الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 36 الرجوع إلى "الثقافة"

صور من التاريخ الاسلامي :, عطاء . . .

Share

غمرت مكة موجة من الحر رهيبة ، تغلغلت في كل دار ، وأصابت كل إنسان ، فأخمدت جذوة النشاط في كل نفس ، وحملت الفتور والخمول إلي كل جسم ، حتى تملك الناس شجر مضن ، وملل قاتل ، وخيم شبح الصمت الرهيب على أنحاء مكة ، فغدت لا يعلو في أرجائها صوت ، ولا تسمع في جوانبها تأمة ؛ وبدا القصر الذي نزله الخليفة موحشا كئيبا ساكنا سكون الموت ؛ بعد أن كان يضيق على رحبه بالوافدين ، وتزدحم أمامه وفي ساحته الكبرى مئات من الناس الذين يعموه من كل حدب وصوب طمعا في مال الخليفة ، أو شوقا إلي لقائه والتحدث إليه ، أو هربا من العزلة المضجرة والوحدة القاتلة - أفقر القصر من مرتادية وخلا إلا من حجابه وخدامه ، وأوي الوليد بن عبد الملك إلي غرفته تعيس النفس ، فاتر الهمة ، خائر العزيمة ، وأحس في نفسه ، وهو يرتمي على إحدي الأرائك الوثيرة ، ضيقا لم يدر منشأه ، وفتورا لم يعرف له سببا ، فأغمض عينيه وأسلم نفسه للكري ، ولكن النوم استعصي علي جفنيه ، وأبي أن يذل ويخضع لهذا الرجل الذي ذل وخضع له نصف العالم : إنسه وجنه ، وحيوانه ونباته ، والذي لا يأمر إلا ليطاع ، ولا يرغب إلا لتنفذ رغبته مهما عظمت ، والذي يسيطر على أرواح البشر ، فيقضي بكلمة تصدر من بين شفتيه على من يشاء ، ويقرب بإشارة من يده من يريد ، استعصي عليه النوم ، ولم يبال بإمرته وخلافته ، فنهض حانقا مغيظا ، وأراد أن يرفه عن نفسه بسماع حديث ينفي عنه الهم والضجر ،

فاستوي في مجلسه ، وصفق بيديه لحاجبه قائلا :

- قف على الباب ، فإذا مر بك رجل فأدخله على يحدثني :

قال الحاجب : سمعا وطاعة يامولاي ، وخرج مهرولا حتى بلغ الباب ، وتطلع إلي الطريق ، فلم ير فيه شبحا لإنسان يري ، ولم يسمع فيه حسا ولا حركة ، فوقف حياله لا يريم ، وراح ينظر إلي الطريق مفكرا في هذا الأمر الذي صدر إليه ، ومحاولا أن يجد السبب الذي دفع الخليفة إليه ؛ ولم يطل به التفكير ، إذ كان يعلم أن الخليفة كثيرا ما يضيق صدره بالوحدة ، وهو الذي اعتاد ألا ينفرد بنفسه ساعة من نهار ، وأن لا يري مجلسه خاليا من الناس ، فتتوق نفسه إلي جليس يحدثه ويرفه عنه ويزيل عنه الضيق والضجر ، جليس ذكي فطن يعرف كيف يدخل السرور والغبطة إلي نفس أمير المؤمنين بأسلوب فصيح عذب ، وبلهجة محببة سائغة ؛ فخشي الحاجب أن يمر به رجل عامي جاهل يقف أمام الخليفة صامتا وجلا ، لا يدري بم يحدثه ولا كيف يسره ، فيثير نقمته وغضبه ؛ وخشي أن يمر به رجل قليل العلم لا يستطيع أن ينفي عن الخليفة حزنه ، أو رجل ذو فحة لا يعرف أدب محادثة الخلفاء ، فتبدر من فيه كلمة تكون سببا للنقمة عليه وعلى الحاجب معا ، أو رجل عالم جريء يغضب الخليفة إذ يقول الحق لا يداري فيه ولا يجامل ؛ وجلس الحاجب خائفا يدعو الله أن ينقذه من هذا المأزق الحرج وأن يخلصه من نقمة الخليفة وبطشه .

وترامي إلي سمعه صوت بعيد كأنه صادر من أعماق بئر ،

صوت مناد ينادي قائلا : لا يفتي إلا عطاء ، لا يفتي إلا عطاء ، فعرف فيه منادي بني أمية ، يأمرونه في كل حج أن يجهر بهذا النداء ، وارتاحت نفسه إلي الصوت ، وطرب لسماع اسم عطاء ، ذلك الشيخ الجليل الذي يتقاطر الناس إلي مجلسه في المسجد الحرام في كل عشية ، فيضيق بهم المسجد على رحبه ، يصغون إلي كلام عطاء ويحرصون على أن لا تفوتهم كلمة من كلماته ، وهو يتدفق في حديثه كالسيل الآتي ، وكان يعرف فضل عطاء وعلمه ، ويلتقط من أفواه الناس أحاديثهم عن هذا الرجل ، وحفظ من كلامه الذي سمعه منهم قوله : (( إن من كان قبلكم ، كانوا يكرهون فضول الكلام ، وكانوا يعدون فضول الكلام ما عدا كتاب الله تعالى أن يقرأ ، أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر ، أو تنطق في حاجتك التي لا بد منها . إن عليكم لحافظين كراما كاتبين . عن اليمين وعن الشمال قعيد ، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ، أما يستحي أحدكم ثم لو نشرت عليه صحيفته التي أملاها صدر نهاره أكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا دنياه ؟ )) .

ورن صوت المنادي في أذنه كرة أخري : لا يفتي إلا عطاء ... ففاضت نفسه غبطة بهذا النداء ، وذكر قول عبد الله بن عمر للناس حين قدم مكة فتقاطر الناس حوله من كل فج ، وراحوا يمطرونه وابلا من الأسئلة يطلبون الجواب عليها ، إذ قال لهم : أتجمعون لي المسائل وفيكم عطاء ابن أبي رباح ؟ يا الله ! أيكون عطاء مثل ابن عمر ؟ ذلك وأبيك الشرف .

وانتبه الحاجب حين طافت في رأسه هذه الجملة الأخيرة ، وعرف أنها ليست له وأنها طرقت أذنه مرة ، ولكنه لا يدري متي سمعها ولا ممن سمعها . فراح يستعرض ماضيه ، ويعمل ذهنه حتى ذكر خبرها ، ذكر القصة التي سمعها عن الخليفة السابق عبد الملك بن مروان ، حين دخل عليه عطاء وهو جالس على سريره في مكة ، وحواليه

الأشراف من كل بطن ، فلما بصر به عبد الملك قام إليه وأجلسه معه على السرير ، وقعد بين يديه وقال له : يا أبا محمد ما حاجتك ؟ فقال : يا أمير المؤمنين اتق الله في حرم الله وحرم رسوله فتعاهده بالعمارة ، واتق الله في أولاد المهاجرين والأنصار ، فانك بهم جلست هذا المجلس ، واتق الله في أهل الثغور فأنهم حصن المسلمين ، وتفقد أمور المسلمين فانك وحدك المسئول عنهم ، واتق الله فيمن علي بابك ، فلا تغفل عنهم ولا تغلق بابك دونهم . فقال له : أجل أفعل . ثم نهض وقام ... وابتسم الحاجب حين ذكر قبض عبد الملك على عطاء وقوله له : يا أبا محمد ، إنما سألتنا حاجة لغيرك ، وقد قضيناها فما حاجتك أنت ؟ وقول عطاء : ما لي إلي مخلوق حاجة ، وابتسم ثانية حين ذكر قول عبد الملك عقب خروج عطاء : هذا وأبيك الشرف .

وبدت أمام عيني الحاجب صورة رائعة لعطاء من صنع خياله ، وود لو يمتع نظره بمرآه ، ود لو يري ذلك الرجل العظيم الذي كان يسمع عنه أنه ظل يفترش المسجد عشرين سنة لا ينفتل من صلاة إلا ليبدأ صلاة اخرى ، وأنه يقوم اليوم إلي الصلاة - بعد ما كبر وضعف - فيقرأ مائتي آية من سورة البقرة وهو قائم لا يزول منه شئ ولا يتحرك ، وأنه حج أكثر من سبعين حجة . ود لو يري هذا الرجل العظيم ولو مرة واحدة قبل أن يموت .

ونغص عليه سروره وفرحه حس سمعه من جانب الطريق ، فنهض ليري القادم ، فرأي شيخا يسير في ظل الحائط ببطء واتزان ، وتطلع إليه فبصر برجل قصير القامة ، أسود الوجه ، أعور العين ، أفعلس الأنف ، أشل اليد ، أعرج الرجل ، مقلفل الشعر ، كأنه غراب اسود ؛ ورأي عليه ثوبا رثا باليا لا يمكن ان يسوي أكثر من خمسة دراهم . . فخالط قلبه الرعب من منظر هذا الرجل الذي لم ير مثله طول حياته ، على كثرة من رأي من الناس ،

وأدرك أن الرجل أعرابي جلف جاهل لا يصلح أن يخاطبه أدني الناس ، فضلا عن أن يكون نديم أمير المؤمنين ومحدثه ، وحار الحاجب في أمره وأدركته الحيرة ، وخشي إن هو فوت الرجل أن يعلم بذلك الخليفة فيصب عليه جام غضبه وينزل به أشد عقابه ، وخاف إن هو أدخله عليه أن يسئ محادثته فيقع اللوم على من جاء به .

وظل الرجل سائرا في طريقه لا يلتفت ولا يقف ، وكاد يبتعد عن قصر الخليفة وبتواري عن الأنظار ، فتحفز الحاجب وجري خلفه مسرعا لئلا يفوته ، ولما أدركه قبض عليه وقال له بلهجة الآمر :

- أجب أمير المؤمنين . . فأجاب الرجل دون أن يرفع إليه بصره : - مالي إلي أمير المؤمنين حاجة ، دعني يا هذا . ولكن الحاجب لم يسمع ما قال الرجل ، وكان همه الأوحد أن ينفذ أمر الخليفة ، فقاد الرجل بغلظة حتى أدخله قصر الخليفة ، ولما رآه الحجاب راحوا يلومونه على إدخال هذا الرجل القبيح البشع ، ولكنه لم يلتفت إليهم ، وظل سائرا به حتى أدخله على أمير المؤمنين قائلا : - هذا أول رجل مر بي يا مولاي .

رفع الوليد رأسه ، وأنعم النظر فيه ، ثم قال له : تقدم أيها الرجل . فتقدم حتي إذا دنا منه حياه الرجل قائلا : - السلام عليك يا وليد !

فلم يكد الوليد بسمع هذه التحية حتى انتفض غضبا وثار ثائره ، وصاح بحاجبه :

- ويحك ! أمرتك أن تدخل إلي رجلا يحدثني ويسامرني ، فأدخلت إلي رجلا لم يرض أن يسميني بالاسم الذي اختاره الله لي ؟

فأجاب الحاجب مذعورا مرتجفا شاحب الوجه : - ما مر بي أحد غيره يا مولاي . فقال الوليد :

- اجلس أيها الرجل ، ما اسمك ؟ - اسمي عطاء بن أبي رباح . . .

فعرفه الوليد ، وقال له : حدثني . وأقبل عطاء على الوليد يحدثه في السياسة الشرعية وما يجب على الإمام نحو رعيته وما هي صفات الخليفة العادل ، وماذا ينتظر الخليفة الجائر من عذاب الله ومقته ، وكان فيما حدثه به قوله : بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : من استرعي رعية فلم يحطها بالنصيحة ، حرم الله عليه الجنة ، وأنه قال : ما من وال على شيئا من أمور الناس إلا أتي به يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه لا يفكها إلا عدله . فيوقف على جسر من النار ينتفض به ذلك الجسر انتفاضة تزيل كل عضو منه من موضعه ، ثم يعاد فيحاسب ، فإن كان محسنا نجا بإحسانه ، وإن كان مسيئا انفرق به ذلك الجسر فيهوي به في النار سبعين خريفا . . . وبلغنا أن في جهنم واديا يقال له هيهب ، أعده الله لكل إمام جائر في حكمه . .

فلما سمع الوليد حديث عطاء صعق منه ، وكان جالسا بين يدى عتبة باب المجلس فوقع على قفاه إلي جوف المجلس مغشيا عليه . وكان عمر بن عبد العزيز حاضرا بسمع ويري ، فلما شاهد ذلك وثب صائحا بعطاء : - أوه ، لقد قتلت أمير المؤمنين ؛ .

ولكن عطاء لم يبال به ولا بأمير المؤمنين ، ونهض واقفا ، وتقدم من عمر ، وغمزه في ذراعه غمزة شديدة قائلا له : يا عمر ، إن الأمر جد فجد . إن الله أمرنا أن نجهر بالحق في كل موطن ، وان نأمر بالمعروف وننهي عن المنكر دون أن نخشى في الله لومة لائم . يا عمر ، إن من رأي فاعل المنكر وسكت عنه كان شريكا له في الإثم ، وإننا إن لم ننكر على أمير المؤمنين مخالفته لأوامر الدين الحنيف كنا مسئولين أمام الله يوم القيامة ، وشركاء ، للخليفة في عذابه ، ولقد أخذ اثمه علي العلماء من المواثيق ليبينه للناس ولا يكتمونه . يا عمر ، قل الحق ولو على نفسك ،

لا تدار ولا تنافق ، واعلم ان الله سائلك عن كل صغيرة وكبيرة ، فأعد لكل عمل جوابا ، وراقب الله في جميع أحوالك ، ولا تخش الناس والله أحق أن تخشاه ( ١ ) . . . ثم قام وانصرف .

( دمشق )

اشترك في نشرتنا البريدية