... وبعد فهذا صيدي ستجد فيه كل لطيف طريق من يسير العلماء وسمر الشعراء ، واسرار الادباء ولك عهدي أن لا اتكلف ولا أتحفظ. ولا أنقل غير ما هو حق وصدق
وما تساي أن أقول . والأدب ، كما علمت ، صناعة لا ينجو صاحبها إن تحدث عن أهلها ، من بعض شر يؤذيه ، أو عتب يتعرض له ، أو لوم يناله . إن ذكرت هذا طعن عليك ذاك ، او غمزت أولئك حقد عليك هؤلاء .
وقد يغضب الذين سأسوق الحديث عنهم ، أو قد يرضون . فقد نال بعضهم الدرك بغير سبب ، وبلغوا البغية بغير آلة . تراهم قد عصفت بهم الخيلاء ، وأبطرهم العجب ، فصالوا على الأقران . وهؤلاء تجرحهم الكلمة الناعمة ، ويسوؤهم الذكر الجميل
وأوتى آخرون العلم والفهم ، وعرفوا بالبراعة والتمييز . اعوزهم المال تارة ، والرباء مرة ، فظلوا مغمورين مجهولين ، لا يعرفون ، ولا يذكرون .
وأنا سعيد فيما أقدمت عليه . فلقد وجدت ناسا من الناس ، في قطر من الأقطار، ولا يعرفون عن دمشق وأهلها ، وسوريا وأدبائها ، غير قليل من القليل . اتري هذا ذنبنا ، أم هو ذنبهم ؟ . أما نحن فلا ندعو لانفسنا دعاية غيرنا ، ولا نعرف بمن عندنا . أما هم ، فلا يقرأون كل ما يصدر عنا . أعفوا أنفسهم من كد النظر في آثارنا ، وتسقط طريف أخبارنا ، حتى وقع تفر منهم مما يضحيك ، بل - وحقك - بما يؤلم
وصيدي لا يتبع طريقا قد سلك ، ولا يقصد نهجاً قد طرق إنما هو اخبار صغار ، لطاف ، خفاف تنتقل بينهن وكانك في بستان ، فتجني منهن ما يخلو لك وبطيب عندك ، من غير أن يسقمك طول البحث ، ولا تزعجك
دقة الدرس ، وبقى الصيد ، بعد ذلك ، حبيباً إلي نفسك ، متصلا بذهنك ، ملتحما بعقلك ، يرتاح إليه قلبك ، ويخف الحديث به على لسانك .
والشكر للعلامة الجليل ، أحمد بك أمين الذي طلب هذا الصيد ، ورحب به. ١ - المجمع العلمي وجوائره .
وجدير بنا ، أن نتحدث عن مجمع ( الخالدين ) الحديث الطويل
لا جرم أنه مفخرة دمشق ولو كره بعض العائدين . ولا شك ان أهله أيام نشأتهم ونتاجهم ، كانوا صفوة الشعراء والكاتبين .
لقد هب المجمع يعمل ، وأخذ أعضاؤه يكتبون ويحاضرون . ولا غرو في ذلك ، ورئيسه عندنا سيد المشجعين العاملين
ففي كل يوم مشروعات ، وفي كل أسبوع محاضرات أما المحاضرات ، فستذكر منها ما وفق بها صاحبها ، وجود كاتبها . أما المشروعات فكثار
فمنها هذا العام ، جعله للأدباء السوريين ثلاث جوائر تعطى لمن ألف أو ترجم كتباً في موضوعات لتتعلق بأغراض المجمع ، ولا تخرج عن اختصاصه ولجنة المطبوعات ، خصت بدراسة الكتب ، والدلالة على الصالح العام منها
ويستطيع المجمع تشجيعاً للعلم - كما ورد في نظامه - أن يوزع الجائزة الواحدة على أكثر من مؤلف واحد . ويمكنه أيضاً ، ان لا يمنح الجوائز الثلاث ، في سنة ما ، إذا توفر لديه ما يدعو إلي ذلك
أما أغراض المجمع ، كما حددها أعضاؤه ، فتنحصر أولاً فيما يتعلق بعلوم اللغة العربية وآدابها ، والحرض على سلامتها ، وجعلها تتسع للعلوم والفنون والمخترعات . وثانيا فيما كان ذا نسب بتاريخ العرب ، وآثارهم ،
ومدنيتهم ، وعلومهم ، وما كان للأمم ، بالحضارة الإسلامية من صلات
وإنها لخطوة مباركة . فيها رد على من يزعم أن المجمع لا يشجع الأدباء
ها هو ذا ، قد وضع الجوائز ، فأين الأدباء ؟ أشخاص معدودون يتقدمون . وعندي أن اكثرهم فيما قدموا مخطئون
فالأستاذ خلدون كناني تقدم بمحاضرة أنقاها على الطلبة عن (حسان بن ثابت) وقد طبعها في كراس صغير والسيد أنطون الجناوي تقدم رسالة عن ( الطيران ) وضعها للطلبة أيضا منذ سنين وما أدري إن كان ( الطيران ) في أغراض المجمع العتيد
والأستاذ إبراهيم الكيلاني قدم كتابا جمع فيه دروساً ألقاها على طلبة البكالوريا عن (الحجاج) ، وكان قد اخرجه منذ سنوات
والاستاذ يوسف العش قدم رسالة عن ( الخطيب البغدادي . مؤرخ بغداد) وهي مخطوطة
والاستاذ صلاح الدين المنجد قدم رسالة عن (سجون بغداد ، في العصر العباسي) ومقابستها بسجون أوروبة في ذاك الزمان وهي مخطوطة
فهؤلاء ممن علمت انهم تقدموا . وذلك موضوعات رسائلتهم . أما المخطوطة منها فما أدري ما فيها . أما المطبوعة فليس لي أن أداعب أصحابها الآن ، فلقد نقضتها نقضاً. ولعل هناك غير هؤلاء ، ستذكرهم إن عرفناهم بعد حين .
ولا يقمن في خلدك ، أن هؤلاء أرادوا أن يغصبوا المجمع حكما فيما يلقي علي التلاميذ ، وما عليه إلا انتقاء الرسالة النادرة ذات الموضوع البكر ، الذي لم يطرق ، الجدير بالجائزة ، لئلا . ٢ - رسالة الملائكة المعري. وهذي دار الكتب الظاهرية تقدم مخطوطة نادرة
الرسالة الملائكة ، التي ألفها العربي ، جوابا عن مسائل صوفية سأله عنها بعض الطلبة
وقد ظهرت هذه الرسالة ، قبل سبعة عشر عاماً في كتاب " أبي العلاء وما إليه " للراجكوني . ثم طبعها الكيلاني طبعة ثانية ظن أنها كاملة
وتمتاز هذه المخطوطة من غيرها بأن فيها زيادات لم تعرف من قبل
وقد أخذ الأستاذ سليم جندي ، عضو المجمع العلمي ، بتحقيق هذه المخطوطة ، ومعارضتها بالنسخ المطبوعة ، وشرحها وضبطها والتعليق عليها .
والأستاذ الجندي هذا ، من شيوخ الأدباء في الشام . وهو عالم لغوي فاصل ، واسع الدراية ، حار الرواية ونقده إذا نقد من ، ولدته إذا تندر مؤلم ، ولكن حديثه إذا تحدث جاو وله مساجلات مع الكرملي ، والحمصي ، والمنذر بسبب اليازجي . وقد قهرهم بثابت حجته ، ولم يصنعوا شيئا . ولم أدرك هذه الساجلات ، ولكني قرأتها
ولن تجد كالجندي ولوعاً بالعري وبشعره . فهو يفضله ويقدمه ، ويري في شعره مشحذه على الفهم ، ومحلية للحكمة ، ومردته للخطأ . وقد قضى في صحبته ودراسته عشرين عاماً أو تزيد . وله كتاب جامع فيه ، لم يطبع
وللأستاذ الجندي من التواليف "اصلاح الفاسد من لغة الجرائد" و " امرؤ القيس " و " ابن المقنع " و " على بن طالب " و " رسالة الكرم " و رسالة الطرق " وكلها مطبوعة . و " شرح ديوان النابغة الذبياني " و " دراسات في الأدب العربي " و " كتابه عن العري " وهذه مخطوطة
وسيطبع المجمع العلمي رسالة الملائكة . ويمد أعضاؤه المدة لإخراج كتب مخطوطة ، ودواوين شعرية ، سنتكلم عليها ، وعلي أصحابها في أسابيع مقبلة 3 - مقصورة ضريع الدلاء قصيدة لطيفة أطلعني علي نسخة مضبوطة منها الأدب
الفاضل الأستاذ أحمد عبيد ، وأظن أنه كان يعني بتصحيحها ثم عثرت على أبيات منها في " عيون التواريخ " لابن شاكر . الخطوط في المكتبة الظاهرية
وصريع الدلاء هو أبو الحسن على بن عبد الواحد . الفقيه البغدادي ، عرف بصريع الدلاء . ويقتيل الغواني ، وبذى الرقاعتين. وكان شاعراً ماجنا يغلب على شعره الهزل والمجون . وكان قد قدم مصر ، ومدح الظاهر لإعزاز دين الله ، وتوفى سنة ٤١٢ ه .
وهو جدير بأن ينوء به ، لأنه حلقة من سلسلة ، فيها أبو العنبر ، ومن حذا حذوه .
وقصيدته هذه ، عارض بها مقصورة ابن دريد ، وهي ممتعة ، خلط الجد فيها بالهزل ، والحكمة بالسخف . وعاك بعض أبي أبيات منها .
من لم يرد أن تنتقب نعاله
يحملها في كفه إذا مشى
من دخلت في عينه مسألة
فسأله من ساعته عن السعي
من صفع الناس ولم يدعهمو
أن يصفعوه ، فعليهم اعتدى
من طبخ الديك ولم يذبحه
طار من الفيدر إلى حيث يشاء
من أكل الفحم تسود وجهه
وصار سحن خده مثل الدجى
من فاته العلم وأخطاء الغنى
فذاك والكلب على حد سواء
قال بعضهم وقد قرأ البيت الأخير : إن هذا البيت خير من مقصورة ابن دريد ، فإنه حكمة بالغة
فحبذا الكتابة عن هذا الشاعر ، والكلم عليه .
دمشق

