صديقي الأستاذ .. أديب واسع الاطلاع ، ملم بتطور الفكر في تاريخ الأمم والشعوب شرقية وغربية ، لكنه الفرط ولعه بالمطالعات المضنية الشاقة، ولكثرة ما يملأ رأسه من علوم شنى ومعارف وآداب ، قد أصبح في مجموعه (كركبة» علمية وأدبية . تجار فى اختيار النفيس منها والأنفس
وهو في ذاته وهندامه يخطيطات أولية لرسم إنسان لا يحفل بزينة أو إناقة ، ولا يعنيه من شأن الدنيا إلا ان يعيش ليقرأ
عينان مضمضمتان في وجه شاحب ، يخيل إليك أن تقاسيمه قد رسمت بغير تؤدة وبلا تنميق . ورأس صغير يحمل طربوشاً متمرداً لا يستقر منه فى موضع ، كأنه ركب فوق رأس من زئبق ، فهو مرة إلى اليمين وأخرى إلى اليسار، وحيناً إلى الأمام ، حتى ليكاد يعطى حاجبيه ويحجب عنك عينيه ، فإذا شاء أن ينتجع إلى مؤخرة الرأس ترك على جبينه المفرطح ذؤابة تتكون من عشرين أو ثلاثين شعرة ، تطل عليك من فوق ذلك الحيين المفرطح البارز الذي لا نقره مصلحة التنظيم :: وتبارك الخلاق العظيم
وهو - بعد ذلك - مكتبة متنقلة تستطيع أن تجد فيها أكثر ما تطلب من كتب علمية وأدبية وتاريخية ومجلات وصحف يومية. فإن أردت أن تقف على أحدث ما كتب النقاد الغربيون عن الأدب والشعر والمسرح ، فهد بدك إلى جيبه !! وستجد - وأنا واثق مما أقول -
كتابين أو ثلاثة ، بعضها فتحت أوراقه وفض غلافه ، وبعضها لم تفتح كأنه ولم تداعب محالفه أنامل الصديق . وإن كنت من طلاب العلوم ، وكنت ترغب في قراءة آخر ما وصل إليه علماء الأقرباذين والجراحة والطب والكيمياء والكهرباء وما إلى هذه العلوم، فتناول من جيبه الثاني ما تريد ودع ما لا تريد . وإن كنت من عشاق الآثار المصرية القديمة وشافك أن تلم بشيء من تاريخها ، أو أحببت أن تعرض بالبحث التاريخ الثقافة المصرية في عهد المماليك أو قبل ذلك التاريخ أو بعده، فاختطف مما يتأبطه الصديق من تاريخ الجبرتي أو خطط على باشا مبارك أو كتاب الأيوبى من عصر اسماعيل ، فإن كنت لا ترغب في شيء من ذلك وخطر لك أن تراجع بعض الأخبار أو تقرأ بعض البحوث الأدبية أو الاجتماعية في صحف الأسبوع فستجد ما تشاء وما لا تشاء ، من مجلات أسبوعية وصحف يومية في إحدى يدى صديقنا
والأستاذ محمود أو محمود افندى - وليكن هذا الاسم هو اسم صديقى - يكره أن يناديه أصحابه محمود الهندى بل يهون عليه أن يفقد إحدى عينيه ولا يفقد لقب الأستاذية » . وهو يزعم أنه قرأ فى صحائف الحياة ، واستشف من حجب السنين أضعاف ما قرأ في صحائف الكتب. وأنه انتهى في ذلك كله إلى نتيجة واحدة هي : إن الحياة مع المرأة جحيم لا يطاق ) .
وعبثا تحاول إقناعه ينقبض ما يعتقد . . لذلك فهو
يكره المرأة ويفر من مجلسها . وهو من مجلسها . وهو كلما تحدث الناس عن نعيم الأزواج وجنة البيت التي تتعهدها المرأة ويتفياً ظلالها) الرجل ، خصك ساخراً بالناس هازنا بمزاعمهم . وراح يتحدث عن مساوى" المرأة وعيوبها بعبارات لاذعة حادة
قضى أينع أيام الشباب وحيداً في داره الصغيرة الموحشة التي اختارها لسكناه في ضاحية مصر الجديدة على حافة الصحراء، وقتع من دنياء بذلك الراتب الضليل الذى يتقاضاه عن عمله في إحدى دور الحكومة ومن بعض الصحف، نظير ما يقدم لها من بحوث أدبية واجتماعية.
وقد اشرف علي الأربعين من عمره . ولمع الشيب الباكر في عارضيه ، فبدا كأنه ابن الخمسين . . لفرط ما لقي في ايامه من إخفاق وخيبة وحرمان .
ضاقت الدنيا بآماله الكبار ، وأقعده اليأس والقنوط جسم كالعقاب الهرم ، لا يقوى على النهوض ، وظل في عهده ساكناً لا يتحرك إلا مقدار ما تقضی به ضرورات الحياة
اشهر الأستاذ محمود - في أوساط الخدم - بأنه رجل طيب ، والرجل الطليب في عرف هؤلاء الشياطين هو الرجل ( العبيط » الذي يسهل على كل خادم أن يغشه أو يسرقه : وهم يطلقون عليه فيا بينهم اسم «الأفندى العازب » ، ولهم في أكثر الأيام معارك دامية في التنافس على خدمته، والحظوة عنده، وكل عامل عامل مهم پریده لنفسه غنيمة، لأنه إن كان قد أحاط علما عما في بطون الكتب فهو لا يعرف ألفاً ولا باء في أسعار الطماطم والخضر واللحوم. ولا بدرى إن كانت الكبيرة » تشوى على النار أو تسلق في الماء ، أو هي شيء غير هذا وذالك ، فاذا أخبره الخادم أن الأوقية منها - مع الإكرام - لا يقل تنها عن عشرين فرشاً صدقه ودفع له ما أراد ، وهو لذلك ولأنه لا يكاف الخادم أكثر من إعداد الفطور صباحا ووجبة الغداء ظهراً - يعتبر في نظرهم « مخدوم المعلة » ،
وتشتد بينهم المنافسة عليه ، حتى أنهم يبيعونه ) بعضهم بعضاً ، فقد يكون الخادم العاطل قد اوخر من أيام عمله قدراً من المال، وعندئذ فهو يجود بهذا القدر كله راضياً لزميله المخطوط بخدمة الأستاذ محمود نظير أن يتخلى له من مكانه شهوراً معدودة ، وتدور المساومة على « بيع » الأستاذ محمود علناً فى القهاوي البلدية التي يغشاها الخدم ليلا ، وقد نتهى بهم المزايدة إلى معركة حامية تجرهم إلى مركز البوليس. وبدون الضابط على لسان الضارب والمغروب وقائع الدعوى التي تدور كلها على الأستاذ محمود أو شرائه !! كل ذلك يجرى فى القهاوي البلدية وبدون في محاضر البوليس. ويصبح موضوع سمر الناس وتفكههم، وصديقنا محمود غارق بين أمواج كتبه ونظرياته وبحوثه التي يزعم أنه قرأ أضعاف أضعافها في صحائف الحياة ١١ وأنه انتهى من ذلك كله إلى نتيجة واحدة هي : « إن الحياة مع المرأة جحيم لا يطاق ) .
وكنت كأحد أصدقائه أشفق عليه من هذه الحياة النمسة التي يحياها جافة جرداء، كالصحراء القاحلة لا ظل فيها ولا ماء. لكنه لم يكن هو يحس هذا الشقاء ، أو هو كان قد أحسه رويداً رويداً في أول أيام شبابه ، وما زال يحتمله بالرضى مرة وبالسخط مرة أخرى حتى ألف الهم واستسالمه ، واستعقب الوحدة وشرب كأمها المريرة وأصبح كشارب الخمر يتداوى بها منها .
ولست أنسى ما حبيت مساء يوم الخميس من شهر يناير عام ۱۹۳۸ ، فقد كان مساء حالك الظلام عاصفاً ممطراً ثارت الطبيعة فيه ثورة جامحة هوجاء ، وانقلبت فيه أوضاع الأشياء فى نظرى ، حتى لحسبت أن السماء غاضبة حانقة تقذف صواعقها على الأرض وساكنيها ، وأن كل شيء في الوجود قد تناولته الرجة من كل نواحيه ، فاضطرب السير ، وتعطلت الطرقات ، وخيمت عليها غياهب الوحشة والانقاض.
في هذا المساء الأسود العاصف كنت على باب صديقنا محمود ، بعد ان ادركني غضب السماء في طريقي إليه ، وبعد أن نلت منه ما نلت من مشقة وإعياء .
وسألت الخادم عن سيده فأجاب بأنه لما يحضر بعد ، وكان من الضروري أن أطلب من الخادم فتح الباب لأعتصم بدار صديق من شكيب المطر الدوار ، ولأجلس في انتظاره وأجفف ثيابي وأستدفى بقدح من الشاي ، ولكن الخادم أطرق برأسه ملياً ، ثم قال في خجل واستحياء : إن سيد يغلق الباب وبدعه خارج الدار طول اليوم حتى يحضر ، وكانت هذه المغارقة العجيبة موضوع دهشتي وفيظي معاً ، واستوفت الخادم جلية الأمر فعلمت منه أن الخادم الذى كان قبله في خدمة سيده كان قد اعتزم الزواج من فتاة أحبها ، ثم لم يجد مالاً يشترى به أماناً المنزل الزوجية الجديد، فأحضر عربين من عربات النقل ، وأوهم الجيران أن سيده كافه ينقل الأناث إلى منزل آخر، وفر بهذا الأناث إلى حيث تسكن محبوبته : : ولم يدع لسيده الأستاذ ... إلا الكتب متناثرة فى أرجاء الغرفة هنا وهناك ، وقد رأى الأستاذ محمود بعد ذلك أن لا حيلة مع هؤلاء الخدم اللصوص الجهلاء !!! إلا أن يغلق باب النار كل يوم، وبدع الخادم مع بواب العمارة المجاورة حتى يعود ظهراً ... ويدخل القادم في ركاب سيده ليبدأ في تهيئة الطعام وتنظيف البيت، وقد يترتب على هذا أن يظل الأستاذ محمود بدون غداء إلى ما بعد الساعة الرابعة ، فإذا خرج في المساء أخرج الخادم من البيت قبله ليظل في انتظاره حتى يعود ، وهكذا دواليك. بي صديقنا محمود على هذا الحال أكثر من شهر كنت قد انقطعت في خلاله عن زيارته ، وكنت إلى هذا المساء المالك المطر لم أعرف عن حادثه الأخير شيئا و همت بالانصراف راجعاً إلى داري بعد أن يئست من عودة الصديق محمود في مثل هذه الساعة من أول الليل ؛ لكن لم أكن أخطو نحو الطريق خطوات حتى تحت شبحاً يقترب مني في الظلام، وتبينت
هذا الشبح القادم ، فماذا رأيت ؟
يا للهول مما رأيت !! هذا هو الصديق محمود ، هو بنفسه . . لكن ما هذه المشية العرجاء ؟ وما هذه الضمامة البيضاء التي ضمد بها رأسه ؟ وما هذا الدم الذي يسيل من رأسة المشجوج على وجهه المعقر الملطخ بالأوحال ؟
ثم ما بال ثيابه ممزقة ملوثة ؟ . ثم ما هذا الذي يحمله في يده اليمني ؟
وهذا الطربوش في يده اليسري مقطوع الزر مضعضعا كأنه ضغط تحت عجلات . . وما هذه المادة الزلالية التي تسيل مما يحمله في يده اليسري وتساقط على ثيابه ؟ .
وتلك هي الكتب : الكتب أيضا تطل من جيوبه محشورة مع الجرائد والمجلات . . هذا كله هو محمود ، محمود بدمه وضمامته وعي جهة وثيابة الممزقة ، وكتبه ومجلاته ، وأوحاله ومصابه . .
قلت : من القادم ؟ من ؟ محمود ؟
وسمعت همهمة خافتة ، وألفاظا تترنح في فمه متعثرة كأنها ملت الطريق إلى الفضاء. وكان باعث ويتهالك على نفسه الفرط الألم والاعياء ، فأسندته إلى يدى ، وما زلت به حتى أجلسته على مقعد البواب ، ثم أسرعت إليه بكوب من الماء فشرب منه قليلا، وبلت بالباقي وجهه ، وجلست إلى جانبه أرقب حديثه عن مصابه الذي أرى ! فما زال حتى استطاع السكلام ونادى خادمه ، ثم مد يده إلى جيبه يتفقد مفتاح الدار ليأمره بفتح الباب ، فلم يجده في جيه. وكانت الكتب رحم جيوبه : ويده اليسرى مصابة بجرح بالغ فأشار إلى جيبه الآخر، ورجاني أن أبحث فيه عن المفتاح فلم أجده أيضاً ، وإذ ذالك قال الخادمه : اذهب مسرعاً إلى أقرب تجار وأحضره تفتح الباب
قلت : واين ذهب المفتاح ؟
قال : لا بد أن يكون قد وقع تحت مجلات التزام أثناء الحادث .
قلت : وما هو هذا الحادث ؟ فنظر إلي نظرة عاتية غاضبة ، ثم قال : أفي الطريق ، وأنا على مثل هذا الحال تسألني عن مصابي ؟
قلت : معذرة فان الحقة دفعتني إلي هذا الفضول !
كان النجار قد كسر الباب. وكنا قد دخلنا إلى غرفة الاستقبال، فألفيتها على حال غير حالها الأول، هي الآن عبارة عن قليل من كراسي القش والخيزران ، وهى الآن عارية من فرشها الذى كنت أراء قبلا ، وهى أيضاً. قد أصبحت عاملة من صورها الجميلة التي كانت تحلى جدرانها وجوانبها ، ولم يبق من معالمها الأولى غير الكتب ! الكتب فقط هى التي نجت من يد الخادم النص الجهول الذى لم يدرك قيمة ما تحوى من كنوز الأولين والآخرين ، أوهى وحدها التي « زهد » فيها الخادم وعافها ، ورآها غير جديرة يرضى محبوبته ، التى حمل إليها كل أنت سيده . وامله لم يشأ أن يحمل إلى جحيم المرأة ! ! جنة الأستاذ الكبير التي يراها كل شيء في هذا الوجود !! فتركها له ينعم بها في ظلال العلوم والفنون والآداب.
... أما صديقى محمود فقد كنت خلال هذه الخواطر التي تعليف برأسى أنظر إليه مشفقاً عليه رانيا الحاله . وكان هو أثناء ذلك يعالج خلع ثيابه فلا يقوى على خلعها ، ويحاول إخراج رجله الجريحة من سرواله فلا يستطيع لشدة الآلام كلما حاول تحريكها. وأعنته على خلع ثيابه حتى آوى إلى سريرة ورحت أرقب حديثه عما أصابه ، لكنى كنت أخشى إيلامه إذا أنا طالبته بالكلام رغم تعرف إلى معرفة سر حادثة
. . واخيرا تكلم الصديق بعد صمته الطويل فقال : - لعلك تري أن الحالة المؤلة التي أنا عليها الآن
تستدعي ان اقول فأوجز ، ثم هي تستدعي من جهة اخري أن تسمع في غير مراح أو سخرية . .
ونظرت إليه مشفقا فرأيت عينيه تشعان ببريق الخنق والغيظ والألم . واستولت على جسمه رعشة خفيفة تشبه المحموم ، فأخذتني عليه الرحمة ، ورثيت لحاله قبل ان اعرف من مصابه شيئا ، واقتربت من سريره فتناولت بدء بين يدي وهززتها في رفق وقلت له :
- أنت يا صديقي محمود أعرف الناس بما أكن لك من ولاء ووفاء . ولست اجد في حالك هذا ما يدعو إلي السخرية ، فكيف تسئ الظن بأخيك الذي يحبك من قلبه ويقدرك أجل تقدير ؟ .
فنظر إلى نظرة دامعة ، ثم أطرق إطرافة حزينة وقال : لست أسى بك الطن، لكني أعرف مقدار ما ينطوي عليه حادق في هذا المساء من وقائع كثير الضحك أكثر مما تثير الرحمة والإشفاق . فمدني قبل أن أحدثك أن تحترم آلامى، وأن تكون أخى الذى أعهده رحيا مواسياً ، قلت أعدك جداً أن أكون كما تحب ، فتحرك في حركة متخاذلة يحاول أن يمد رجله الموجعة في أنين وتألم ثم قال :
كنت الآن منذ نصف ساعة فقط سليما معافى من كل ما تراني عليه من رضوض وتهشيم ودماء وأوصال . كنت عائداً إلى هنا أقف أمام مستشق الجيش المصرى في طريق مصر الجديدة أنتظر الغرام الذي يقلتى إلى دارى ، ورأيت في الطريق تاجراً ريقياً من تجار البيض الذي يبيعونه بالجملة ركب حماراً ، وعلى جانبيه قفصان مملو آن بالبيض ، ومن خلفه زميل يسير على قدميه ويستحت الحمار على المشي ، ووقف الجميع أمامى ثم عرض على أحدهما أن شروة» متهاودة الثمن ، وقد خطر لي في هذه اللحظة أن أساومه وأن أشترى منه حاجتى من البيض لأكشف بذلك من مش شادى وخداعه فما يشترى من الأشياء ،
ذلك لأنى بعد حادث السرقة في الشهر الماضى أى بعد أن حمل خادى السابق كل أنك منزلى ليكون ( جهازا ) العروسه ، أقول اني بعد هذا الحادث قد فتحت عينى وتنبهت بعد طول الغفوة لأساليب الخدم ، وخداعهم ، وطول أيديههم
وانتهت المساومة بيني وبين بائع البيض على أن يبيعنى منه اثنتى عشرة بيضة بالقرش الواحد ولا أكتمك أنى فرحت بهذه الصفقة، وأسرعت فاشتريت منه ستين بيضة بخمسة قروش وإذا علمت يا صديق أن خادمي يحاسبني على كل خمس بيضات بقرش عرفت مقدار الخسارة الفادحة التي أتكبدها بسبب هؤلاء الخدم اللصوص الجهلاء !!
لم أجد فى جيبى قروشاً فأعطيت أحد الرجلين جنبها صحيحاً وأشرت له على محلى البنزين المقابل لمحطة الترام وكافته أن يذهب لاحضار و الفكة » مسرعا قبل أن يصل الترام. ولم أكن أخشى أن يفر الرجل لأن زميله والحمار كانا لا يزالان بجانبي، وهما - فيا أظن - يساويان الجنيه فلا داعي للقلق !! وعاد الرجل مسرعا فناولني البيض في «صرة » تكرم على بها فوق البيعة بعد أن لاحظت عدوه بدقة : وبعد أن أمرته أن يكسر بيضة أماى لأتأكد من جودة الصنف ، ثم أخذ يعد فى يدى باقى الجنيه ، وفى هذه اللحظة كان الترام قد وصل إلى المحطة وكانت الكتب ..!! في إحدى يدى ، والبيض في الأخرى، وصحف المساء تحت إبعلى ، والمعمر منهمر والبرد شديد فارس، والرعد والبرق يتجاوبان في ظلمة الليل ، فلم أشأ أن أدع الترام يمر قبل أن أرك وأعتصم به من هذه البلايا فاشتهرت الرجل وأمرته أن يضع المبلغ جملة في حبيبي الأيمن، وقفزت إلى الترام قبل أن يتحرك ثم جلست أتفقد النقود في جيبي بعد أن وضعت البيض والكتب والصحف... إلى جانبي وعددت النقود فإذا هي سبعون قرشاً فقط. عندئذ علمت أن هذا الرجل الجاهل !! تغقلى في زحمة الترام واستبقى في بده خمسة وعشرين قرشاً من مالي فوق عن البيض.
وكان الترام قد قطع شوطاً طويلا فنهضت كالمجنون أحاول الوثوب الألحق به... ثم أقبض على عنقه وأضع رأسه الأجوف :: الفارغ في وحل الطريق ، لكن الصرة» كيف أتب بها ؟ أو كيف أدعها فى القرام.
وعندئد التمعت في ذهني فكرة سريعة لمساحة واست ممن تذهب الحوادث بعقولهم - فناديت الكسارى وكافته أن يتسلم ( الصرة» ليودعها في آخر محطة عصر الجديدة الناظر ، وقبل أن يفيق الكسارى من هذه المباغتة السريعة - والترام على أقصى سرعته - كنت قد قفزت إلى الأرض ... ولكنى لم أوفق فى هذه القفزة فسقطت على قرب من عجلات الترام ، وكان الطربوش فدائى ... فانه هو الذى وقع تحتها تماما فمات كما ترى ولم أمت و نهضت من سقطتى أكثر غيظاً ، وأشد حنقاً على هذا الريفي اللثيم ، أحس أول الأمر ما أصابى من رضوض وجراح ، ولم يكن هى إلا أن أدركه فأمثل به أشنع تمثيل ... وأخذت أعدو ، وأعدو هنا وهناك ، في الطريق المظلم الموحش الموصل إلى المطرية، وفى الطريق الآخر الموصل إلى كوبرى القبة . وكنت خلال ذلك أسأل كل من ألقاء فى الطريق وأنا ألهمت في إعياء واضطراب - عن رجلين يركب أحدهما حماراً والثانى يسير بجانبه ، وكان سؤالى هذا كان شيئاً يضحك الناس ، فلا أجاب عليه بغير الضحك والاستهزاء
وأحسست بالآلام وبالإعياء ومددت يدى إلى جبيني أمسح بها العرق المتصبب منه ، فاذا الدم يتفجر من رأسى ويسيل على وجهي وعنق وأذنى ، وانشدت عروق قدمى أعد أقوى على المشى ، وتحسنها فاذا هي الأخرى قد أصابها السقوط بأوجع مما أصاب رأسى ، ونظرت إلى ملابى فألفينها ممزقة والأوحال والدماء تلطخها ، وتمثلت الناظري جسامة الحادث وبشاعة نتائجه ؛ قعدت إلى محطة الترام أجر نفسى جراً ... ومازك حتى وصلت إلى المحطة الشؤومة . وجاء الترام الثاني فانزويت في ركن من العربة
حتى لا يرانى أحد معارف على هذه الحال الزوية المضحكة ووصك إلى ناظر المحطة فتسلمت منه «صرة البيض وكان أكثره قد تكسر ، فعدت به إلى المنزل حيث لقيتك علی بایه
ولم يكد صديقي محمود يفرغ من قصته حتى كنت قد أوشكت أن أنفجر ضاحكا وباكيا !
ونظر إلى هو فى ابتسامة هي مزيج من الحزن والألم. ثم انفرجت أسارير وجهه قليلا ونادى خادمه اللص الجاهل : فلم يشأ أن يدعه دون أن يكشف له عن سرقاته المتعددة من ثمن الحاجات. وأراد أن يضرب له مثلا بالبيض - رغم الذى حدث !! - فقال له في حدة وغضب
هل ظننتى مغفلا أيها العبد الوضيع حين حاسبتني أمس على تمن البيض بسعر خس بيضات بالقرش ! الآن عندك فى الصرة» بيض طازج قد اشتريته الفنى عشرة بالفرش الواحد اذهب إلى المطبخ وتجاوز عن المكسور منه ، وستجد الباقي بعد ذلك أرخص وأحسن مما تشترى تم أسرع بإعداد جانب منه للعشاء
ذهب الخادم مطرقاً لا يدرى ما يقول ، ثم عاد بعد قليل يحمل في يده طبقاً كبيراً مملوء بالبيض وبالكتاكيت تقوم في زلاله ، وقال لسيده في عبارة مزهوة متكبرة :
- ليس هذا البيض للأكل ياسيدي ؛ إنه من نقابة بيض معامل الفراخ .
اما سيده العالم الجليل الاستاذ محمود فقد تجهم وجهه ، واضطربت انفاسه ، وأكفرهت اساريره لهذه المفاجأة الجديدة ! وراح يزفر ويتشمل ثم اتسعت حدقتاء ، وبدت عليه علائم التفكير العميق ، كانه اعتزم أمرا خطيرا !
نهض من سريره عابسا صامتا لا يتكلم . ثم اخذ يلبس ثيابا اخري غير الثياب الممزقة ، وجعل يسوي هندامه ويبالغ في إناقته . ونسي آلامه وجراحه ، وتناول زجاجة العطر
فأفرغ منها على شعره ، وتلمس طربوشا آخر فأحكم وضعه فوق رأسه . ثم نادي خادمه النوبي الجاهل فأمره في عزم وصرامة ان يحمل جميع كتبه ، وان يقذف مها إلي أوحال الطريق . .
والتفت إلي باسما فوجدني زاهلا لهذه المفاجأة الأخيرة . . فقلت دهشا :
إلى اين تمضى في مثل هذه الساعة ؟ فنظر نظرة هائلة ، ثم قال : أخر من هذا الجحيم .... قلت : ولكن إلى أين ؟ فقال : إلى الجحيم : قلت : وأى جحيم تعنى ؟ أمن جحيم إلى جحيم ؟ فأطرق ملياً ، ثم رفع رأسه وآثار الدماء لا تزال عالقة بها والدمع يترقرق في عينيه وهو يغاليه ، ثم قال : إلى جحيم المرأة إنه جحيم .... لكنه جحيم يطاق قلت : وأن هي المرأة الآن ؟ فقال : هى هاهنا قريبة من دارى وهى ابنة جاري في هذا المنزل الغريب منا ، هي فتاة مهذبة بارعة الجمال أرسل إلى أهلها منذ عامين يلوحون بالزواج ، إنها ومثيلاتها كثيرات رفهن على جنون الكتب ... ها أناذا أذهب إليها أن، وفى مثل هذه الساعة أطرق بامها وأطلب يدها .
. . مع انقشعت غياهب الليل ، وقرت العاصفة ، واتجابت الغيوم ، وأشرق الصباح عن وجه باسم جميل .
