كانت آخر غزوة غزاها الرسول ( ص ) ابتلاء لعزائم المسلمين ‘ وكشفا عن معادتهم ، وميزا لدرجات إيمانهم ، وفرصة لتحديد موقف الإسلام من مختلف الجماعات التى كانت تؤلف صفوف دولته الناشئة ، أو تقف منها وقفة التربص والانتظار .
وقد سجل القرآن أحداث هذه الغزوة كما سجل من قبل شئون " بدر " و " أحد " (١) وما تلاهما من الوقائع والغزوات ، فى أسلوب معجز فى تصويره ، رائع فى تأثيره ، يعرض الموقف كله من جوانبه الخالدة ، ويكشف هما استتر فى طيات الضمائر ، وينكب عن ذكر الأسماء والتفاصيل إلى تصوير النيات والمقاصد ، والأسباب والنتائج والعبر والعظات .
والحق أني كلما قرأت سورة " براءة " وما كتبته كتب التفسير والتاريخ والسيرة من تفصيل لأحداث غزوة " تبوك " ، تمثلت لى من مجتمع " المدينة " وما حولها فى أواخر حياة الرسول صور تبهر بإختلاف أشخاصها وتباين طبائعهم ! من إقدام وإحجام ، وبذل وشح ، وصدق ونفاق ؛ وتروع بما تبرز من جوانب عظمة الرسول فى حسن سياسته وقوة عزيمته ، وإيثاره خطة الصبر والتسامح وتألف القلوب ، حتى ينزل عليه الوحى باتباع المنهج الحاسم ومجابهة أهل المراء والنفاق بالغلظة والعداء الصريح .
وكلما قرأت هذه السورة رأيت ذهنى مدفوعا إلى أن يصل الماضى بالحاضر ؛ فيربط بين جهاد المسلمين أيام النبى ، وبين صفوف الجهاد القومى التى توجبها الحياة الحديثة على
المواطن الصالح ؛ ويقارن بين منافقى تلك الأيام ومنافى هذه ، والمتخلفين من الأعراب إذ ذاك ، والمتخلفين عن الجهاد اليوم ، ومن قبضوا أيديهم من أهل المدينة عن البذل والصداقة فى ساعة العسرة ، ومن لا يزالون يغلون أديهم إلى أعناقهم ويقبضونها عن الإنفاق فى سبيل استقلال البلاد ، وتوفير الصحة لأهليها ، وإخراجهم من ظلمات الجهالة إلى نور العلم فى أيامنا الحاضرة .
إن الأزمات التى تمر بالجماعات والأمم فى شئونها الدينية أو القومية إنما هى اختبار من الله لإرادات أفرادها ، وقوة إيمانهم ، ومبلغ احتمالهم الشدائد ، وصبرهم عن الرغائب ، وإيثارهم الآجلة على العاجلة .
لقد استنقر الرسول المؤمنين إلى قتال الروم فى شهر رجب من السنة التاسعة للهجرة ، فى وقت اشتد فيه الفيظ ، وطابت الثمار ، وأحبت الظلال ، وبدت الشفة إلى اطراف بلاد الروم بعيدة مضنية ؛ فتثاقل بعض المؤمنين عن الاستجابة للدعوة ، وراح بعض المنافقين يستأذنون فى القعود عن القتال من غير علة ، وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم ، وتخلف نفر من المسلمين أبطأت بهم النية ، ممن عز على رسول الله تخلفهم ، وأطلق المنافقون ألسنتهم يستهزئون رسول الله وبجهود المسلمين ويخوفون العرب سطوة الروم وبأسهم فى القتال ويقولون :
" انظروا إلى هذا الرجل يريد أن يفتح قصور الشام وحصونه ، هيهات ، هيهات ، !
ومثل هذه المخدلات كفيلة أن تفسد على أى قائد شجاع أمره ، وتصرفه عن نيته ؛ ولكن عزيمة " محمد " كانت من ذلك النوع العبقرى الذى لا يؤمن بالإخفاق ولا النكوص ، وقد عرف اصحابه فيه الثبات فى ساعة الروع ، والصمود للأعداء ولو فى طائفة قليلة من المقاتلين ؛ فمضى صلوات الله عليه بجموع المجاهدين حتى وصل
"تبوك " ، وأقام فيها أياما ، وجاءته الوفود من الجهات المجاورة تصالحه على دفع الحزية ، وأرسل خالد بن الوليد بفريق من الجيش إلى دومة الجندل فأسر صاحبها واستولى عليها .
ثم عاد الرسول إلى المدينة ، وأنزل الله عليه أثناء إقامته فى " تبوك " ، وخلال منصرفه عنها ، سورة " براءة " فأرسل بها ابن عمه " عليا " ليقرأها على الناس فى الحج غداة النحر . وقد كشفت هذه السورة القناع عن وجه المناقين ، ووسمتهم بمبسم العار الذى لا يمحى على مر الزمن ؛ وأدرك هؤلاء - ولكن بعد فوات الوقت - أن الله مخرج ما يحذرون ، وأنه لا يعبأ بهم فى شئ ، وأنهم - وقد مردوا على النفاق ومرقوا من الصفوف - لم يعودوا يستأهلون من رحمة الله نصيبا ، ولم يعد يغنى عنهم صلاة ولا استغفار . وحاسب الله المسلمين على ما فرط منهم فى هذه الغزوة ، وندد بموقفهم تنديدا رجفت له قلوب المخلصين ، حتى كان الكثير منهم يسمي سورة التوبة ( المبعثرة والمخرية والفاضحة والمدمدمة ) ، وكان حذيفة رضي الله عنه يقول : " إنكم تسمونها سورة " التوبة " وإنما هى سورة العذاب ، والله ما تركت أحدا إلا نالت منه " :
لقد صورت موقف فريق من المؤمنين الذين قيل لهم انفروا فى سبيل الله فاثاقلوا إلى الأرض ، وكانهم رضوا بالحياة الدنيا من الآخرة ، وزجرتهم زجرا فيه تهديد وتأنيب ، وفيه عتب ونذكير ، معلنة إياهم : " إلا تنفروا يعذكم عذابا اليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شئ قدير . إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثانى اثنين إذ هما فى الغار إذ يقول لصاحبه لا يحزن إن الله منا ، فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها ، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى ،
وكلمة الله هى العليا ، والله عزيز حكيم " .
وكشفت السورة عن طوبة المستأذنين فى القعود بغير عذر ، فذ كرت أنه لوكان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لا تبعوا الرسول ، ولكن بعدت عليهم الشقة ! وفي مثل هذا الموقف لا يستأذن الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ؛ وإنما يستأذن فيه أولئك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ، وارتابت قلوبهم ، فهم فى ريبهم بترددون ، ولو أنهم أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ، ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين ، ولو خرجوا مع المسلمين ما زادوهم إلى خبالا ، ولأوضعوا خلالهم يبغونهم الفتنة .
ونددت السورة بأولئك الذين أكل الفرق قلوبهم ، فلو وجدوا ملجأ او منارات او مدخلا لولوا إليه وهم بجمحون ؛ ووسمت أهل النفاق بسيماهم ، ووضعت فى الكفة الاخرى من الميزان علائم أهل الإيمان : فالمنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ، ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسهم . . ، والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض . يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وبقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ، ويطيعون الله ورسوله ، أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم " .
ومن الصور التى تعرضها " براءة " صورة فريق عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصد قن ولكنونن من الصالحين ، فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون ، فأعقبهم نفاقا فى قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه ، وبما كانوا يكذبون ؛ وصورة المخلفين الذين فرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله ، وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وانفسهم فى سبيل الله ، وقالوا لا تنفروا فى الحر ، ونار جهنم اشد حرا لو كانوا يفقهون ؛ وقد أمر الله رسوله أن ينبذ هؤلاء ، وألا يقبلهم فى صفوفه ، وإذا جاءوه يستأذنونه للخروج
فليقل لهم : " لن تخرجوا معى ابدا ، ولن تقاتلوا مع عدوا ، إنكم رضيتم بالقعود أول مرة . فاقعدوا مع الخالفين " .
ومن الصور التى تثير فى قارئ " براءة " ألوانا من شعور الإعجاب والمشاركة الوجدانية صورة بعض فقراء المسلمين الذين لم يجدوا ما ينفقون فى هذه الغزوة ، فأتوا الرسول ليحملهم ، فلما أخبرهم أنه لا يجد ما يحملهم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون . لقد تسابق الصحابة إلى الإنفاق فى سبيل هذه الغزوة . فحمل أبو بكر ماله كله ، وجاء عمر بنصف ماله ، وحمل العباس وعبد الرحمن بن عوف وغيرهما من ذوى اليسار أموالا طائلة ، وجهز عثمان بن عفان ثلث الجيش ؛ وأتت النساء بكل ما قدرن عليه ، فكن يلقين - فى ثوب مبسوط بين يدى النبى ( ص ) - المعاضد والخلاخل والأقراط والخواتيم ؛ وبادر سائر المسلمين كل يجود بما عنده حتى إن الرجل ليأتى بالبعير إلى الرحل والرجلين فيقول : هذا البعير بينكما تعقبانه . ومن الطريف المثير فى هذا المقام رواية تذكرها كتب السيرة عن " أبي ذر " رضى الله عنه ، فقد خرج إلى الغزو على بعير نضو أعجف ، فلما عجز البعير تركه وحمل متاعه على ظهره ، وخرج ماشيا فى حر شديد وحده ، حتى لحق رسول الله ( ص ) نصف النهار وقد بلغ منه العطش ، فقال له : مرحبا بأبي ذر ! يمشي وحده ، ويموت وحده ، ويبعث وحده ، ما خلفك ! فأخبره خبر بعيره ، فقال : " إن كنت لمن اعز أهلى على تخلفا ! لقد غفر الله لك بكل خطوة ذنبا إلى أن لقيتنى " .
ومن هذا النوع صورة الثلاثة الذين خلفوا ، لا عن شك أو نفاق . وتذ كر كتب السيرة انهم كانوا كعب بن مالك أحد الفحول من شعراء الأنصار ، ومرارة بن ربيع المعرى ، وهلال بن أمية الواقفى ، فلما رجع الرسول من
الغزو نهى عن كلامهم . فاجتنبهم الناس وتغيروا لهم ، حتى تنكرت لهم انفسهم ؛ وقعد مرارة وهلال فى بيتهما ؛ وكان كعب يخرج فيشهد الصلوات مع المسلمين ، ويطوف بالأسواق فلا يكلمه أحد ؛ ويأتي رسول الله ( ص ) وهو فى مجلسه بعد الصلوات فيسلم عليه ، ويصلى قريبا منه بسارقه النظر وهو معرض عنه . وظل الثلاثة على ذلك أياما طويلة يتحاشاهم الناس ويلازمهم الهم والندم . وقد رسمت " براءة " موقفهم هذا فى إجمال معجز ، فذ كرت أنهم ضافت عليهم الأرض بما رحبت ، وضاقت عليهم أنفسهم ، وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ؛ ثم أذن الله لهم بالتوبة فتابوا ، إنه هو التواب الرحيم .
أما الرسول صلوات الله وسلامه عليه فقد كان محور هذه الأحداث وقطب دائرتها ؛ وكان سلوكه فى معاملة المخلصين والمنافقين من جنوده نموذجا يستحق الدرس والتحليل : فقد استنفر الناس لقتال الروم ، وكشف لهم عن عظم المهمة ، ثم تركهم لعزائمهم ولنياتهم ، وكلما جاءه منهم معتذر بعلة أو يستأذن فى قعود أذن له . وقد تلطف البارى جل وعلا فعاتبه على الإسراع بهذا الإذن ، فى قوله : " عفا الله عنك ! لم اذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ! " ثم عزاه عن تخلفهم بقوله : " لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ، ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة ، وفيكم سماعون لهم . . "
وتذكر كتب السيرة أنه ( ص ) لما مضى بعسكره من ثنية الوداع جعل يتخلف عنه قوم ، فيقولون يا رسول الله تخلف فلان ! فيقول : " دعوه ، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم ، وإن يك غير ذلك فقد اراحكم الله منه " .
ويمعن المنافقون فى محاولة إيذاته ، فيصفونه بأنه أذن ، يسمع كل ما يقال له ويصدقه ، وكأنهم يريدون بذلك أن
يستغلوا هذا الضعف المزعوم فيه ، فعود الله عليهم هزءهم وسخريتهم ، ويشرف خلق نبيه فى هذه الناحية فيصفه بأنه أذن خير ، يؤمن بالله ، ويؤمن المؤمنين فيصدقهم لما يعلم من خلوصهم ، ويسكت عن أسرار الطوايا فلا يفضحها ، رفقا ورحمة بالناس .
وموقف الرسول من المنافقين موقف إنسان=نى وعملى رائع يثير الإعجاب حقا ! فقد مكر به أناس منهم فى رجوعه من تبوك وائتمروا أن يطرحوه من عقبة ، وعلم رسول الله بنياتهم ، وأخبر أصحابه بذلك فأشار عليه أحدهم ( أسيد ابن حضير ) بقتلهم قائلا :
" حتى متى تداهمهم ، وقد صاروا اليوم فى القلة والذلة ، وضرب الإسلام بجرانه ، فما تستبقى من هؤلاء ؟ " فقال عليه الصلاة والسلام :
" يا أسيد : إنى أكره أن يقول الناس إن محمدا - لما انقضت الحرب بينه وبين المشركين - وضع يده فى قتل أصحابه ! . . . . "
وتذهب الرواية إلى أنه كان يقوم على قبور المنافقين يستففر لهم . ولما مرض رأس النفاق عبد الله بن أبى ، كان الرسول يعوده مدة مرضه . . فلما مات حضر غسله وكفنه ( ويقال إنه ألبسه قميصه الذى بلى جلده ( ، ثم حمل إلى موضع الجنائر فتقدم الرسول ليصل عليه ، فوثب إليه عمر بن الخطاب قائلا : يا رسول الله تصلى على ابن أبى ! فنه قال يوم كذا كذا ، ويوم كذا كذا . . ! فتبسم النبى وقال : أخر عنى يا عمر ! فإن خيرت فاخترت ، ( قد قيل لى : استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ، إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ( فلو أنى اعلم أنى إن زدت على السبعين غفر له زدت عليه " . فصلى عليه وأطال الوقوف . ويقول رواة السيرة إن هذا الصنيع وجد طريقه إلى قلوب " الخزرج " فأسلم منهم كثيرون ،
تأثرا بوفاء الرسول وخلقه . ولكن الله الذى يعلم خبايا النفوس ، وجه رسوله إلى السياسة التى لا بد منها لنجاح الدعوة وسلامة الدولة ، وأوحى إليه ألا يصلى على احد منهم مات أبدا وألا يقوم على قبره ، فقد كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون .
وقد مر بنا ما كان من تأديب الرسول لأصحابه الثلاثة الذين خلفوا ، وما كان من أمره الناس بمقاطعتهم ؛ حتى إذا خلصت نفوسهم ، وصفت معادتهم ، وغسلت دموع الندم حوبة التخلف ، كان الرسول أكثر الناس فرحا بتوبهم : دخل عليه كعب بن مالك بعد أن بشر بالتوبة وسلم ، فقال له الرسول - ووجهه يبرق من السرور - " أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك " ! فقال : أمن عندك يارسول الله أو من عند الله ؟ قال : من عند الله . وتلا عليهم الآيات . . فقال كعب : يارسول الله إن من توبتى أن أنخلع من مالى صدقة ، فقال : " أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك . قال : فالثلثان ؟ قال : " لا " قال : فالنصف ! قال : " لا " قال : فالثلث ! قال : " نعم " .
هذه أنماط من الصور ونماذح من الناس فى مجتمع المدينة فى السنة التاسعة للهجرة ، - تذكرها كتب السير أسماء وتفاصل ، وتعرضها سورة " براءة " عرضا رائعا ، يستل سخائم النفاق من القلوب ، ويزيد المؤمنين حرصا على رضوان الله . ورغبة فى التضحية ، كل حسب وسمه وطاقته ؛ ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا غمصة فى سبيل الله ، ولا يطأون موطئا يغيظ الكفار ، ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح ، ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ، ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ؛ حتى الذين يحبسهم المرض عن صفوف المقاتلين يعدهم الرسول شركاء لهم فى الأجر والحسبة ، فيقول لعائشة بعد رجوعه من تبوك : " إن بالمدينة لأقواما
ما سرنا من مسير ولا هبطنا واديا إلا كانوا معنا ، حبسم المرض ، أوليس الله يقول فى كتابه : (( وما كان المؤمنون لينفروا كافة )) ؟ فنحن غزاتهم وهم قعدتنا ، والذى نفسى بيده لدعاؤهم أنفذ فى عدونا من سلاحنا )) .
على أن بعض السلف الصالح كانوا يؤثرون أن يخرجوا مع جيش الغزو رغم ما عندهم من رخصة فى التخلف ؛ فقد رووا أن (( سعيد بن المسيب )) خرج إلى الغزو وقد ذهبت إحدي عينيه ، فقيل له : إنك عليل صاحب ضرر ! فقال : استنفرنا الله الخفيف والثقيل ، فإن لم يمكنى الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع !
إن سورة (( براءة )) قد جعلت الجهاد بالمال قسيم الجهاد بالنفس فى سبيل الله ، وقرنتهما معا فى كثير من آياتها : فقررت أن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا فى سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله ؛ وبشرت الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله بعذاب أليم ؛ وجعلت البخل معقبا للنفاق فى القلوب ، واعتبرت قبض اليد من آيات المنافقين ؛ واستهجنت مسلك المخلفين الذين فرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله ، وبينت أنه ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج ، إذا نصحوا لله ورسوله ؛ وإنما السبيل على أولى الطول الذين يقعدون وهم أغنياء قادرون ، ويرضون أن يكونوا مع الخوالف ؛ وقد أمر الله رسوله أن يأخذ من أموال التائبين صدقة بطهرهم ويزكيهم بها ، واشتري من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون فى سبيل الله فيقتلون ويقتلون ، وعدا عليه حقا فى التوراة والإنجيل والقرآن ، ومن أوفى بعهده من الله !
وبعد فسورة براءة تؤلف مع الأنفال وآل عمران والأحزاب والفتح سلسلة من أدب القرآن ، تؤرخ لمراحل الجهاد فى سبيل الله ؛ وتصور أهم ملاحم النبى وأصحابه منذ أذن لهم أن يقاتلوا ؛ وتحلل عوامل النصر وأسباب الهزيمة ؛ وتكشف عن فوارق الطبائع البشرية حين يدعوها الداعى إلى بذل النفس والمال فى سبيل المبدأ والعقيدة .
(الاسكندرية)
محمد خلف الله
