يتساءل الكثيرون عن موقف الشعب الألماني من النظم النازية ومن الزعيم هتلر وسياسته، وعما إذا كان الشعب الألماني يعيش راضيا في ظل هذه النظم الحديدية المرهقة، وعما إذا كان بنوع خاص يؤيد هتلر في سياسته المغرقة ؟ والجواب على ذلك يقتضي بعض التفصيل. ففي العام الماضي حينما كنا في ألمانيا خلال الأزمة الدولية التي أثارتها مسألة السوديت كنا نسمع من جميع الطبقات والأفراد ثناء على هتلر وعلى سياسته التى أدت إلي ضم النمسا دون إهراق دماء، وكان الشعب الألماني يتحمس لفكرة الجامعة الألمانية وألمانيا الكبرى. وكانت الأغلبية الساحقة تقف وراء هتلر في مسألة السوديت وتطري حزمه وشجاعته، وتعرب عن ثقتها التي لا حد لها فيه وفي عبقريته؛ وحتي في النمسا التي لم تكن قد اطمأنت إلي مصيرها بعد، كانت الطبقات الوسطى والعاملة تتعقد آمالها حول هتلر وحول النظام الجديد، وكانت ترجو أن تنال في ظله الخير والرغد الاقتصادي، وكانت الأعمال الجديدة التي بديء بها تطبيقا لبرنامح السنوات الأربع، والتي اقتضت تشغيل عدد كبير من العمال العاطلين، تعتبر مقدمة حسنة للانتعاش الاقتصادي المنشود؛ ولما تم لهتلر الفوز في مؤتمر ميونيخ، وسلمت الدولتان الديمقراطيتان الكبيرتان بجميع طلباته، واحتوي على بلاد السوديت
دون آية مقاومة، كان لفوزه أعمق الآثر في جميع الطبقات وارتفعت هيبته إلي الذروة، واحيط شخصه بنوع من الإعجاب الذي يدنو إلي العبادة والتقديس.
ولكن اجتياح هتلر لتشيكوسلوفاكيا في مارس الماضي كان سدمة شديدة أصابت العقيدة النازية وأصابت هيبة هتلر، فقد كان الشعب الألماني يعتقد حسبما تملى عليه ألسنة وزارة الدعاية أن " الزعيم " يعمل فقط لمثل أعلى، هو جمع اشتات الجنس الألماني حول الأم الكبري، فلما دخل " الزعيم " براج فاتحا ولما يمض على تعهداته في مؤتمر ميونيخ بإحترام استقلال تشيكوسلوفاكيا وتأكيداته العديدة بأنه لا يريد ضم " التشك " إلي المانيا، سوي أشهر قلائل، سقط قناع المبادئ والمثل العليا الذي كان يستتر به، وتساءل الشعب: اين يسير " الزعيم " بألمانيا ؟ واخذ بوجس خيفة من الاتجاه الجديد الخطر الذي تتجه إليه السياسة النازية
وكانت الأزمة الاقتصادية أثناء ذلك تشتد وطئتها على جميع الطبقات، ولما وضعت البطاقات الأولى للزبد والقهوة والشاي ادرك الناس انهم ابعد ما يكون عن عهد الرغد والرخاء المنشود، وان استيلاء الريح " على الأراضي الجديدة لا يقيد في تخفيف الضيق الاقتصادي.
وتستطيع الآن أن نقول إننا شهدنا في زيارتنا الأخيرة تطورا عميقا في نفسية الشعب الألماني وفي موقفه من " الزعيم " ومن النظم النازية، فقد فترت هذه الحماسة القديمة، وفترت هذه الثقة العمياء التي كانت تغدقها الجماهير على " الزعيم " وحل محلها كثير من التوجس والشك، وأخذ النظام النازي يبدو لكثير من الناس في صورته الحقيقية، نظام طغيان حزبي شنيع، وتحكم فرد أو أفراد قلائل زجت سياستهم العنيفة القصيرة النظر بألمانيا إلي مغامرات وأزمات خطرة لا تؤمن عواقبها؛ وجرت عليها الخراب الاقتصادي، ودفعت بشعبها إلي براثن الضيق والحرمان؛ وأثارت عليها سخط العالم كله وأفقدتها كل عطف. وقد جاء عقد الميثاق الألماني الروسي صدمة جديدة قوية للعقيدة النازية، وكان أسطع دليل على تناقض السياسة الهتلرية وتخبطها وتجردها من المثل العليا التي تزعم الانضواء تحت لوائها، ولم تفلح ألسنة وزارة الدعاية من صحف وإذاعة وغيرها هذه المرة في إزالة الأثر السيء العميق الذي أحدثه هذا التناقض الشنيع في مثل زعماء الوطنية الاشتراكية
والواقع أنه تبدو في ألمانيا منذ أشهر بوادر تذمر لاشك فيها، وهي تتبع مجاريها الخفية، ولاسيما بين طبقات العمال التى حددت أجورها بطرق تعسفية والتي ارهقها الغلاء وانحطاط قوة المارك الشرائية؛ ومع ان مجال العمل قد اتسع بتطبيق برنامج السنوات الأربع، وقضي علي العطلة قضاء ثاما واحتاجت ألمانيا إلي استيراد العمل من الخارج، فإن الطبقات العاملة تئن من الظروف المرهقة التي تعمل فيها، سواء من حيث الاجور او ساعات العمل او وسائل التغذية، ومع أن النظام الحديدي الذي تعمل في ظله يقضي علي كل تذمر في مهده، فإن بوادر التذمر تبدو من ان لآخر؛ وقد اذيعت أخيرا في داخل المانيا وخارجها
بعض الأنباء عن حركات المعارضة الخفية وعن المنشورات السرية التي توزع بين العمال أو تلصق خلسة علي الجدران. ورجال الجستابو البوليس السري السياسي يطاردون هذه الحركات بلا رأفة، ويسيغون عليها تهم التجسس والخيانة العليا. وقد أشارت الصحف الألمانية في المدة الأخيرة إلي كثير من المحاكمات التي جرت في هذا الشأن وقضي فيها بالعقوبات الشديدة ومنها الإعدام. وشهدنا في محطات السكة الحديدية والميادين العامة إعلانات كبيرة فيها تحذير من التجسس والخيانة العليا وبيان للعقوبات المروعة التي قررت لمرتكبي هذه الجرائم؛ وفي نشرها بهذه الصورة البارزة دليل علي القلق الذي ساور السلطات من انتشار روح المعارضة والخروج على النظام. وإنك لتشهد بوادر من هذا التذمر بين باقي الطبقات. وفي وسعك أن تلمس ذلك بالأخص في كثير من التلميحات والتعليقات التي تلقي عرضا في الفندق وفي المقهي وفي المتجر وفي عربات الترام والأمنيبوس وغيرها. وهذه التلميحات تلقي بحذر وأمام أجنبي تؤمن عاقبته وفيما بين الجدران الصامته. وقد سمعنا الكثير منها من رجال وسيدات من مختلف الطبقات، وكنا نتلقاها دائما كما تتلقي الأسرار الرهبية وكأنها كابوس يسريه الإفضاء؛ ذلك أن التصريح أو المجاهرة بها خطر يحسن اجتنابه دائما
والشعب الألماني يسوده اليوم نوع من الحيرة والشك في مصيره. فهو يشعر بأنه قوي من الناحية العسكرية، وأنه استطاع بالجهد المتواصل ان يعيد إلي المانيا تفوقها العسكري القديم، ولكنه يخشى من جهة اخري قوي انكلترا وفرنسا المتحدتين. ولقد سمعنا موظفا سياسيا كبيرا من النازي المتطرفين يقول إن المانيا تستطيع الظفر في أية حرب محلية يخوضها، ولكنها إذا أرغمت ان تخفوض حربا اوربية عامة أو حربا عالمية فإن ذلك يكون
نهاية الوطنية الاشتراكية الهتلرية ونهاية الأمة الألمانية مهما تكن القوي الحليفة التي تؤازرها. وهذا الرأي هو الغالب بين كثيرين من المثقفين والمتنورين. على أن هؤلاء لم يخفوا في الوقت نفسه ثقتهم بأن الزعيم هتلر مصمم على الا يشتبك في آية حرب غير محلية وانه يستطيع ان يحقق مطالبه دون حرب، وانه لن يرتكب قط مثل الخطأ الذي ارتكبه الساسة الالمان وأركان الحرب الألماني في سنة ١٩١٤ فتزج بألمانيا في أتون حرب عالمية
وقد كان هم الدعاية الألمانية منصرفا في الأيام الأخيرة من أغسطس، أعني في الأيام القلائل التي سبقت نشوب الحرب، إلى إقناع الشعب الألماني بأن انكلترا وفرنسا لن تدخلا الحرب إلي جانب بولونيا، مهما كانت الظروف والأحوال، وبأن بولونيا فريسة سهلة لن يقتضي غزوها والإجهاز عليها سوى أيام قلائل، وكان الجمهور يميل إلي تصديق هذا التأكيد، وكانت سابقة ميونيخ ماثلة أمام عينيه، ياتنس بها، وينسج على منوالها، ويري في تردد السفير البريطاني على دار المستشارية بالرد والمقترحات دليل التسليم السلمي بمطالب ألمانيا. ولم تر في الواقع ألمانيا يعتقد أن انكلترا وفرنسا ستدخلان الحرب ضد ألمانيا، تأييدا لبولونيا، ولكي تحولا بذلك دون تحقيق ما يصفونه بأماني ألمانيا المشروعة؛ ومع ذلك فقد كانت هذه الفكرة، أعني دخول انكلترا وفرنسا الحرب تزعج الجمهور أيما إزعاج؛ وذلك بالرغم من كل ما تذيعه الدعاية الألمانية حول ضعف انكلترا ونقص أهبتها؛ ولم ينس الشعب الألماني عبرة الحرب الكبرى، ولم ينس بالأخص ماعاناه من آلام الجوع والحرمان في أواخر الحرب الكبرى من أثر الحصار البريطاني لألمانيا، ولم ينس أن ألمانيا كانت تملك يومئذ قوة بحرية كبيرة، فلم تغنها شيئا، فما بالك وألمانيا ليس لها اليوم أسطول يعتد به ؟
والخلاصة أن الدلائل والقرائن كلها تدل على أن النظام الهتلري يواجه في الداخل موجة من التذمر والاستياء لا سبيل إلي إخفائها، وان الأحوال الاقتصادية المرهقة التى يعانيها الشعب الألماني بجميع طبقاته تزيد هذا الاستياء وتذكيه. ومن المحقق أن دخول ألمانيا في الحرب يضاعف المتاعب والآخطار التي تواجهها الاشتراكية الوطنية الهتلرية. وقد يكون من سبق القول ان نتحدث الآن عن المعارضة المنظمة في المانيا النازية؛ ولكن الذي لا ريب فيه هو أن عناصر هذه المعارضة تتكون بسرعة بين جميع الطبقات، وقد لا يمضي بعيد حي تضطر العصابة الهتلرية للكفاح عن سلطانها وكيانها في الداخل؛ وفي اعتقادنا أن أول هزيمة خطيرة يلقاها الجيش في ميدان الحرب كفيلة بإنهيار سلطانها ونظمها

