رجال كالجبال :
كان كهلا نحيلا مريضا . لكنه كان سعيدا ، فقد قنع من حياته بحلية فريدة ، هي ولد وحيد ، يتدفق شبابا ونضارة ، وينظر إلي المستقبل بوجه سمح وسيم ، وقلب باسم مفعم بالأمل . . وكان جليا أن الطبيعة الحكيمة التي رتبت ان يستمد الولد وجوده من ابيه ، قد دارت دورتها مترفقة بالشيخوخة ، واذنت ان يستمد الوالد شغفه بالحياة ، ورغبته فيها ، من ذلك الشباب السعيد الحالم الذي يحياه فناء . .
وإذا بالفتي يدخل المستشفى لعلة مفاجئة ، وإذا به يخرج منه بعد أيام محمولا على الأعناق . . وكان الفقيد صديقي فبكيت وبكيت ، بكيت شبابه الذي جف فجأة كما يجف الجدول العذب المترقرق ؛ وبكيت من أجل الشجرة العجوز التي كانت تعيش على شط الجدول في وداعة ورضا ، مستمدة من مائه عصارة الحياة ، وستجف ، وتهب عليها ريح الحزن الطاغي الذي لا يرحم الوعن ، فتنقصم ، وتنكفىء إلي التراب . .
وصرت اخشى ان القي الكهل فأخفق في ان اعزيه في المصيبة التي تجل على العزاء ، وتختنق كلمات المواساة في فمي ، كما كنت أشفق أن يذكره شبابي الذي رافق شباب ولده بوجه وحيده الذي ذاب في التراب .
حتي إذا كان الأمس رايته مقبلا في الطريق يتوكا كعادته على عصاه . واخذ يدي في يده يهزها ، فلم املك دمعي . وإذا به يربت على كتفي . وإذا به يبتسم . . وعجبت من ذلك ، ورفعت عيني إلي وجهه فاحصا مستوثقا ، فرأيت محياه طلقا يتفجر منه الاطمئنان وهو يوصيني
بالصبر والتسليم ، ويقول لي بصوت هادئ واثق : يا بني . اليس من حقك ان تقطف الزهرة التى تحب من حديقتك ؟ الأرواح أزهار في حديقة الله . لا اعتراض على أحكامه . عرفت سر اطمئنانه وتجلده . عرفت سر صبره . إنه عامر القلب بالإيمان . أخذت أحدق فيه وهو ماض في الطريق متوكئا على عصاء . حقا انه ماض في الطريق ، في طريق الأرض كلها ، إن شيخوخته تقترب من القبر . لكنه ماض بثبات ، بقامة منصوبة . إنه ليس كما وهمت : شجرة عجوز تجف مع الجدول المترقرق . إنه سندبانة راسخة . إن رجولته العظيمة المهيبة تستمد ثباتها وقوتها من مصدر الحياة . من الله .
آراء عمياء :
عجبي من قوم يخدمون الخير بالشر ويقيمون ما يخالون أنه صرح الرحمة على دعائم من المظالم . كونوا فيما بينهم جمعية خيرية جعلوا من أغراضها نشر التعليم ، وتعضيد اليتيم ، ومناصرة الضعيف . وإذا بهم يذهلون عن هدفهم الأسمي ، وينصرف همهم إلي رفع اسم جماعتهم ليعز كل الأسماء ، لا بالعمل الصالح أو الأسوة الحسنة ، بل بتضخيم البناء ، والإسراف في الدعاية ، والتهويل في المظاهر وإذا بهم ينقلبون من رعاية الغاية إلي عبادة الوسيلة فالقادر علي دفع المصروفات يأخذ مكان اليتيم العاجز في مدرستهم الخيرية والصانع ، والأرملة ، والأجير الذين تعلق لهم في عنق الجمعية حق من الحقوق ، يردون عن حقهم بغلظة ، ويخدعون فيه بخسة ، ويضطهدون من أجله بغير رحمة ثم ينام " أعضاء الجمعية الخيرية " ملء الأجفان ، سعداء بلقب العضوية ، وقد زين لهم ضلال الرأي أنهم خدموا الخير بصيانة المال وتنمية الدخل . . إنهم يراكمون النقود في الخزائن لمعاداة الخير لا لخدمته ، لأنها رصيد للشيطان يتضخم من شقاء البؤساء ودماء الضعفاء . إن مثل هؤلاء الناس مع الخير الذي يخدمونه كمثل الدب مع صاحبه .
حياة عجيبة:
ما أتعس حظ المنطق في هذه الأيام. لقد أضحي النظام اسما علي غير مسمى ، وانهارت هيبة الكثير من الأوضاع الطبيعية ، وتولي الشحوب وجوه القواعد المقررة ، وغرق العرف في لجة من الفوضي : في الشارع ، والبيت ، والمدرسة والنادي ، نري ما يحزن ويزعج علي مصير هذا البلد . لقد عرفت قضاة لا يدخنون في حضرة آبائهم ، ثم رأيت في الترام أيضا بينهم وبين القدرة علي كسب القوت عدة سنين ، يخرجون من جيوبهم بكل بساطة ( العلبة ، والولاعة ) ! وعرفت صبايا لم يألفن من الزينة في بيوت آبائهن وأزواجهن غير الماء والصابون ، ثم امتد بي زمني حتي أري في المقاهي شبابا يفوقون في زينتهم العرائس ليلة جلوتهن ، ويتخلصون بالطلاء من لونهم المصري الحنطي وشاهدت روح التمرد تنفث سمها المميت في بيوت حوت شيوخا لم يعرفوا إلا سجادة الصلاة وقراءة الأوراد ، كما حوت فتيات يحذقن الرقصات الأفرنجية التي لم تذع بعد ، ويصفرن بشفاههن المصبوغة التي ذاقت " الكوكتيل " ونفثت دخان اللفائف ، آخر الألحان الماجنة ! . وها هم كهول المعلمين والأساتذة في المدارس ، الذين كانوا في صباهم يوقرون أساتذتهم كما يوقرون آباءهم ، يقاسون الكثير من تنكب الصبية للجادة ، واستهتارهم بالنصح ، وتوقحهم على القانون . أما الأندية فكم تشهد من ألسنة حداد تنهش الأعراض ، وتنهب قيم الرجال وأقدارهم ، وتسخر من كرائم الحرائر ، وتبسط في غير استحياء مصائب البيوت وأسرار الأسر !
أما مصارع الحقوق علي مذابح الغابات ، ووضع الرجل الخطأ في المكان الخطأ فحدث عنها ولا حرج . إنها حياة عجيبة ، تعدو في ناحية ، وتتوكا على عكازين في ناحية ، وتقعد كسيحة صماء عمياء في ناحية أخري ! . إنها حياة عجيبة وكفي !
لم أكد أتخذ مقعدي في المقهي حتى استرعي انتباهي رجل كان يجلس قريبا مني ، فقد كان يتململ في كرسيه في ضجر باد ، وقد تجهم محياه ونطقت أساريره بالغيظ والحنق . سرعان ما تبينت هدف النظرات الكارة الفارة الدائرة في عينيه . لم يكن القلق يعذبه لأنه ينتظر صديقا ، أو قطارا ، أو برقية . ولم تكن مشكلة من مشاكل الفكر أو القلب هي التي تزعجه في مجلسه . إن كل الذي أفني صبره انتظاره لدوره في قراءة صحيفة المقهي التي كانت في يد زبون آخر ! .
خيل إلي أنه لو لم تكن تلك الصحيفة موثقة في عصا طويلة يقبض عليها ذلك الزبون الآخر لقام واختطفها منه ! أما صاحبنا القارئ فقد كان منصرفا عن العالم وكان يبدو عليه أنه قد ألف ان يبدأ بمطالعة الافتتاحية ، يزحف بطيئا بنظره الكليل على كل صفحة من الصفحات حتى ينتهي إلي الرواية المسلسلة في ذيل الصحيفة فيتذوقها في تمهل طويل
هذا هو " المنظر " . أما هامشه فيضعة " افندية " من رواد المقهى يلعبون النرد ، او يثلهون بالحديث دون أن ينسوا ان يرمقوا " الظافر " بنظرات تتباين في الشدة واللين ، لكنها تحمل جميعا معني الإنذار والتهديد والمطالبة ) .
لو أن زائرا أوربيا رأي هذا لما صدق عينيه ، ولظن أن الجرائد في مصر لا تطبع مها إلا نسخ تعد على الإصابع ، أو أن الصحيفة الموموقة ليست إلا نشرة حربية لا تذاع إلا بمقدار . . لكن السلام مستتب ولا حرب ، وبائع الصحف لا يكاد يغادر المقهي من باب حتى يغشاه من باب آخر ، ينادي باسم الصحيفة المشنوقة في يد " الظافر " وقد بح صوته .
لقد أحب صاحبنا - الذي ينتظر - ان يسري همه ويهدي اعصابه ، فاشتري من بائع اللب ، ومن بائع " السميط " . واشتري حلوي ولعبا لطفله . لكن لم يخطر
له ان يشتري الصحيفة التي يجلس متنمرا في انتظارها لمن تطبع الصحف والمجلات في مصر إذا ، إن لم يمكن تطبع لامثال هذا الافندي الانيق الذي يميل طربوشه على جبهته ، ويحمل عصا فضية المقبض ، ويلبس قميصا من الحرير الخالص ، ويبدو عليه انه مشغوف مشغوف بالقراءة والمطالعة ؟ !
اللهم رحماك ، إن العمد الأميين الذين يشترون الصحف تظاهرا ، وهم لا يعرفون كيف يخطون الألف ، خير من الأفندية المتنورين الذين يكابدون مشقة الانتظار ساعات ليقرأوا الصحف مجانا في المقاهي المزدحمة .
