوقع العقوبة الموجعة بمن يطفف كيلا أو يخسر ميزانا
وعني العناية كلها بالشرطة والجند ، فاتخذ حرسا مؤلفا من خمسمائة رجل لا يبرحون المسجد ، وجعل الشرطة ٤٠٠٠ رجل ، وبلغت مقاتلة البصرة في زمنه ثمانين الفا . ومقاتلة الكوفة ستين الفا وجمل جند البصرة اخماسا وجند الكوفة ارباعا ، مازجا بين القبائل المتباعدة الانساب ليؤلف بينها ، ويضعف من تعصب بعضها على بعض . وولي على كل خمس أو ربع رجلا من قبل الحكومة بدل سيد القبيلة كما كانت الحال من قبل ، ونقل إلي خراسان خمسين الفا من عرب المصريين ، وجعلهم ارباعا علي نظام جند الكوفة ، فكان ذلك بدء استعمار العرب ذلك الاقليم . وكانت اعطيات الجند وارزاقهم وارزاق عيالائهم تصرف إليهم من دار الرزق في مواعيد معينة من السنة ، أكثر ما كان ذلك في المحرم ورمضان
روي البلاذري أن زيادا سأل أحد جلسائه فقال : الست تعلم ان الاسواق قائمة وان الاعطيات والارزاق تخرج إلي شهر معلوم ويبيع البائع إلي شهر معلوم ؟ قال : بلى قال : لله الحمد لا يزال الناس بخير ما كان أمرهم هكذا .
وكان لزياد شغف بالبناء مع ذوق فيه وحب للنظافة العامة . بني بالبصرة دار الأمارة وهدم مسجدها ، وكان من القصب ، ثم وسعة وبناء بالأجر والجص وسقفه بالساج ، ونقل اساطينه من جيل الأهواز ، وانشا به المقصورة يدخل إليها من دار الامارة مباشرة دون ان يتخطى الناس ويروي انه حين بني المسجد ودار الامارة جعل يطوف فيهما وينظر إلي البناء ثم يقول لن معه : اثرون خللا ؟ فيقولون ما نعلم بناء أحكم منه ! فقال : بلى ! هذه الأساطين التي على كل واحدة منها اربعة عقود ، لو كانت اغلظ من سائر الأساطين . قالوا ولم يؤت من تلك الأساطين قط تصديع ولا عيب . وقد قال شاعر من شعراء ذلك الوقت في فخامة بناء ذلك المسجد :
بني زياد لذكر الله مصنعة من الحجارة لم تعمل من الطين لولا تعاور أيدي الأنس ترفعها إذا لقلنا من اعمال الشياطين وكذلك وسع مسجد الكوفة واتخذ به مقصورة وقرش صحته وصحن مسجد البصرة بالحصباء حتى لا تترب أيدى المصلين
وقال المدائني : كان زياد يأخذ صاحب كل دار بعد المطر إذا اصحت برفع ما بين يدي فنائه من الطين فمن لم يفعل امر بذلك الطين فألقي في محلته . ويأخذ الناس بتنظيف طرقهم من القذر والكناسات ثم إنه اشترى عبيدا ووكلهم بذلك
وكان زياد يعني بمظهره الرسمي للخاصة والعامة علي السواء . كان يشتو بالبصرة ويصيف بالكوفة وكان له مجلس يحضره اشراف المصر يدخلون عليه فيه على السابقة والشرف والحسن ، ويسمرون عنده فيه جالسين على الكراسي ، وهو أول من جلس بين يديه على الكراسي ، وكان لا يطعم وحده ولكن مع الصحابة والشرط والمقاتلة ومن حضر ، وكان يغدي الناس ويعشيهم كل يوم إلا يوم الجمعة فكان يعشيهم فقط ، وكان له قبة يشرف منها على عرض الجند كلما اراد ذلك ، وكان إذا برز من دار الامارة ففي موكب فخم يسار فيه بين يديه بالحراب والأعمدة ، وهو أول من سير بين يديه كذلك
ولسيرة زياد الخاصة طرافة وروعة ، كان زياد في صباه حسن الهيئة ، حسن الثياب ، ذا ذوابة . وقد وصفه من راه في اواخر حياته فقال : رأيته فيه حمرة ، وفي عينه اليمني انكسار ، أبيض اللحية ، مخروطها ، عليه قميص مرفوع . وقد اجمع الرواة على ان زيادا كان من أخطب الخطباء ، وانه كان كاتبا بليغا ، ومحدثا لبق الحديث . قال الشعبي : " ما رايت احدا يتكلم إلا أحببت أن يسكت مخافة ان ينقطع ، إلا زيادا فانه لا يخرج من حسن إلا إلى احسن " .
وكان ابا بارا ببناته وابنائه الكثيرين ، وصديقا وفيا لم يخل بصداقة المغيرة ولا صداقة بدر بن حارثة القداني الشاعر ، على قلة كلف زياد بالشعر ، ومع ما عرف به بدر من معاقرة الشراب . وإن يكن قد تنكر لحجر بن عدي فمن أجل الواجب وحده تنكر . وفوق كل شئ فقد كان زياد عفيفا لم تؤخذ عليه هنة في حياته الخاصة ، زاهدا في الدنيا غير حريص عليها . روي الحافظ ابن عساكر في تاريخه ان زيادا لم يكن من القراء ولا الفقهاء ، ولكن كان يعد في الزهاد . وقال الأصمعي : مكث زياد على العراق تسع سنين لم يضع لبنة على لبنة ، ولم يغرس شجرة . يريد انه لم يختص نفسه ببناء ولا زرع تعففا وزهدا ، وكان يقول : اغبط الناس حالا رجل له دار لا يجري عليه كراؤها وزوجة صالحة قد رضيته ، فهما راضيان بعيشهما ، لا يعرفنا ولا نعرفه
ولما مات زياد رثاه غير واحد من الشعراء ، وقال فيه صديقه بدر بن حارثة : صلى الإله علي قبر وطهره عند التوبة يسقي فوقه المور ادت إليه قريش نعش سيدها فثم كل التقي والبر مقبور
أبا المغيرة والدنيا مغيرة وإن من غر بالدنيا لمغرور قد كان عندك المعروف معرفة وكان عندك للنكراء تنكير
ولا تلين إذا عوسرت معتسرا وكل أمرك ما يوسرت تيسير لم يعرف الناس مذ كفنت سيدهم ولم يحل ظلاما عنهم نور
والناس بعدك قد خفت حلومهم كأنما نفخت فيها الأعاصير قد يقال تلك زفرة صديق محزون لفراق صديقه ، ولكن العواطف النبيلة ، لا يهيجها عادة إلا ما هو نبيل حقا .

