الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 318الرجوع إلى "الثقافة"

صيد من بلاد الشام :، ساطع الحصرى، وتوثيق الصلات الثقافية بين سورية، والبلاد العربية

Share

( ٢ ) أما الواجبات ، التى يجب القيام بها ، لتوثيق الصلات الثقافية بين سورية والبلاد العربية ، وتنظيمها ، فتنقسم كما رأي الأستاذ الحصري ، إلى ثلاثة أقسام أساسية : ١ : رفع الحواجز التي تعرفل قيام الصلات الثقافية ، وتحول دون توثقها ٢ : العمل على تقريب مناهج الدراسة في البلاد

العربية ، بعضها من بعض وتوحيد الاتجاهات المرسومة لها .

٣ : تعاون وزارات المعارف في البلاد العربية معا ، في جميع الأعمال الإنشائية التي تساعد على تكوين ثقافة عربية موحدة

ثم يعمد الأستاذ إلى التفصيل . أما أمر رفع الحواجز ، فهو ذو شأن كبير . ويشير الأستاذ عند التكلم عليه إلى أن سورية كانت في طليعة البلاد التي آمنت بالفكرة العربية . وأن الشعب السوري ، كان ولا يزال ، أبعد الشعوب العربية عن الثمرات الإقليمية ، التي تضعف قوة الفكرة العربية

ويلاحظ الأستاذ أن الأنظمة والقوانين التي كانت تطبق في معارف سورية ، كانت تستهدف ، بين أهدافها ، إضعاف هذا الإيمان ، والقضاء عليه

بل إن واضعي هذه الأنظمة ، ذهبوا إلى أبعد من هذا

في حقبة ماضية ، إذ لم يقنعوا بمحاربة فكرة الوحدة العربية ، بل تعدوها إلى التفريق والتجزئة في سورية نفسها . ولكن هذه الأعمال كلها أدت إلى تقوية فكرة الوحدة السورية ، ثم الوحدة العربية . وبذلك نمت هذه الفكرة ولم يقض عليها .

ويسوق الأستاذ أمثلة من التدابير التي جعلت حواجز تضعف الصلات الثقافية . فيقول : إن منها حصرهم التدريس في الجامعة السورية ، بالأساتيذ الذين درسوا في معاهد سورية أو فرنسية فقط . ومنع الذين درسوا في سائر الجامعات الأوروبيسة الأخرى ، أو الأميركية . أو المصرية من التدريس فيها .

مع أن منفعة العلم والتعليم ، تقضي بانتفاء أساتذة الجامعة من أرقي أرباب العلم والاختصاص ، من غير نظر في منشأ شهادة الدكتوراه التي يحملونها .

ثم إن إبعاد حاملي الشهادات الأجنبية (الانجليزية ، والأمريكية ، والمصرية ) وحصر التدريس بمن كان ذا شهادة فرنسية ، يعدان (احتكارا معنويا) ينافي روح العلم الصحيح ، والتربية القويمة ، ويكون حاجزا يعرقل الصلات الثقافية بين سورية والبلاد العربية.

ويستنتج الأستاذ أن إلغاء هذه التدابير يضمن ( استقلال سورية الثقافي ) ، لأنها موانع معنوية تحول دون توثق الصلات .

وتأتي الفضية الثانية ، وهي تكوين ثقافة موحدة تشمل البلاد العربية . ولكن ما المقصود من ٥ "الثقافة الموحدة" أو "الوحدة الثقافية"؟ . إن كثيرا من الناس ، يفهمون المعنى على غير وجهه الصحيح . فيقولون : "إن الأقطار العربية" يختلف بعضها

عن بعض ، اختلافا ظاهرا . من حيث الطبيعة والمناخ ، والأخلاق ، والعادات - من جهة . ومن حيث المستوى العلمي والاجتماعي - من جهة ثانية ، ولذلك فلا يمكن توحيد ثقافتها . . لأن في توحيد هذه الثقافة ، قضاء على معزات كل قطر . . بل إنها تؤدي إلى ارتداد ثقامة الأقطار الراقية ، إلى مستوى الأقطار المتأخرة . . ".

ويهزأ الأستاذ بهذه الأقوال . "إني أشبه أقوال هؤلاء ، بمزاعم من يقول : "إن العظام تختلف عن الأعصاب كثيرا ، واللحم لا يشبه الدم أبدا . . فإذا طلبنا توحيد هذه الأشياء المتخالفة ، نكون قد طلبنا إزالة الفوارق القائمة بينها ، وحاولنا إرجاع الدماغ إلى دركة الأمعاء ، والدم إلى دركة الشحم . . ".

"إن هذه الأقوال ، لا يمكن أن تقابل بغير الاستهزاء لأن بدن الإنسان ، دليل على وهنها . والوحدة المثالية التي تتجلى في هذا البدن ، تدل دلالة قاطعة على إمكان تكوين وحدة من أشياء متنوعة".

فالوحدة الثقافية التي نتوق إلى تكوينها في الأقطار العربية لا تختلف كثيرا عن الوحدة الحيوية التي نشاهدها بين أعضاء البدن .

إن اختلاف الأعضاء وتنوعها ، لا يحول دون وحدة الحياة في البدن ؛ بل إن الأبحاث العلمية ، تثبت لنا ، أن تنوع الأعضاء والأنسجة ، يزيد الروابط بينها .

ولقد لاحظ علماء الاجتماع أن تنوع الأعمال في المجتمعات يزيد في تضامنها ، وبقوى الوحدة فيها .

فإذا فكرنا في الوحدة الثقافية ، فنحن نقصد وحدة كالتي نشاهدها في المجتمعات وفي الأبدان ، أو كالتي نشاهدها في الأغاني والألحان .

وهنا لا يدع الأستاذ الحصري الفرصة تمر . بل يضرب مثلا آخر أكثر وضوحا . يقول : " ولو قال قائل : إن الطبل يختلف عن البوق . والمزمار

لا يشبه الكمان والعود مختلف عن البيان ، فكيف يمكن تكوين وحدة من هذه الآلات ؟ . . "

والجواب : أننا نرى في الموسيقى الغربية التي تمتاز من الشرقية بتنوع آلاتها . وكثرة نغمائها . التى تترافق وتمازج خلال عزفها ، أن كثرة الآلات واختلافها لا تحول دون تكوين الوحدة الموسيقية المنشودة . بل تساعد على تكوين وحدة مركبة تكسب الموسيقى السمو والجلال .

فالوحدة الثقافية التي يدعو إليها الأستاذ . ممكن بتحقيقها لأنها كهذا النوع من الوحدة التي تتولد من ترافق أشياء مختلفة ، وليست وحدة بسيطة عادية . تكون فقيرة العناصر ، قليلة التنوع ، ضئيلة الشأن.

إنها كوحدة الحياة في البدن ، ووحدة الأنغام في الأوركسترا .

وأمر آخر جدير بالشرح ، إذا كانت وحدة الثقافة ممكنة ، فكيف تكون وحدة التعليم ؟

يقول الأستاذ : " إن وحدة التعليم لا تعني " عينية التعليم " فلا يطالب إفراغ جميع المواد . في جميع المدارس وفي جميع الأقطار ، في قالب واحد ، وبشكل واحد.

فالتدريس في بيروت ، لا يجوز أن يكون كالتدريس في مكة أو القاهرة ، أو دمشق أو بغداد . بل يجب أن تختلف في كل بلدة عما هو عليه في البلدة الثانية . ولكن ينبغي أن تكون هناك وحدة عامة في الأسس والاتجاهات تشمل جميع هذه المدن والأقطار.

فهذه الوحدة ، تتتناول الاسس فقط ، وتقرر الاتجاهات ولانتدخل في التفرعات والتنوعات التي تكون موافقة للمحيط والبيئة . . في حين أن الأسس الكبرى توافق أسس البلاد العربية الأخرى.

وأردف الأستاذ بما سبق أمورا أخرى تقوي الصلات الثقافية بين سورية والبلاد العربية

١ : العمل على تسهيل تبادل الكتب والمجلات ، وتعارف الأدباء والمفكرين ، وتوافد الطلاب والمدرسين . ٢ : مكافحة العامية ونشر الفصحى . لأن الواسطة الأساسية في بناء الصلات الثقافية هي اللغة . ولا سيما اللغة الكتابية ولما كانت اللهجات العامية مختلفة في الأقطار العربية ، فاللغة الفصحى وحدها هي التي تقوي العلاقات الثقافية وتشد أزرها .

٣ : ولكن هذه اللغة الفصحى بحاجة إلى تنظيم وتوسيع . لأنه إلى جانب القسم الموروث من هذه اللغة المدون في الكتب القديمة والمعاجم ، يوجد قسم آخر يولد وينشأ . وهذا يُرى في المصطلحات الحديثة واضحا فالتفكير في هذه المصطلحات وتوحيدها سبب في تقوية الصلات . ؛ : ثم إن طرق تدوين اللغة الفصحى ، يحتاج إلى الإصلاح والتجديد . ولا بد من اشتراك جميع الأدباء والمفكرين في طرق هذا الإصلاح.

* : ونظم التعليم في الأقطار العربية مختلفة ، لأسباب شتى فينبغي أن تلاحظ كل وزارة للمعارف في كل قطر ، أثناء الإصلاحات التي تقوم بها ، أحوال الأقطار الأخرى . للاستفادة من تجاربها ، ثم للسعى في التقارب ، قدر الإمكان ٦ : ولابد من تنظيم حركة التأليف والترجمة والنشر في الأقطار العربية، لضماع اطلاع كل قطر منها على ما ينشر في غيره .

ذلك عرض سريع لما ورد في التقرير . يجد المفكر فيه أمورا جدرة بالعناية ، خليقة بالتدبر . لأنها نتيجة علم ، وخبرة ، وتجربة .

( دمشق).

اشترك في نشرتنا البريدية