الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 42الرجوع إلى "الثقافة"

صور من السياحة والتاريخ:, ألمانيا الهتلريه كما عرفتها، تحقيق ومشاهدات واقعية، ٤ - أيام الفزع

Share

في سبتمبر من العام الماضي ، حينما اضطرمت الأزمة الدولية من جراء مسالة السوديت ، كنا طوال الوقت في المانيا ، فشهدنا تطورات الازمة كلها ، وسمعنا كل خطب هتلر الرنانة في مؤتمر نيرمبرج ، وفي قصر الالعاب ( شبورت بالأست ) ، وراينا مواكب الحرب الصاخبة تتري أمام أعيننا ، وقطعنا في فينا أمسية عديدة في الظلام الدامس ؟ ومع ذلك فقد كان يخالجنا شعور عميق من التفاؤل ، واعتقاد رأسخ بأن الحرب لن تنشب هذه المرة .

ولكننا حينما هبطنا إلي برلين في أواخر أغسطس الماضي ، لم يكن يخالجنا مثل هذا التفاؤل ، ذلك أن نذر العاصفة كانت تبدو في الأفق على أثر عقد الميثاق السوفيتي الألماني ؛ وكان الجزع يسود كل مكان وكل مجتمع ، ولكن شخصية واحدة ممن لقينا كانت لا تزال تحتفظ خلال الجزع العام بكل هدوئها وتفاؤلها : كان صديقنا الذكي اللبق أمين بك رستم قنصلنا في برلين - جزاه الله عن واقر شهامته ومروءته خير الجزاء ، وأسبغ عليه جميل رعايته ، فهو قد ابي ان يغادر برلين قبل ان يغادرها آخر مصري ، وهو لا يزال هنالك رهن تصرف القدر - يعتقد دائما ان الحرب بعيدة الوقوع ؟ وكان هذا رايه منذ العام الماضي ، حينما التقينا به ذات مساء في أوائل اكتوبر

في قهوة " صاخر " الشهيرة في فينا ، على اثر مؤتمر ميونيخ وانقشاع أزمة السوديت ؛ وقد استقبلنا هذه المرة في برلين بابتسامته الساحرة ، وأكد لنا أنه لا يزال متفائلا بنسبة تسعة وتسعين في المائة ، وان نشوب الحرب رهين بواحد في المائة فقط

ولكن لم يأت على ذلك يوم أو يومان حتى انقلبت الآية ، وغدا من الواضح أن كفة الحرب قد فازت بنسبة التسعة والتسعين ، وتركت للسلام واحدا في المائة فقط وكان لا يزال بصيص ضئيل من الامل يساور النفوس الجزعة من جراء زيارات السفير البريطاني للمستشار هتلر وتردده بالمقترحات والردود بين برلين ولندن ، ولكن طلائع الحرب من جهة اخري كانت تثري بسرعة ؛ ففي يوم السبت ٢٦ أغسطس صدر نظام البطاقات الشخصية بالنسبة للأطعمة والمواد الضرورية ؛ وفي نفس اليوم قيدت المواصلات علي السكك الحديدية الالمانية ، وخفضت تخفيضا عظيما ، واوقفت القطارات الدولية وقطارات الحدود ، وهرعت الجاليات الأجنبية إلى مغادرة العاصمة الألمانية بناء على تعليمات ممثليها ، وفي مقدمتها الانكليز والفرنسيون واليابانيون والترك .

وقصدنا نحن المصريين في مباح يوم الأحد ٢٧ اغسطس إلي المفوضية المصرية ، لنقف على مجري الأمور ؛ ولم تكن هناك تعليمات او نصائح واضحة تلقي إلينا ، وكل ما استطعنا ان نعرفه هو انه وردت برقية بأن " الكوثر " تنتظر المصريين في مرسيليا ؛ وفي اليوم التالي ، هرعنا مع باقي إخواننا المصريين إلى دار المفوضية مرة اخرى ، فعلمنا عند الظهر ان المفوضية اتصلت بالسلطات الالمانية في فيلهلم شتراسه وزارة الخارجية وحصلت على جميع التأكيدات اللازمة بالنسبة المصريين ، فمن شاء البقاء منهم فليفعل ، ومن شاء السفر فليسافر ، دون قيد ولا حرج ؛ وان مبلغا كبيرا ارسل من مصر إلى المفوضية ليكون رهن الطوارئ ، ولمعاونة من تعوزه الموارد ، وانه لا محل للانزعاج

ولكن هذه التأكيدات كان ينقصها الطابع العملي ؛ ذلك ان المواصلات قيدت ، ولم تبق حسبما علمنا من المصادر المختصة ، ثمة مواصلات عادية مع فرنسا أو سويسرا أو بلجيكا ، وقد أغلقت الحدود الفرنسية والسويسرية ؛ فكيف السبيل إلي العودة إذا ؟ لم يكن بوسع مكاتب السفر أن تقدم إلينا آية معاونة أو معلومات ، وترددنا على محطات برلين انهالت ، وفريدريش ، وغيرهما ، وكانت جميعها خاصة بالناس ، وكان الانزعاج باديا على جميع الوجوه ، وكانت مكاتب الاستعلامات تحاصرها جموع كبيرة ، وتتصدرها صفوف طويلة من المستفهمين ؛ وكنا نلقي من الموظفين أجوبة موجزة غامضة ؛ وكل ما علمناه هو أن السفر ممكن إلى العواصم الألمانية الداخلية ، مثل كولونيا ، ميونيخ ، فينا وغيرها ، أما قطارات الحدود فليس يعرف شئ عنها ، ولا يضمن بشأنها شئ .

وكنا عندئذ في الأيام الأخيرة الحاسمة ؛ ولم يبق عندئذ شك في انقضاض العاصفة . متى ؟ في أقرب فرصة بلا

ريب . وكانت العاصمة الالمانية بسودها عندئذ نوع من الهدوء المريب الذي لا يكاد يستر ما وراءه ، وكانت مقاهى " الكورفر ستندام " تسطع ليلا كعادتها ، وتغص بالحضور ؛ ولكن طابعا من الوجوم العام كان يسود في كل مكان ، وكانت طبعات الصحف وملاحقها الخاصة ، وتلهف الناس على تخاطفها ، وتلهفهم على سماع الإذاعة الأخبارية ، مما يبعث الكابة إلى النفس ، ويذكرنا في كل لحظة بأن الكارثه أصبحت وشيكة الوقوع .

وقد لمست أثر هذا الجزع العام في النزل الذي كنت اقيم به ؟ فقد كان هذا البنسيون الكبير الفخم قبل يومين غاصا بالضيوف ، ولكني اصبحت يوم الثلاثاء ٢٩ اغسطس فلم يكن به إنسان سواي وسوي زميل مصري اخر ، وقد إليه مؤخرا .

وفي هذا اليوم قررت السفر ، ومغادرة ألمانيا بأي وسيلة ، ورايت ان اقصد إلي ميونيخ ، ثم أري هنالك ما يمكن عمله ؟ وقصدت مساء إلي عطلة انهالت ، وكانت تعج بالناس عجا ؟ وكان ثمة ثلاثة قطر ستسافر تباعا إلي ميونيخ ؛ ومع اني وصلت قبل أن يقوم أولها بنحو ساعة ، فإني لم أجد موضعا لقدم ، فوقفت في رواق العربة مع كثيرين من ركاب الدرجتين الأولى والثانية رجالا ونساء ؛ وكان المسافرون مزيجا دوليا عجيبا ، فمنهم يابانيون ، وسويسريون وترك ، ويونان ، وإيطاليون ، وأمريكيون . . الخ ؛ وكان الانزعاج باديا على الجميع ، وكانت هنا وهنالك مناظر وداع مؤثرة ، وقبلات وعناق ، وانات ودموع ؟ ولن أنسي منظر ميونيخ في تلك الليلة ؛ فقد كانت كساحة الحشر ، وكانت الجماهير المتراصة الوفا مؤلفة ، بامتعتها وحقائبها ، كأنها جيش منهزم يبحث عن سلامته ؛ ولما تحرك القطار بقى الضجيح لحظة ، ثم ساد بيننا هدوء موحش تحت المصابيح القاتمة ؛ وسار القطار حثيثا صوب الجنوب ؛

وكانت ليلة صافية الأديم ، والقمر يرسل أشعته على المدن ، والبسائط العديدة التي تمر بها ؛ وكنا طول الليل نري من خلال النوافذ عشرات القطارات تسير في مختلف الانحاء وهي خاصة بالجند ، والمدافع ، والسيارات ، والدبابات ، ينعكس عليها ضوء القمر وراينا أروع هذه المناظر علي مقربة من نبرميرج ، حيث كانت تبدو كمعسكر هائل ؛ وكنا نتأمل هذه المناظر صامتين واجمين ، ولم يجرؤ إنسان على الملاحظة أو التساؤل .

ووصلنا إلي ميونيخ في صباح اليوم التالي - يوم الأربعاء ٣٠ أغسطس - بعد رحلة مضقية ، متأخرين ساعتين أو ثلاثا عن الموعد المعتاد ؛ ورأينا في ساحة محطتها الكبيرة نفس المناظر التي رأيناها في محطة انهالت : جموع غاصة تروح وتجيء ، وصفوف طويلة من الناس أمام مكاتب الاستعلامات ؛ وقضينا اليوم في السؤال والتحري عن خير الطرق لمغادرة ألمانيا ، فعلمنا أن الحدود الفرنسية (كيل - شتراسبورج) قد أغلقت نهائيا ، وأن الحدود السويسرية الشمالية كلها ( شافهاوزن وبازل ) قد أغلقت أيضا ، ولم يبق مفتوحا سوي محطة " لنداو " من الشرق ، ولكن للسويسريين فقط ، وكان طريق إيطاليا ( برترو ) مفتوحا ، ولكن هل كان ثمة ما يشجع على سلوك هذا الطريق ، خصوصا بعد أن جاءت الأنباء باغلاق البحر الأبيض المتوسط ، ووقوف السفن الايطالية في موانيها ؟ عندئذ لم يبق أمامنا سوي طريق الشرق والبلقان ، فسافرنا في مساء نفس اليوم إلي سالزبورج ؛ وانتظرنا هنالك من منتصف الليل حتى الفجر ، لكي نتمكن من اتخاذ القطار الوحيد الذي يسافر إلي فينا ؛ ورأينا في محطة سالزبورج منظرا غريبا! فقد كان مطعمها الشاسع غاصا بالناس ، وهم ما بين قائم ونائم على مائدته أو حقيبته ؛ وكان القائمون يشربون أقداحهم أو يدخنون لفائفهم ذهولا ، وكانت الأنوار ضئيلة ، والأصوات خافتة ؛ ولقد آثرت أن أتجول في مدينة موتسارت التي أعرفها جيدا ، على أن أبقى الى

جانب هذا المنظر الموحش ؛ بيد أني ما كدت أجوس شوارعها ، حتى ذعرت لما يسودها من الفقر والكابة ، وقد رأيت معظم فنادقها الشهيرة ، التي كانت تعج أيام موسمها الموسيقى الشهير ، مثل فندق أوربا ، وبرستول وغيرهما ، وقد أغلقت نهائيا .

وفي الفجر ركبنا القطار إلي فينا ، وكان غاصا لا موضع فيه لقدم ، وكان الركاب مزيجا من مختلف الجنسيات وكانت امارات اللهفة والتساؤل تبدو على جميع الوجوه ، هل نصل حقا إلي فينا ؟ ومتى ؟ هذا ما كان يجهله موظفو القطار انفسهم ، وكان ثمة سؤال يحرق كل شقة ، هل تقع الحرب ؟ ولم نجد في جرائد الصباح شيئا ؛ وسمعنا أخبار الإذاعة من آلة راديو كانت مع آنسة مسافرة معنا فلم نقف منها على جديد ، ولكن منظر القطر المحملة بالمدافع والدبابات والذخائر في كل مكان كان خير جواب على سؤالنا وكان يشير في نفوسنا أفكارا مشئومة .

وأخيرا وصلنا بعد العصر إلي فينا بعد رحلة شاقة ، وقد استغرقنا ضعف الوقت المعتاد . وكانت العاصمة النمسوية هادئة ، ولكنها فقدت كل مظاهر بهجتها القديمة وأقفرت مقاهي " الرنج " الشهيرة من زوارها .

وكان يوم الجمعة أول سبتمبر يوما حاسما ، ففي الساعة العاشرة من صباح هذا اليوم ألقي هتار خطابه المشئوم ، ومبرح فيه بأنه أعطي الأوامر بالزحف على بولونيا .

وكانت الجموع تصغي واجمة جزعة في كل مقهي وكل ميدان ، وكانها تسمع الحكم على مستقبلها ومصيرها ؟ واستمرت محطات الإذاعة إلى ما بعد منتصف الليل تكرر إذاعة الخطاب ، ويرغم الجمهور علي سماعه في كل مقهي ومنتدى ؛ وفي مساء نفس اليوم صدر قانون بربري بعاقب الذين يستمعون من الألمان إلي الإذاعات الأجنبية في منازلهم بالحبس سنتين ، فإذا نشروا بين الجمهور ما سمعوا من الأخبار ، كانت العقوبة الإعدام .

وفي اليوم التالي علمت من صديقي صفوت بك قنصل مصر في فينا ، خلاصة ما سمعه من الإذاعة الخارجية من الأنباء الهامة ؛ وهو ان انكلترا وفرنسا وجهتا بالأمس إنذارهما الشهير إلي الحكومة الالمانية ، باعلان حالة الحرب معها إذا لم تسحب جيوشها من بولونيا في ظرف ثمانية واربعين ساعة ، وان السنيور موسوليني القي تصريحه الخطير بأن إيطاليا لن تدخل حربا اعتدائية ؛ ولم تنشر هذه الأنباء في الصحف الالمانية ، ولم يعلم بها سوى القليل ممن اتيح لهم أن يتلقوها من محطات الإذاعة الأجنبية

ولم يك عندئد شك في وقوع الكارثة ، ولم يبق سوى التساؤل عن المدى الذي تبلغ إليه

وفي وسط الظلام الحالك الذي خيم على فينا منذ أول سبتمبر ، اعددت حقائبي . وفي صباح يوم الأحد الثالث من سبتمبر ، كانت عدة من الاوتوكارات الكبيرة الفخمة

التي تسير بين فينا وبودابست ، قد اصطفت منذ الصباح الباكر في ميدان " شقارتزنبرج " لنقل جماهير الأجانب الذين اثروا مغادرة هذه الديار التي غدت في ظل الحكم النازي وظل الحرب القائم جحيما لا يطاق فاتخذت مكاني في إحداها ؛ وتنفست الصعداء حينما سارت بنا العربة الفخمة التي غدت وسيلة السفر الوحيدة إلى بودابست بعد بعد أن وقفت القطر . وما كدنا نصل إلي العاصمة المجرية ، ونستريح ساعات قلائل ، حتى علمنا أن الإنذارين الإنكليزي والفرنسي للحكومة الألمانية قد انتهى أجلهما ، وعدت انكلترا وفرنسا في حالة حرب مع ألمانيا .

ومثلت في الحال أمام اعيننا الحقيقة المروعة : لقد بدأت الحرب العالمية الثانية . (تمت السلسلة)

اشترك في نشرتنا البريدية